جديد الكاتب

الحصان المربوط على نخلة بأطراف البلدة” لسيف الرحبي … إمكانيات القول في الكتابة الشعرية: خليفــة بباهـــــواري

الحصان المربوط على نخلة بأطراف البلدة” لسيف الرحبي … إمكانيات القول في الكتابة الشعرية: خليفــة بباهـــــواري
الكتابة الشعرية الحديثة مزيج من التركيبات المتنوعة التي تأخذ تكويناتها من مجالات متعددة و مختلفة. إذ هي منفتحة على كل مناحي المعرفة الإنسانية، يضاف اليها الموقف الذاتي و الأحاسيس الداخلية للشاعر. و لذلك نجد في الكتابة الشعرية الحديثة سواء في الوطن العربي أو في باقي مناطق العالم أن القصيدة الحديثة تتشكل في حربائية – اللفظ هنا مأخوذ بصيغة ايجابية – تكاد تخرجها من مستويات التصنيف المرتبط بالأجناس الأدبية. و هي تحمل في تكوينها معطيات أصبحت تتقاسمها مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى.
من منظور آخر، لا يصعب ملاحظة أن القصيدة الحديثة أصبحت تمتاز بتمنًّع عن التصنيف التقليدي من حيث كونها غزلا أو مدحا أو رثاء أو هجاء أو إلخ… بل، و الأهم من ذلك، أنها أوجدت مستويات تعبيرية أخرى لم يكن للقصيدة التقليدية عهد بها.
إذا كانت هذه هي السمات العامة للتجربة الشعرية الحديثة، فهناك خصوصيات جمة و عدة تؤطر كل تجربة شخصية. و تتأثر هذه الخصوصيات بشكل إجمالي بالانتماءات الأيديولوجية – و هي ظاهرة آخذة في الإنحسار بمرور الزمن، و وجود ما يسمى ب”انتهاء زمن الأيديولوجيات” – و بتأثيرات الوسط الإجتماعي و الثقافي للشاعر و بالبنيات التكوينية للشخصية الشاعرة … و غيرها. و هذا ما يؤسس تفرد التجارب و بناء الخصوصية عند كل شاعر.
و من خلال التجوال في التجارب الخاصة للشعراء العرب المحدثين، تم توقفنا عند تجربة غزيرة بالعطاء – إن كما أو كيفا – تجربة تحمل الكثير من الهموم منها ما حملته خلال تكوًّنها النفسي المتفرد والمتشبع ببنيات الغربة عن المكان- الأصل، و عن الناس- الأهل. و منها ما تحمله ارتباطا بمسؤولياتها الحاضرة. إنها تجربة الشاعر العماني سيف الرحبي.
و نشير في مطلع دراستنا هذه أننا لن نحصر عملنا في ظل منهاج نقدي معين، بل سنعبر كل آفاق النقد و محيطاته لنأخذ من النقد النفسي و الإجتماعي و اللساني و البلاغي و الموضوعاتي و غيرها من الأدوات ما يمكننا من الغوص و الإبحار – بدون قنينات الأوكسجين – في العوالم المشكلة لتجربة الشاعر العماني ( و الإشارة المكانية- الوطنية مقصودة هنا) سيف الرحبي من خلال التعامل مع قصيدته الموسومة بعنوان ” الحصان المربوط على نخلة باطراف البلدة”[1].

1- عتبات النص:

ينتشر نص القصيدة الطويل على امتداد سبعة عشرة عمودا تستوطن ثماني صفحات ونصف الصفحة من الحجم الكبير. و تمتد القصيدة على مسافة ثمانية وثلاثين و اربعمائة (438 ) سطر. و تنقسم القصيدة الى واحد و ثلاثين (31 ) مقطعا كلها تحمل عناوين داخلية.

أ‌- العنوان:

” الحصان المربوط على نخلة باطراف البلدة”. العنوان بدوره يتشكل على غرار القصيدة في طولها . و يضم بين جانبيه سبع كلمات: خمسة أسماء و حرفين. ويتكون من جملة اسمية تكملها شبهي الجملة من الجار و المجرور. هذه الملاحظات الشكلية ليست اعتباطية و ليست بريئة. فلماذا غياب الفعل في كل هذا الامتداد؟ لماذا يتكرر الجار و المجرور مرتين في هذه الجملة الإسمية؟
العنوان مأخوذ من سطرين من المقطع الأول المعنون ب”السر” :
” و هربت بك الخيل العاشقة
في (سناو) مخترقة أفواج
البشرلتقف عند حصانها
المربوط على نخلة بأطراف البلدة.”
تغير التعريف من النص الى العنوان – أو من العنوان الى النص- ففي العنوان هناك تعريف ب”أل” و في النص فالتعريف يأتي بالإضافة، و كأن الشاعر هنا يريد أن يؤكد على هوية هذا الحصان و على أنه ليس أي حصان. فهو في نفس الوقت “مطية” للهاربين و الفارين و الراحلين و علامة للحصار لكونه مربوطا.
غياب الفعل كما أشرنا سابقا يتطابق مع هذه الكينونة الثانية التي تتشكل سلبيتها في معنى الكلمة من مصدر “الربط” و في كونها مستعملة في صيغة اسم المفعول الذي يقوم عليه فعل “الربط”. و يعزز هذا التأويل استعمال شبهي الجملة من الجار و المجرور للتأكيد على التبعية أو لنقل على الارتباط و عدم الحرية: خطير أن تحاول اللجوء الى شيء ليساعدك على الهرب لكنك تجده، ليس فقط غير قادر على مساعدتك، بل لا يستطيع مساعدة نفسه أيضا. تتأكد هذه القراءة مع الخطاب الذي يوجهه الجبل للشاعر في المقطع الأول ذاته، إذ يقول:
” رغم كل هذا الفراق
لن تهرب من جوارحي
التي لاحقتك أحلامها في أماكن كثيرة.
كان الحب الوحشي بيننا متبادل.
و سيحين وقت استلامك بين الأبناء و الأحفاد،
الذين تزاحمت أجداثهم في شعابي،
راضيا مرضيا
و من غير شفقة هذه المرة..”

