جديد الكاتب

الخيال الحر

ربما أصبح من مألوف القول الأدبي ، أن الخيال ، خاصة في مثل أصيافنا اللاهبة ، التي تعلـّب الكائن في بيوت وشقق تشبه كبسولات فضائية معلقة ومكيّفة بينما الفضاء الذي يكتسحه هواء جاف وعدواني أو رطوبة خانقة ، لا يغري بالطبع إلا بالهروب ، بكافة أنواع الهروب والإنعتاق من وطأة اللحظة القاتمة..
في مثل هذه اللحظة التي تمتد إلى أزمنة (وتستحيل إلى عصور) حسب الراحل المنتحر خليل حاوي ، يكون الخيال والذكرى البوابة الأكثر اتساعاً وكرماً لهذا الانعتاق والهرب من براثن هذه القبضة الضارية ضراوة الضباع التي تحمل كل النتانه والخسّة والاتضاع..
هل الوحشية تتمايز وتتفارق في القيم والصفات ، أقول ربما ، أو طبعاً ، فتاريخ هذا المجال الحيوي يزخر بالأمثلة على الصعيد الحيواني الذي استمُدت – ظلماً- منه هذه المفردة التي ترمي إلى نقيض الرأفة والانسانيّة ، أو على الصعيد البشري الذي يكاد يستحوذ بشكل ساحق على المجال الوحشي العدواني برمته ، ويذبل ويتلاشى أمامه أي مشارك ومنافس أنجبته الطبيعة الإلهية في تاريخ خلقها الطويل.
***
في مثل هذه الاوقات ، وهي تكاد تكون الغالبة لأوضاع بشريّة بعينها ، يكون الخيال فرس النجاة المجنّح من السقوط في هاوية الوحش ، الذي يطارد مخلوقاته وضحاياه من غير هوادة وباندفاع ساديّ أعمى .. في مثل هذه المنازلة اللامتكافئة بين الفرد الأعزل وأحلامه الرخوة القابلة للكسر والتلاشي ، وبين تلك الكيانات الجبارة الكاسرة بحكم طبيعة الكينونة والتكوين ، الوراثة والاتجاه ، يكون الخيال فضاء الهرب الوحيد الذي ينتشل الفرد الأعزل من مستنقع الوقائع وسيف التاريخ المسلط على الرقاب.
الخيال والذكرى أو الذكريات ، وهذه لا يتم نسجها وسبكها الجديدان إلا عبر الخيال ، تشكّل نوعاً من درع يقي السقوط والانهيار ..
وأنت بين ما أشرنا إليه ، ببراثن الوحش (البشري الطبيعي – التكنولوجي) وهذه الاخيرة أوجدها العقل الثري ليخفف من وقع الكارثة حقا ، لكنها ، لا تلبث أن تستحيل إلى مصدر أرق وإزعاج.
وأنت تمسي وتصبح بين أنفاقها وسلاسلها (البراثن) تستحضر حيوات سابقة ، مدن وأرياف ، مدن أصدقاء ومحيّا إناث نعمتَ بفتنة الحياة بينهم ، يستحضر فتنة الطبيعة الخالقة ، كفتنة الكتب والمكتبات.. تراهم من غير منظار فلكي لهذه المسافة من الزمن وقد تلفعّوا جميعا بغلالات شفيفة وخلعتْ عليهّم مسافة الخيال سؤداً باذخاً من الحنان والصدق والشاعريّة ، ليكونوا ذخيرةً ، تمد الفرد الأعزل بأسباب استمرار الحياة وتمد المخيّلة بوقود الشعر والكتابة ..
في تلك الحيوات (الطفولية) وقد تجلّت في فضائها الجديد متطهرة بمياه الخيال ونار الذكرى الباقية ، إذ لا أجازف بمقولة الخلود ، خوفاً وتطيراً أمام العبور والتلاشي الماثل في سماء المغيب…
تلك الحيوات المُستعادة وقد تحولت إلى ما يشبه الأثير والمياه الجبليّة الصافية . يختلط في هذه الاستعادة الواقعي بالخيالي الحلمي ، الذي ينقّي ويغسل ما كانت عليها من فظاظة بشرية هي من صفات الكائن الذي يسكن الواقع والتاريخ..
يتمنى الفرد الأعزل الواقع في فخاخ البراثن والمحن كما يقع الطائر الجريح المكسور في جرف مضيق ، ولا بصيص أمل في الخروج – يتمنى أن لا يلتقي بتلك الحيوات والأماكن والوجوه في الواقع الذي تغيّر وتصدع أيما تصدع ، كي تبقى الصور المشرقة التي تلهم ليله بالألفة والحياة ، وأن لا ينفد زاده في الطريق الطويل الموحش.
(أنا أتَخيّل إذن أنا مغرم وحر) داريل.