جديد الكاتب

الخطابة (علم) الدجل

إذا كان علم الخطابة والسياسة بمختلف تجلياته في العصور المعرفيّة القديمة (أرسطو والفلاسفة الفسطائيّون) على سبيل المثال الذين اتخذوا من الجدَل الخلاّق طريقاً ناجعاً للوصول إلى كشف غوامض الأمور وتذليل صعابها…
فكان علم الخطابة والسياسة هو الأسمى والأخطر لديهم ، ففي العصر الحديث ، العربي خاصة والبلدان المتاخمة ، انقلبت الآية ونزل هذا العلم من عليائه إلى أسفل السلّم المعرفي وأرذله ، واستحال إلى ضرب من فنون الدجل ومباريات النفاقِ والتهريج فوق شاشات هذه الحلبة الكونيّة التي وحّدتها البربريّة الحديثة..
يتبارى المتبارون في المجالات كافة ، يشحذون الأدوات ويجيّشون الحشود البلاغيّة التي تستند دائماً إلى براهين الضحيّة الكبرى : الحقيقة والعدالة والمساواة و….لخ ، لدحض حجج الخصم ودحرها خارج الواقع والتاريخ. الخصم الفكري والديني والعسكري والأدبي ، لا حلّ أمام حشود بلاغة الكذب وسطوة التكنولوجيا إلا نهايتة (الخصم) وتحطيمه بهزيمة ساحقة لا تبقي ولا تذر.
من هنا تنتفي في هذه الخطابة الصوتيّه العالية ، الاحتمالات والنسبيّة والشك ، إذ لا مجال إلا للحسم والجزم النهائي في الخطابة المعصومة من الخطأ والمندفعة دوماً نحو الصواب و”الحقيقة” التاريخيّة والراهنة.
حتى لو كان القاتل ، ما زال يتدفّق من ساطوره كمامن لسانه ، شلاّل الضحايا والمنكوبين .. لايفقد تلك القدرة البلاغيّة والإستيهاميّة ، ولا يخالطه ارتباك أو تلعثم أو ظن .
ونرى المتحدث الخطابي فوق المنابر ومن أعماق الاستوديوهات الفاخرة ، نادراً ما يتوقف أمام فاصلة أو نقطة اشتباه أو استفهام ، منقضاً كالصاعقة على الطريدة المدّعاة : الحقيقة ، (في الحقيقة) الواقع (في الواقع)، خالقاً من الغثّ بضاعة سمينة ومن القاتل ضحيّة بامتياز .
***
إذا كان من نقطة مضيئة عبر هذه الوسائل والوسائط الإعلاميّة وإنجازات التقنية ، يحاول صاحبها الإبلاغ والتوصيل كشهادة صادقة ومفارقة ، فلا بد أن يضيع ويتلاشى في هذا الخضّم الهائج للمتبارين المحترفين على الحلبات المختلفة .
وحتى المتلقي ، عدا القليل جداً يكون هو الآخر ، تائهاً و(مطعوجاً) في الخضمّ المتلاطم نفسه .
هذا السلاح الفتاك ، هو الجزء المكمّل أو ربما المسبّب وربما أشياء أكثر خطورة للمذبحة التي نرى ونشاهد ونسمع على مختلف الصُعُد الماديّة والأخلاقيّة والروحيّة.
***
هذه الدعاوى الخطابيّة حول العدالة والأخلاق وثنائية الحق والباطل ،الخير والشر ، بتلك الإطلاقيّة هي أكبر مشوّش وحاجب حد التدمير، لتلك القيم النبيلة.. وهذا الهجوم المعنوي الذهني ، أكثر إبادة لإنسانيّة الإنسان وفطرته وذاكرته ، من الإبادات الماديّة المباشرة ، بحيث يبقى مشدوداً طوال يومه وغده بتلك “الخطابات” المقدمّة على ذلك النحو الباهر البرّاق ، وهي ليست خاوية فحسب كما يحصل في الأدب “اللغواني” اللفظي الفارغ من الداخل ، وإنما مملوءة بالسموم وخلاصات الكذب والتدليس عبر التاريخ .
***
لم يبق شيءٌ على قدَميه
عدا وعل جريح
في غابةٍ محترقة

 

 

1