ب‌- العناوين الداخلية:

تتميز العناوين الداخلية والتي عددها واحد و ثلاثون عنوانا – كما هو الشأن بالنسبة للعنوان الرئيسي – بغياب الفعل و سيطرة الأسماء، مما يؤكد على تموقف الشاعر من غياب الفعل الإيجابي في محيطه.
و أغلب هذه العناوين( 22عنوانا) تشكلت من كلمة واحدة. بينما تكون بعضها (سبعة عناوين) من كلمتين : مضاف ومضاف اليه ( خمسة عناوين) أو مبتدأ و نعت ( عنوانان). في حين ضم عنوان واحد ثلاث كلمات ، “ثور القرية الهائج” و عنوان آخر خمس كلمات، “عبد الله بن أحمد الحسيني”. و نلاحظ أن القصيدة تسيطر عليها الأرقام الفردية و لا شك أن هذا له علاقة مع التجربة الحياتية للشاعر سيف الرحبي – سواء أكان ذلك عن قصد أم جاء بطريقة لاواعية – من حيث تأثير مرحلة الغربة و الشعور بالوحدة التي عانى منها خلال مراحل حياته الأولى.
و يمكن تقسيم هذه العناوين الداخلية الى ثلاثة أقسام:

* القسم الأول يهتم بالطبيعة، و يضم العناوين التالية : عشبة، ثمار، نهر، أودية، نحل، ثور القرية الهائج، الصحراء، نخلة، طقس، هواء الغرفة، سمائل ( منطقة بعمان).

* القسم الثاني، و يهتم بالإنسان و ما يرتبط به، و يضم العناوين التالية: نحيب، أطياف، الغرباء، السجين، أخوة مجهولة، شيخوخة ( و هذا العنوان تكرر مرتين)، ألم، حنين، الملكة، السرير الكبير، لوحة، داليا، رسالة، حكاية هيرودوت، عبد الله بن أحمد الحسيني.

* القسم الثالث، و يهتم بالزمن، و يضم العناوين التالية: هذه اللحظة، هذا الصباح، منذ القدم.

تسيطر الطبيعة، إذن على مجالات اهتمام الشاعر سيف الرحبي، طبيعة صحراوية تتمثل في موطنه عمان كما أشرنا في المقدمة عندما أكدنا على هويته الوطنية. الطبيعة الصرفة الخالية من كل وجود اصطناعي أو مفروض على المجال الصحراوي: فمن خلال استقراء عناوين المجموعة الأولى، وحدها ” الغرفة” في العنوان ” هواء الغرفة” من صنع الإنسان، أما الباقي فكله عناصر طبيعية محضة لم يمسها التغيير الذي يفرضه حضور الإنسان سواء كان ايجابيا أم سلبيا.
ثم، بعد ذلك، يحضر الإنسان بقوة من خلال تجليات سلبية ( بالمعنى الفلسفي للكلمة): حيث يسيطر الألم و الحزن و الغربة و الشيخوخة التي تكررت كعنوان مرتين في المقطع 12 و في المقطع 21 ( كم هي جميلة صدفة الأرقام هذه بين 1 و 2، مع التأكيد أن المقطع 12 اهتم برجل و المقطع 21 اهتم بامرأة، و كلاهما وصل سن الفرجة على العالم و نهاية الفعل الذاتي – كما جاء في القصيدة ). ما أثقل ما يحمله سيف الرحبي اذن لكي نجده في هذه المتاهة الحزينة التي شكلتها الأحدات حوله و حاول قراءتها من خلال تفاعله مع الواقع.
ثم، أخيرا، يأتي الزمن ليؤكد تناوله نفس النغمة التي نسجت عليها المجموعتين السابقتين: فتشكيل الزمن في القصيدة يقف عند ” هذه اللحظة” بعدما يمر عبر الماضي “منذ القدم” و ” هذا الصباح”. فغياب الإشارة الى المستقبل لا ينبغي فهمها برفض هذه المرحلة الضرورية من الزمن الإيجابي للإنسان (لأننا نجدها في سياق القصيدة) ، بل هي أكثر من ذلك تأكيد على الحنين الذي يطبع تجربة الرحبي.

ج‌- الإهداء :

عادة ما يكون الإهداء في بداية النص مباشرة بعد العنوان. الا أن سيف الرحبي جاء بصيغة بديلة، حيث أنه جعل الإهداء موغلا في النص. فرافق هذا الأخير المقطع التاسع عشر المعنون ب” ألم”. مما يدفعنا للتساؤل عما إذا كنا أمام نص طويل مكون من مقاطع أو أمام نصوص تتوحد تحت عنوان عام و كأنها ديوان قصير.
و يبدو أنه ليس لسيف الرحبي سوى “ألمه” ليهديه، مما يؤكد تأويلنا للمجموعة الثانية من العناوين الداخلية. و الإهداء من حق الأديب ” د. خليل النعيمي”. جاء في المقطع :

“لا أحد يقيس نبض الإعصار
لا أحد يستطيع
عدا صديقي الحكيم
الذي يحاول ترويض العاصفة
و يستيقظ في وحشة الليالي
لإسعاف الضحايا.”
فهي اذن علاقة صداقة بين الرجلين. بالاضافة الى ذلك يمكننا اعتبار استعمال هذا الإسم تتبيثا لتوجهات الشاعر المناضلة و لتاريخه “الإغترابي” و هي نفس تجربة الأديب المغترب السوري الأصل و الذي أختار حياة المنفى بعدما صودرت كتاباته في بلاده.

د‌- التاريخ :

و قع سيف الرحبي قصيدته يوم 6/11/2001. لن نتساءل عما إذا كتبت القصيدة دفعة واحدة، لأن ما يهمنا في استحضار تاريخ الكتابة هو التأكيد على أن المقاطع الإحدى و الثلاثين تشكل نصا واحدا.

2- تشكلات النص و دواخله.

أ‌- الفضاء: التعدد و الارتباط.

