جديد الكاتب

الرمّة

الرمّة، تلك الفيالق الإباديّة التي تعمل بصمت وسريّة متقنة في الإطباق على الأشياء والعناصر، في الحياة الماديّة والطبيعيّة كالأشجار والجدران والمنازل، وتطال المعرفة عبر تسللّها الى الكتب والمكتبات..
لا تعلن عن قدومها الإفتراسي ولا حتى عن أي وجود موضوعي محايد.. الصمت والسريّة والدقة القصوى في عملها التدميري التصفوي يأخذ مساراً لا تستطيع أن توازيه أعتى الاستراتيجيات العسكريّة والسياسية التي درجت بين الدول والجيوش..
إنها (الرمّة) لا تبدأ جيناتها في الحياة إلا وتتناسل متكاثرة ومنتشرة على شكل أفواج وفيالق تستأصل الحياة والمعرفة والجمال من الجذور والأعماق، منحدرة إلى أقصى الأقاصي في تلك المناطق والجذور بلذة إباديّة لا تعرف التوقف والتراجع، أو حتى مساءلة بسيطة لمسارها الحتمي الصارم..
عمل دؤوب وتصميم مهني متقن… حين تبدأ الرمّة، في نخر جذع الشجرة، تكون هذه المخلوقة الجميلة باسقةً ووارفة تكاد تحلّق من فرط الفرح والذي يظللّ الكائنات ويلطّف ظهيرة حياتها القائظة.
الرمّة تبدأ في أساس الجذع لتستبطن الأعماق الحيّة الطافحة بالأحلام وتصدير الجمال الى الخارج، كامل الجذع والأغصان، الأوراق والطيور المغردة والبشر..
تظل الشجرة هكذا، في عنفوانها وألقها، لا تعرف شيئاً عن ما يجري من قبل فيالق الإبادة والتدمير إلا النزر القليل ان عرفت، حتى تنكسر دفعة واحدة وتفارق العالم والوجود… لتحتل الرمّة كامل حَلبَة المسرح بقبحها الفظيع.
هكذا تعمل معاولها الإستئصاليّة المدربّة بحنكة تحسد عليها، تحسباً لأي هزيمة أو اندحار..
تظل الكتب في أرففها، تحتل المكان والأزمنة، ضاجة في صمتها الجمالي الفريد، الذي هو نقيض صمت الرمّة وفيالقها، فخورة بمبدعيها ومخلوقاتها وشخصياتها الواقعية والخياليّة، وفخورة باجتيازها حواجز الأزمنة فيما يشبه البقاء والخلود.. حتى تتداعى مثل الأشجار والسياجات والجدران، وتنهار على رأس العالم والتاريخ..
* * *
ألا يمكن تشبيه الفساد والشرّ البشريين بالرمّة، وطرق اشتغالها وعملها الإبادي في الطبيعة والجمال والمعرفة؟.. وهل هو تشبيه أم مطابقة وتوّحد جيني وسلاليّ ليس في طرق العمل وإنما في النشأة والجذور والمسار.
الإنسان الفاسد الذي يخلق الجماعة الفاسدة، لا أخاله يعمل ويواصل الإفساد والظلم والتدمير للقيم الإنسانية والموارد والأخلاق، إلا انطلاقاً من قواعد الغريزة (الرميّة) وسلوكها.
وهو إذ ينطلق من هذه القواعد وهذا السلوك، لا يفتأ يطوّرها وينميها بعقله الجبار وخبرته ذكائه الطويلة.. أليس الإنسان “سيد المخلوقات” إذا كان كذلك، فستكون رمّته البشريّة أكثر احتيالاً وخبثاً وفتكاً وإبادة. وهذا ما لا يحتاج الى فطنةً وحصافة لقراءته وملاحظته، على كل تفاصيل الحياة والعالم الذي نسمع ونشاهد ونعيش..