جديد الكاتب

الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي

إهداء إلى الشيخ حمود الصوافي
ذكرى أزمنة الطفولة المزهرة

في ذلك الصباح الذي تمتطيه رطوبةٌ خانقة، وهواءُ بحرٍ كفيف، غادرتَ، ميّمما شطر “البصرة” حين كانت موئلاً للنسّاك وضواري المعرفة. لم تودّع البحر والسهول والوجوه، ألقيتَ نظرةً أخيرةً أغزر تعبيراً واحتداماً من نحيب، أكثر احتشاداً من الدمع المتحجّر في المآقي.
أدارتْ الناقةُ ظهرها للرَّبْع، فكان رغاء الحنين، حتى اختفى، وبقي القلبُ يخفق طوال الطريق الذي قصرته  أحلامُك الأكثر جمالاً من وميض برق في ليلةٍ ظلماء، أو فتنة امرأة فارهة.
في البصرة انتبذتَ ركناً قصياً على شط العرب وعشتَ عزلة الزهّاد الذين صيّرهم الايمان أشبه ”
بخيالات من فرط التوحّد والتسبيح”. كان لك إيمان المعرفة واستبطان الأقاصي التي لم يرتدْ مناجمها الوعرةَ، أحدٌ قبلك..
العزلة الموصولةُ بروح أسلافك بتلك القفار التي تضيعُ في فجاجها العميقة، صرخةُ الرعيان
والجوارح؛
حيث القسوةُ إكليلُ الوجودِ المثمر وشرطه.
كانت اللغة علامتُك لفهم الوجود، وهذا ما عرفتْه البشريّة بعد قرون. قرأت تراث “الإغريق” لكن
كان تماهيك مع كشوفك وحدوسك.
بحثتَ في أنساق الكلِم وتشعّباتها وطرائقها وكأنك في غابة، أشباحُها الحروف والكلمات المستعصية؛
فكان لك سبْق الترويض واتساق المعنى.
وكان الشيخ محي الدين ابن عربي، هو الآخر يحلم  بقِرانه من نجوم السماء وحروف الهجاء كان ضجيج الحروف ونَغَمُها يضيء ليلك الموحش، فكان “كتاب العين” العين وليست الألف أو
الهمزة لأنهما ناقصان، وسُلّم إلى الأعلى في هَرَمَ الحروف وبنيان اللغة.

العين الأكثر صفاء ونصاعةً من نبع جبليّ تذكرتَه ذات مرة، فراودك الحنين إلى مرابعك الأولى. بعد كتابك المعجز، قامت قيامة الخصوم الذين أنكروكَ، وأداروا دوائر المكر، وأنت في صمتك بين
الظلام والضفاف.
لقد شاهد “الأزهري” و”السجستانيّ” وغيرهما، شاهدوا عجزهم في مرآةِ خلودك؛ وفي ظل حقدهم
المتطاول،
كانوا ينهبون إنجازاتك، ويغطّون نهبَهم بغبار الإشاعات.
لكن “سيبوبه” النبيل في “الكتاب” وابن “دريد” حفيد السلالة والمعرفة في “الجمهرة”، نهلا بامتنان وحب من معينك، كما نهلتْ الأجيال اللاحقة.
أسلمَتْك الرياضيّاتُ، مكنون سرِّها وصرامتها، وأسلمتك النيازكُ ضوءها الغامضَ قبل أن تنطفئ في
دروب المجرّات.
لم تُغرِكَ نداءات أولي الأمر والشهرةُ والمال، ولا بطش الخلافة الآفلة.
?أنستُ بوحدتي ولزمتُ بيتي
فطاب الأنسُ لي ونما السرورُ
ولســــت بسـائــل يــوماً أناساً
أسـار الجندُ أم ركـــب الأميرُ?
كنتَ المنارة التي يهتدي بها العلماء والالتباس الدائم للأدعياء الذين لم يفهموك فكان تقديرهم لك أكثر فتكاً وإساءةً من الأعداء.
أيها السلفُ الكبير
لك التبجيل والتعظيم
لك الغيمُ والسلام
لك الورد والصباحاتُ الهاذية في الحقل
لك الأحلام النافرة كعنق الحصان
لك الغيث ينهمر على قبرِك الوضيء
عشتَ وحيداً
منذوراً للمعرفة والجمال
ومتَّ
على منعطف النهر والزمن والعالم
الذي اعتزلتَه باحتقار.
لحظة احتضارك في ذلك “الخُص”
وسط نقيق الضفادع وألق الوحدة والليل
كيف صَعدَ سهم الروح إلى بارئه
وتسلّقت سلالم الحضور الكليّ؟