تحضر فضاءات مختلفة في مساحة النص و تتعدد بشكل ملفت للنظر، لكنها تتوحد في كونها تخلق لها مجالا قويا من العلاقات مع الإنسان الذي يحضر في الكثير من الأحيان في شخص الشاعر. و يبدو الفضاء بتعدد أمكنته مسيطرا على الشاعر في وعيه و لا وعيه. يقول الشاعر في المقطع الأول:
رغم كل هذا الفراق
لن تهرب من جوارحي
التي لاحقتك أحلامها في أماكن كثيرة.
فالفضاء ككائن حي سيلاحقه كلما حاول الهرب و الفرار و كلما حاول الابتعاد. و سيتمكن من اللحاق به في كل الأحوال، مظهرا بذلك سيطرته و سطوته، و نلاحظ هنا في مقاربة بلاغية أنسنة الأشياء و الجمادات، و إعطائها قوة و حيوية تجعلها تمارس أفعالها كما يقوم الإنسان بذلك.. ثم إن الفضاء و الأمكنة و الجهات هي مصدر للقاء و للمعرفة و لتغيير الأجواء و تكسير علاقات الاغتراب. يقول الشاعر في المقطع الخامس:
من أين يأتي هؤلاء الغرباء
يتدفقون من كل الجهات
يقرعون الأرض بأحذية صدئة
على أفئدتهم يربض ميراث الجفاف.
و بلاغيا أيضا، نلاحظ استعمال الاستعارة حيث يصبح الجفاف كحيوان يقضي ليله، و ما أطول ليل الحيوان– على الأقل هو أطول من ليل الإنسان – دون أن يتململ من مكانه، مما يضفي قوة على صورة الربض و الجثوم.
و كما أشرنا يأخذ الفضاء عدة أبعاد و يظهر بتجليات مختلفة كما سنعرض له الآن:

– الجبل: يحضر الجبل في القصيدة بشكل ملحوظ و مثير للاهتمام. و يأخذ حضوره مجموعة من الأبعاد المتعددة و المتجانسة في نفس الآن. فيبدو الجبل ككائن حي له حضوره الفاعل و تجليه الخاص . يقول الشاعر في المقطع الأول:
يرمقني الجبل العاتي
من خلف مناظيره السحيقة
ولسان حاله يقول:
أمازلت موجودا هنا
لقد طالت إقامتك هذا العام.
أعرف أنك تحاول الكتابة عني
وأنك مولود تحت ظلالي الداكنة
فهو، فعلا هنا، كائن حي بكل المقاييس، حيث نجده يرى ( يرمقني)، و يتكلم (ولسان حاله يقول) و كذلك يمتلك طاقات معرفية ( أعرف أنك تحاول الكتابة عني)، تضاف إليها إمكانية وجود ذاكرة تعقل و تتذكر: كما جاء في المقطع الواحد و الثلاثين:
ما حاجتكم إلى أساطيري وحيواناتي
إلى شعوبي التي تقيم في التاريخ
وفي ذاكرة الأشجار والجبال
بل أكثر من هذا و ذاك فللجبل روح تجعله كائنا حيا بكل المقاييس و إلى ذلك يشير الشاعر عندما يقول في المقطع الرابع:
الجدار القائم بذاته
مقفرا وصلبا
كأنما استعار روح الجبل المجاور.
و نلاحظ في استعمال الألوان حضور الألوان الداكنة و اللون الأصفر (كما في المقطع التالي) و هي التي تؤكد كما في التأويل النفسي لمحة الحزن و الكآبة.
و يستمر حضور الجبل بطابعه الإنساني ليحقق درجة من الكرم التي اشتهر بها العرب، يقول الشاعر في المقطع الخامس عشر:
الجبل الأصفر بتفرعاته المهيبة
ونتوءه الذي يشبه السرير الكبير
يستقبل القادمين من مسقط
إلى عمان الداخل
و يجب هنا الوقوف عند التشبيه الذي يقدمه الشاعر حيث يصبح النتوء كالسرير لنعرف مدى إنسانية هذا الجبل الذي سيتحول إلى كريم يهب سريره للزائرين بعدما يستقبلهم و تلك قمة الحفاوة و الكرم. تشبيه آخر يقدمه الشاعر يحمل الجبل إلى وجهة أخرى و يجعله يلعب دورا آخر مغايرا و متمما لدوره الأول حيث تصبح الجبال الواقي الأول الذي يقف مدافعا عن الآخرين و يتحمل في سبيلهم ما يمكن أن يقع من مفاجآت ربما تكون سيئة: حيث يخبرنا الشاعر في المقطع الثالث و العشرين أن الجبال هي أول من يصطدم بالآتي الغريب فيقول:
لكن يبدو أن غبار الكواكب قادم
طلائعه بدأت تغمر الجبال.
و يؤكد الشاعر على هذا الدور عندما يخبرنا في المقطع الخامس عشر أن السحرة أقاموا أعراسهم بالجبل و اتخذوه مجالا لإقامتهم و لحمايتهم و شبهه بذلك بجبال الأولمب الشهيرة في اليونان:
واتخذوه حصنا منيعا
كما اتخذت الآلهة الإغريقية جبال الأولمب
يؤكد هذا الشكل من التعامل، إذن، مع الجبل مدى حضوره الفاعل و القوي عند الشاعر. هذا الحضور يتجدد أيضا في تعامل الشاعر مع الصحراء كفضاء متميز و متنوع الحضور.

– الصحراء: تخضر الصحراء بكثافة في قصيدة ” الحصان المربوط على نخلة بأطراف البلدة” و يأخذ حضورها تجليات وأبعادا مختلفة. فهي مكان للراحة و الاستراحة، فقد جاء في المقطع السادس:
لو تنجلي هذه اللحظة المحتشدة بالأطياف
وتتركني أهنأ قليلا
على ضفاف هذه الصحراء
عابرا كهوفا أزلية للنيام
منحنيا بلطف أمام سدرة وارفة
فهي مكان جميل على اعتبار أن لها ضفافا و هي ستمكن الشاعر من أن يهنأ قليلا من الأطياف التي تتابعه. إلا أنها، بعد ذلك، ستفقد بسرعة ميزاتها هاته في الحماية لتتحول إلى خطر يداهم الناس إلى درجة الموت. و نجد ذلك عندما يتحول الربع الخالي و هو الصحراء الكبيرة الممتدة في شبه الجزيرة العربية إلى مكان للموت و ضياع الحياة. يقول الشاعر في المقطع السابع:
رحلوا عبر الربع الخالي
جاءوا من كل أطرافه ونواحيه
قبائل تترى
تتبعها النساء والأطفال
لمحاربة الرياح
التي تأتي على الزرع والمياه
توغلوا قليلا في المتاهة
أبصروا أرخبيلات من سراب
تلمع في ضياءها البنادق والسيوف
من تلقاءها هبت عاصفة (القبلي)
بكواسرها اللامرئية
فأتت على القوم و نثرتهم في الرمال
كان نسر وحيد يحلق فوق الجثث
والدماء لا تسيل من كثرة ما جفت
في العروق
فريح الموت تسيطر على هذا المقطع سيطرة تامة، حيث تأتي الرياح على الزرع و المياه، و حيث يضيع الراحلون في المتاهة و لا يجدون أمامهم سوى السراب، و حيث يموتون ميتة مخزية بعدما تجف عروقهم من الدماء.
يمكننا في هذا المقطع أن نستشف وجود لغة تتناص مع لغة القرآن في : ” تترى، تأتي على الزرع، أتت على القوم”. و هو ما يكرس ، إذا ركزنا على مكان نزول القرآن، الحضور القوي للصحراء.
و يستمر حضور الموت مع الصحراء، حيث يظهر الطابع الجنائزي في المقطع الثلاثين الذي يقول فيه الشاعر:
أصغي إلى الضفادع
حادية الليل
منتشية بندائها الأزلي.
أصغي إلى عويل الصحراء
يتقدم المشيعون مواكبها الجنائزية
فتتحول الصحراء إلى ذئاب منذرة بواسطة عويلها بموت يتحقق مباشرة ليبدأ العزاء ولـ ” يتقدم المشيعون مواكبها الجنائزية.”

– البحر: يبدو البحر، خلافا للصحراء، فضاء معدا لاستقبال الكائنات و الاحتفاء بها. خصوصا و أنه يساعدها على تجاوز غربتها و وحدتها. فهو قريب من هذه الكائنات، و من ذلك قول الشاعر في المقطع الثالث عشر:
البارحة
على مقربة من البحر
مضطجعا أحدق في سماء باهظة
لا غيوم ولا حتى ظل طائر يعبر.
فإذا كان هناك نفي لأي وجود أو تواجد فإن البحر ليس فقط متواجدا بل هو قريب و يسمح بتحقيق حالة من السكينة و الراحة عندما يسمح للشاعر بأن يضطجع بقربه، و على مقربة منه. و يظهر هذا القرب مرة أخرى في المقطع الرابع و العشرين و بنفس الشكل تقريبا مع تغيير طفيف للشخص، فعوض الشاعر تحضر النخلة، يقول الشاعر في المقطع الرابع و العشرين:
نخلة مستوحشة
على حافة البحر
تحدق فيه بتوجس وريبة
كأنما قراصنة سينقضون بعد قليل
على جسمها الجميل
فإذا كان هناك توجس و ريبة، فليس من البحر ، طبعا، بل من القراصنة. و النخلة كالشاعر لا تنظر للبحر، مرة أخرى فقط، بل تحدق فيه كما يحدق فيه هو أيضا: رغبة هي، إذن، مشتركة بينهما للتواصل التام مع هذا البحر القريب. خصوصا و أنها، مثل الشاعر، مستوحشة و وحيدة، الشعور الذي يؤكد عليه الشاعر في المقطع الثاني عندما يقول:
لكنها وحيدة ومشرقة
في هذا العراء الفاغر شدقيه
على هاويات المحيط.
و يزيد عمق هذه الوحدة عندما يترك البحر مكانه للمحيط. فيزيد حجمه مؤكدا على تقلص تواجدها و وجودها مما يجعل وحدتها تزداد اتساعا. و يستمر البحر في قربه من الكائنات الأخرى فبعد الشاعر و النخلة، يقترب من الغابة، إذ يقول الشاعر:
البحر غير بعيد
زبده يصل الغابة
حيث أشجار السدر مغمضة
تضرع بحنينها إلى الله.
و يبدو البحر، رغم ملوحته، مستعدا لسقي الغابة، أي ليهبها الحياة، و هو ما يبدو أنها تبحث عنه، هي أيضا، عندما” تضرع بحنينها إلى الله.”

– القرية: ترتبط القرية بالشاعر و يرتبط بها ارتباطا وثيقا لدرجة أنها تزوره في المنام، و لذلك نجده يقول في المقطع الحادي عشر:
أودية وشعاب
وقرى معلقة على رؤوس الجبال
حدائق بابل مستعادة على هيئة كابوس
يتدلى من السقف
قرى وأودية وشعاب
تجرفها السيول الكاسرة في نومي.
فبعد تحديد موقعها و وصفها، إذ هي معلقة على رؤوس الجبال و بذلك فهي تشبه حدائق بابل، يخبر الشاعر عن حضورها في نومه، أي في أحلامه، لكنها تتعرض للخطر الذي يتجلى في السيول الجارفة. و هذه الصورة تجد لها امتداد في المقطع الثالث عشر عندما يقول الشاعر:
كان الشجر المسترسل في الأحلام
وكان الصبية النائمين في المسيل
والمياه التي تحمل المسافرين
إلى قراهم البعيدة.
حيث يعود الحلم للارتباط بالقرية، إلا أنه يأخذ في هذا السياق طابعا إيجابيا، فيكفينا أن نقارن بين السيول الكاسرة التي تجرف القرى و الأودية و الشعاب و ” والمياه التي تحمل المسافرين إلى قراهم البعيدة” لنلحظ حلول المياه عوض السيول و السير نحو نفَس إيجابي.
و يستمر هذا الاتجاه الإيجابي ليشمل امتدادات الفضاء و الزمن كليهما و في اتجاه علاقات إيجابية مع الآخرين الذين يقتسم الشاعر معهم هوية الانتماء للقرية، و هنا نقف على دور الأدب في تشكيل العلاقة بالمجتمع.و إذا ركزنا على المقاربة الاجتماعية، فإننا نجده يقول في المقطع الرابع عشر:
من نلتقيهم في قرى طفولتنا البعيدة
نقرئهم السلام
والسؤال عن الأهل والأصدقاء
بالعبارة المرتجفة على الشفاه
والجسد الذي يغرب
عميقا , عميقا في الماضي
كأنما صنعوا من أرومة الغياب
إنهم أطيافنا الغابرة.
و نؤكد مع الشاعر أن صفة البعد ليست مرتبطة بالقرى بل بالطفولة، ف”طفولتنا البعيدة” تجد صداها في ” أطيافنا الغابرة” و يمتزج ما هو اجتماعي بما هو نفسي و سيكولوجي. و يضيف لهما الشاعر ” الجسد الذي يغرب”. و نلاحظ هنا الجناس الغير تام بين “الغابرة ” و “يغرب”. و يمكن أن نصف، من خلال الملاحظات السابقة، علاقة الشاعر بالقرية بأنها علاقة انسجام و تجانس خصوصا و أنها تشكل أرض الأجداد كما جاء في قوله في المقطع الثامن عشر:
هذا الحنين إلى أراضي الأجداد
يقابله موت محقق
على الذروة
أو في منعطف سحيق.

– الأماكن المسماة: بالإضافة إلى الأماكن السابقة، سمت القصيدة مجموعة من الأماكن في جهات مختلفة من العالم، ارتبط بها الشاعر عن طريق الإقامة أو المرور أو جاءت من خلال معرفته بجغرافية العالم. و قد حضرت بعض مناطق عمان بشكل قوي كما كان الحال بالنسبة للصحراء و الجبل و القرية، الشيء الذي يؤكد ارتباط الشاعر الوثيق بأرضه و أصوله رغم تجواله الكبير.
ها هو عبر عملية تذكر و استعادة للحظة ماضية يقف عند منطقة من مناطق وطنه و هي “سمائل” يقول الشاعر في المقطع الثالث عشر:
البارحة
على مقربة من البحر
مضطجعا أحدق في سماء باهظة
لا غيوم ولا حتى ظل طائر يعبر.
سياج من شجر الحلفاء
يميل مع الريح اللزجة
شجر (الروغ) في سمائل
تذكرته الآن
على ضفاف الوادي الممتد حتى أقاصي آسيا.
يرتبط الفضاء المسمى، إذن، بالتحديق ثم بالتذكر، و يمتد المكان في الفضاء الشاسع ليصل إلى “أقاصي آسيا” كما وصل الشاعر إلى أقاصي ذاته بالتحديق و ساعده في ذلك صفاء “سمائه الباهظة” التي لا غيم بها و لا ظل لطائر يمكن أن يحجب الرؤية و الرؤيا. و يستمر هذا الارتباط حيث يصبح الرجوع إلى فضاء الوطن هروبا من أماكن أخرى. يقول الشاعر في المقطع الأول:
وهربت بك الخيل العاشقة
في (سناو) مخترقة أفواج
البشر لتقف عند حصانها
المربوط على نخلة بأطراف البلدة.
و “سناو” هي حلقة الوصل بين عمان الداخل ومسقط العاصمة، و منها تنطلق الخيل “العاشقة”، إذن هي ليست أي خيل، لكي تصل إلى حصان واحد. و جدير أن نقف هنا للمقارنة بين هذا الجمع ( الخيل) و المفرد ( الحصان) و يمكن أن نقول في ذلك أن الشاعر يؤكد على فرادة تجربته من جهة و على تميز المنطقة التي ينتمي إلها، خصوصا و إنه في هذا المقطع يستمع لصوت الجبل الذي يحدثه عن حياته السابقة و عن حاضره و مستقبله مازجا بين فرح الطفولة( اللعب) و قساوة الحاضر ( الأرامل و الجرحى) و ضبابية المستقبل ( عرين الأسرار).
و يعود الحديث عن مسقط العاصمة و عمان الداخل في المقطع الخامس عشر عندما يقول الشاعر:
الجبل الأصفر بتفرعاته المهيبة
ونتوءه الذي يشبه السرير الكبير
يستقبل القادمين من مسقط
إلى عمان الداخل
كما يستقبل كتاب الليالي مخلوقاته وأشباحه
ويستقبل الأبدية.
و هي الرحلة نفسها من مسقط في اتجاه الداخل، في اتجاه الصحراء و الجبل و القرية. و نلاحظ في هذا المقطع مدى تفاعل المكان مع الإنسان حيث نلاحظ تكرار فعل الاستقبال ثلاث مرات.
ثم يعود بنا الشاعر في اتجاه البحر كما يفعل في المقطع الثالث و العشرين و هو رجوع لحالة نفسية و جوية هادئة حيث تسكن الريح تاركة للبحارة فرصة الحصول على صيد وافر. يقول الشاعر:
اليوم واضح وضوح شمس لا تغيب
الرياح نائمة في الأعماق
الحيتان في مخابئها تئن من وطأة السفاد
القوارب تتهيأ للصيد
والغربان تحلم بشتاءات الجزر
المعزولة
في (مصيرة) و (الدمينيات)
المأهولة بالسلاحف.
لكن يبدو أن غبار الكواكب قادم
طلائعه بدأت تغمر الجبال.
فيرحل بنا الشاعر إلى الجزر الجنوبية لسلطنة عمان في مصيرة و الدمينيات التي تتوفر على خزان “ايكولوجي” مهم يتجلى هنا في السلاحف البحرية. و نعتقد أن الانتباه إلى السلاحف البحرية يمكن أن يؤول في اتجاه “سندبادية” الشاعر الذي قطع البر و البحر مسافرا و متجولا و باحثا.
و في تجواله هذا يغادر السلطنة لكي يتيه مع البدو عبر “الربع الخالي” هذه الصحراء الرملية الأكبر في العالم و التي تمتد من عمان إلى السعودية و الإمارات العربية المتحدة و اليمن فيقول في المقطع السابع:
رحلوا عبر الربع الخالي
جاءوا من كل أطرافه ونواحيه
قبائل تترى
تتبعها النساء والأطفال
لمحاربة الرياح
التي تأتي على الزرع والمياه.
و كما يرحل البدو يرحل الشاعر في اتجاه الغرب فبعد الربع الخالي تستمر مسيرته في اتجاه مصر ثم المغرب فأوروبا. فنلاحظ في المقطع الثلاثين كيف ينتقل مع البدو من الصحراء إلي شوارع القاهرة حيث يتحول الرحيل إلى ما يشبه المظاهرة التي تجتمع فيها فرقة السيرك بالمهرجين و بالطلبة و العمال، فيقول:
مر بدو كثيرون على جمالهم
مر ت قافلة السيرك
تتقدمها كلاب مسعورة
ومهر جون بأصباغ وأساور
مر الطلبة والعمال
صبيحة يونيو
في شوارع القاهرة المزحمة
مر الكائن بهباء أحلامه وقضاياه.
فيسير الجميع في القاهرة رمز الأحلام و القضايا و هي قبلة العمل العربي المشترك. و يواصل الشاعر سيره في اتجاه الغرب ليصل من ماء الخليج إلى ماء المحيط حيث يضع الرحال بالرباط، عاصمة أخرى من عواصم العالم العربي، حيث يبدو حاملا لبقايا مشاكله التي دوخت رأسه. يقول في المقطع التاسع عشر:
دائخ رأسي هذا الصباح
العاصفة تعود بكامل جبروتها
تلك التي دكت معاقلي في (الرباط) و(لاهاي)
رأسي يترنح في الجهات
لا أستطيع الإمساك به
كأنما ستنشق الأرض
ويجرفني الفيضان.
و يواصل الشاعر تعامله مع فضاءات العالم، ليصل إلى “لاهاي” و تستوقفنا هذه المدينة باعتبارها تحتضن مقر محكمة العدل الدولية، و كأن الشاعر يريد أن يشتكي من هذا الدوار الذي أصابه و الذي رافقته العاصفة و جرفه الطوفان.
ثم يسافر الشاعر عبر أمكنة تأخذ بعدا أسطوريا و رمزيا كما هو الشأن بالنسبة لجبال الأولمب و لغابة الأمازون. فنجده يقول في المقطع الخامس عشر:
هل أقام السحرة فيه أعراسهم?
وناموا على سريره الدافئ
(السرير الذي يسميه عبدا لله كرفاية الوحش)
واتخذوه حصنا منيعا
كما اتخذت الآلهة الإغريقية جبال الأولمب.
ربما حلم القادم بسرير أيامه الخوالي
حين كان حيوانا عملاقا
يسرح في البرية.
فيستعمل الأسطورة اليونانية لتقوية التشبيه بطريقة إيجابية لإظهار قيمة الجبل: حيث يوازي بين السحرة و بين الآلهة الإغريقية من جهة و بين الجبل المحلي و جبال الأولمب الشهيرة، و يعتبر كلا منهما سريرا يهب الراحة و الدفء. ثم ينتقل إلى فضاء آخر لا يقل رمزية، و لا غرابة، و لا تشويقا: و يتعلق الأمر بغابة و نهر الأمازون الشهيرين. فيقول في المقطع الثامن و العشرين:
الملكة في كسلها
في نومها البطيء و عطالتها الجمالية
تصطاد اليقظة في مئزرها
تصطاد تمساح الأمزون الوليد.
بطيئا, بطيئا يغطس في كهف الظلمات
حيث تسكن الأبدية.
فيعود إلى فكرة السرير، وكأن هذه الفضاءات الغريبة تهب له مجالا لاستعادة الأنفاس. و الملكة هنا تظهر بشكل إيروتيكي و يوازي مئزرها نهر الأمازون إذ كلاهما يشكل كهفا للظلمات يهب مقرا للسكن و السكينة.
هكذا نجد أن الشاعر اهتم في قصيدته ” الحصان المربوط على نخلة بأطراف البلدة” بالأمكنة بشكل مثير للانتباه. و كما أشرنا في مقدمتنا أننا أمام تجربة تحمل الكثير من الهموم منها ما حملته خلال تكوًّنها النفسي المتفرد والمتشبع ببنيات الغربة عن المكان- الأصل، و عن الناس- الأهل.

ب‌- محطات العمر: الامتداد و العودة و الموت.

– حضور الماضي

يحضر الماضي في قصيدة “الحصان المربوط على نخلة بأطراف البلدة” بشكل قوي. و يتجلى تارة في استحضار لحظات الطفولة و تارة أخري في الحنين إلى الزمن الماضي و إلى الأماكن البعيدة و إلى الناس الذين رحلوا.
كانت الطفولة لحظات جميلة مليئة بالأمور الإيجابية و منها العلاقات الإنسانية، حيث البراءة تلتقي مع الأخلاق الحميدة. يقول الشاعر في المقطع الرابع عشر:
من نلتقيهم في قرى طفولتنا البعيدة
نقرئهم السلام
والسؤال عن الأهل والأصدقاء
بالعبارة المرتجفة على الشفاه
والجسد الذي يغرب
عميقا , عميقا في الماضي
كأنما صنعوا من أرومة الغياب
إنهم أطيافنا الغابرة.
تبدو الطفولة بعيدة في نفس الحين الذي يغرب الجسد و يحضر فيه الغياب؛ و رغم ذلك فإن الشاعر يحتفظ لهذه الطفولة بالذكرى الطيبة، حيث يتوازى الغياب مع الحضور؛ فيحضر إفشاء السلام و السؤال عن الأهل و الأصدقاء و هي تعبيرات عن قيم طيبة لم يعد لها نفس الحضور في مجتمعاتنا المعاصرة و الكثير منها راح مع الأطياف الغابرة.
و تبقى الطفولة مرتبطة بالقيم الإيجابية و منها قيمة الجمال و الطيبوبة و الحقيقة. يقول الشاعر في المقطع العشرين:
في المسجد والحقل
وعلى أطراف الوادي الخصيب
كنا نراك وحيدا
تحرث أرض الله
لأجل البركة والجمال
الجمال الأكثر عصبية ورقة
لا يضاهيه إلا قمر الطفولة
كما تجلى في خطك المعجز
وقتالك ضد الأخطاء التي يمتلئ بها العالم.
تشبيه يجعل من الطفولة علامة بارزة تستأهل أن تكون مشبها به يعطي قيمة لما شبه به. و جاءت الطفولة هنا مضافة للقمر مما يزيد من تألقها و يعطيها قيمة إضافية تؤكدها الكلمات المحيطة بها في هذه الجملة و هي كلها كلمات بدلالات إيجابية: البركة، الجمال، رقة، الأكثر، لا يضاهيه، تجلى، المعجز… و كأننا بالشاعر يقيم هذه المرحلة العمرية و لا يجد إلا أن يعطيها علامة الامتياز.
و يستمر الشاعر في رؤيته الإيجابية للطفولة، فبعد الجمال و البركة، ترتبط الطفولة بالاصطفاء مما يزيد في تمجيدها إلى حد التقديس، و ذلك ما تحيل عليه عملية الاصطفاء هذه. يقول الشاعر دائما في المقطع العشرين:
كنت صغيرا
حين اصطفيتني لقراءة ما تكتب
وأنت تصغي إلى هسهسة فجر ينبلج من ثنايا الكلام.
و ما يزيد في قدسية هذا الاصطفاء كونه ارتبط بالقراءة و كأننا أمام تناص مع أول لحظة من لحظات الوحي حيث تمت عملية اصطفاء النبي صلى الله عليه و سلم لكي يقرأ.
و ينتهي الحديث عن الطفولة بالوصول إلى حالة البراءة و هي من أجَل ما يميز الطفولة؛ فيقول الشاعر في المقطع الثالث عشر:
كان الشجر المسترسل في الأحلام
وكان الصبية النائمين في المسيل
والمياه التي تحمل المسافرين
إلى قراهم البعيدة.
فنرى هنا الأطفال نائمين و هو نوم عميق كنوم الرضع، لا يحسون بشيء و لو كان “مسيلا”. نوم تسبقه الأحلام كما هو ترتيب الكلمتين في البيتين الأول و الثاني من هذا المقطع. و نجد الحلم يعود في خطاب الشاعر و لكن يربطه هذه المرة بالماضي و في ذلك يقول في المقطع الخامس عشر:
ربما حلم القادم بسرير أيامه الخوالي
حين كان حيوانا عملاقا
يسرح في البرية
فالشاعر هنا يقدم الحلم في ارتباطه بالماضي، ماض بعيد و بعيد جدا حين كانت تعيش الحيوانات العملاقة. و يبدأ من هنا الحديث عن الحنين إلى الماضي و إلى كل ما يتعلق به و منها الأرض؛ فيقول الشاعر في المقطع الثامن عشر:
هذا الحنين إلى أراضي الأجداد
يقابله موت محقق
على الذروة
أو في منعطف سحيق
فهو يعترف مباشرة بوجود هذا الحنين إلا أنه يربطه بالموت الذي له بدوره حضور قوي، كما سنرى ذلك في الفقرة التالية.
و هذا الحنين لا يتعلق به وحده، بل يلازم أشخاصا آخرين كما هو الشأن بالنسبة للمرأة العجوز التي يتحدث عنها في المقطع الواحد و العشرين قائلا:
تجلس في بهو المنزل
الذي شبت فيه
وشهد ولاداتها الكثيرة.
المرأة الكبيرة
بصرها الشحيح للغاية
لا تكاد ترى غبش الأطفال
وهم يدورون حول جريد النخل.
تتمتم بكلمات غامضة
صلاة, ذكرى أو حنين.
في بهو المنزل
بجدرانه المتداعية
شاهدة اضمحلاله المجيد.
كثيرة هي العلامات اللغوية التي تشير إلى هذا الحنين القوي إلى ما مضى من مراحل العمر، فارتباط هذه العجوز بالبيت الذي هي فيه ارتباط كبير و وثيق: فهو شهد ولادتها، و هي شبت فيه، و هي في كبرها قد شح بصرها للغاية، و هو في تقادمه أصبحت جدرانه متداعية. و بالإضافة إلى ذلك، هناك علاقة روحية ذات مستوى عالي بينها و بينه: علاقة “ذكرى و حنين” تعطيها الصلاة مجدا يضاهي “اضمحلاله المجيد”.

– الشيخوخة و الموت.

تكرر ذكر الموت كثيرا على مدى طول القصيدة، و جاءت الكلمات المشيرة إليه بأنواعها المختلفة من المقطع الأول إلى المقطع الأخير. فهيمن الموت، إذن، على القصيدة بشكل لافت للانتباه. و أخذ تجليات كثيرة، تراوحت بين موت الأحبة و موت الغرباء، و الموت على البر و الموت في البحر، و الموت الطبيعي و الموت ” العارض”. و جاء بعد ذلك و معه الموقف من الموت و ردة الفعل التي تتبعه من حزن و بكاء و ترمل و وحدانية و غيرها…
و قبل الموت أتى الحديث عن الشيخوخة مستفيضا أيضا. فبداية يلاحظ أن مقطعين اثنين حملا نفس العنوان “شيخوخة” هما المقطع الثاني عشر و الواحد و العشرين. ففي المقطع الثاني عشر يتحدث الشاعر عن شيخ مضى به الزمان إلى النهايات و بقي وحيدا و أدركه التعب من كل شيء حتى من الذكريات؛ فيقول:
متكأ على عصاه
ذلك الراعي العجوز
الذي كان يجرف البراري بأغنامه وأناشيده
في صباح الأزمنة الغاربة
بالكاد يستطيع القيام
بالكاد يستطيع الحركة.
من غير رغبة
يتمشى في طرقات أيامه
التي خلت من المارة والأصدقاء.
لقد تعب حتى من الذكريات.
وصلت الشيخوخة و معها العجز إلى ذروتها، فلم يعد العجوز يقوى على أي شيء: ف”بالكاد يستطيع القيام” و “بالكاد يستطيع الحركة” و لم تعد له رغبة في أي شيء، و كما أسلفنا ف” لقد تعب حتى من الذكريات”.
و في المقطع الواحد و العشرين يقدم لنا الشاعر صورة أخرى من الشيخوخة لكنها أقل قتامة، و يتعلق الأمر بامرأة عجوز تعيش حاضرها رغم رجوعها للماضي بين الذكرى و الحنين. يقول الشاعر:
تجلس في بهو المنزل
الذي شبت فيه
وشهد ولاداتها الكثيرة.
المرأة الكبيرة
بصرها الشحيح للغاية
لا تكاد ترى غبش الأطفال
وهم يدورون حول جريد النخل.
تتمتم بكلمات غامضة
صلاة, ذكرى أو حنين.
فالشيخوخة التي أتلفت بصر العجوز لم تستطع أن تمحي الذكريات الجميلة و منها ولاداتها المتكررة، و كأنها تفتخر بأنوثتها و خصوبتها مما يزيدها إيمانا، فتمتزج الذكرى عندها و الحنين بالصلاة.
أما بالنسبة للموت فأنه يحضر عبر النص كله و يأخذ الحديث عنه تجليات متعددة من بينها وجود قوى غير إنسانية شاهدة عليه كما هو الشأن مع الجبل الذي يقول الشاعر على لسانه في المقطع الأول:
أعرف أنك تحاول الكتابة عني
وأنك مولود تحت ظلالي الداكنة
وستموت كذلك
رغم كل هذا الفراق
لن تهرب من جوارحي
التي لاحقتك أحلامها في أماكن كثيرة.
فالجبل متأكد من أن الشاعر سيموت بين “جوارحه”، لأنه مرتبط به ارتباطا وثيقا، فالأمر يوافق هنا فكرة “المرء مع من أحب”. و يؤكد الجبل على فكرته المستقبلية في أن الموت سيلاقي مخاطبه دائما في المقطع الأول:
وسيحين وقت استلامك
بين الأبناء والأحفاد
الذين تزاحمت أجداثهم في شـعابي
فهو ينتظر أن يستلم جثة المخاطب – و هو الشاعر، هنا – و هو متأكد من ذلك كما أنه يضم “أجداث” من سبقه. و نشير هنا على تكسير أفق الانتظار حين يتحدث الجبل عن جثث الأبناء و الأحفاد عوض أن تكون قبور الآباء و الأجداد هي التي تنتظر الشاعر ميتا.
و في المقطع الواحد و الثلاثين و الأخير، تأخذ الصحراء الكلمة مكان الجبل في المقطع الأول لتأكد على نفس الدعوة نحو الموت فنجدها تقول:
ما أجملكم أمواتا
أيها البشر
كي تعودوا إلى صفائكم
الذي فقدتموه في غبار الحروب.
فكأن الموت يصير طهرا، كما هو الشأن في الأساطير القديمة و عند بعض الشعوب و الديانات التي يكون فيها الموت تطهيرا للإنسان من كل أنواع الدرن و الآثام. صفاء يأتي مع الموت فيصير البشر في هيأة الجمال و الصفاء اللذان فقدوهما في الصراعات و الخلافات المتكررة بينهم.
و هذا الموت الذي ينتظر الشاعر بفارغ الصبر قد أخذ في طريقه أناسا آخرين: أخذ غرباء لا يقتسم معهم الشاعر إلا الانتماء إلى الإنسانية، فيقول متحدثا عن أولائك الذين”رحلوا عبر الربع الخالي” في المقطع السابع:
توغلوا قليلا في المتاهة
أبصروا أرخبيلات من سراب
تلمع في ضياءها البنادق والسيوف
من تلقاءها هبت عاصفة (القبلي)
بكواسرها اللامرئية
فأتت على القوم و نثرتهم في الرمال.
كان نسر وحيد يحلق فوق الجثث
و الدماء لا تسيل من كثرة ما جفت
في العروق.
هؤلاء المسافرون، المضطرون للسفر، يضيعون عبر المتاهات و ” أرخبيلات من سراب” ليجدوا أمامهم عاصفة لا تمنحهم سوى فرصة للموت فتنثر أجسادهم فوق رمال الصحراء و لا ينعمون حتى بكرامة الدفن، إذ تصبح جثتهم التي جفت دماءها طعما لنسر جائع.
و بعد الموت في الصحراء يأتي الحديث عن الموت في البحر، فيقول الشاعر في المقطع الخامس و العشرين:
ولست بطبيعة الحال على متن سفينة
تدفعها الرياح الموسمية
كما كان الأجداد المغامرون
الذين قضى معظم هم في الطريق
طعاما مرا
تلفظه ذئاب المحيطات
من فرط ما دبغ الشقاء أجسامهم.
فهناك توازي تام بين الموت في الصحراء و الموت في البحر: فالمضطرون إلى السفر يجدون أنفسهم أمام قوة الطبيعة و جسارتها، و يموتون أبشع ميتة، إذ منهم من تجف عروقه من الدماء و منهم ” دبغ الشقاء أجسامهم”، و هم في كلتا الحالتين يصبحون وجبة لآكلي الجيف من حيوانات الصحراء و حيوانات المحيط.
و في مسار حديث القصيدة عن الموت، يقف الشاعر عند تجربة شخصية، عندما يتحدث عن فقدان أحد أصدقاءه، فيقول في المقطع التاسع و العشرين:
صباح الخميس
الذي فاجأتنا الأنباء فيه
بموت صديق.
كان الموت دائما قرين حبنا
توأمه الحنون
حافز سره العنيف.
يضرب الموت هنا بالقرب من الشاعر و يصير له طعم آخر، طعم المفاجأة، مما يضفي عليه نوعا من الغرابة لم تظهر عليه عندما كان يأخذ الأغراب سواء في الصحراء أو في البحر. صار الموت قريبا جدا لدرجة أنه حصل على رتبة أكثر من الأخوة: صار توأما، و ليس أي توأم، لأنه اقترن بحب الشاعر و لبس ثوب الحنان و صار حافز السر العفيف الذي يلازم الحب.
ثم إن هذا الموت يترك وراءه علاماته المختلفة من جنازات و نحيب و أرامل و غيرها. فنجد في المقطع الثلاثين حديثا عن المواكب الجنائزية، إذ يقول الشاعر:
أصغي إلى الضفادع
حادية الليل
منتشية بندائها الأزلي.
أصغي إلى عويل الصحراء
يتقدم المشيعون مواكبها الجنائزية.
فيصبح الشاعر شاهدا على نتائج الموت؛ فلا يظهر في الصورة هذا الميت، أو هؤلاء الميتون، لأن الأمر لا يتعلق بموكب جنائزي واحد بل ب”مواكب جنائزية”؛ و يرتفع العويل، و لا يجد الشاعر بدا من الإصغاء، و هذا على الأقل نصيبه من الاهتمام و المشاركة.
و في حديثه مع الشاعر في المقطع الأول، يذكره الجبل بأنه جزء من هذا المشهد الجنائزي عندما يقول له:
أعرف ذلك وغيره
في حياتك المليئة بالأرامل والجرحى.
وكما كان الشأن في المقطع السابق فإن المتحدَث عنهم ليسوا فردا واحدا بل جماعات من الأرامل و الجرحى؛ و هو ما يؤكد لنا هيمنة فكرة الموت، حيث يظهر الأمر و كأننا أمام هلاك جماعي. و يستمر الحديث عن آثار الموت و عن هؤلاء الأرامل الذين امتلأت حياة الشاعر بهم. و نراهم هذه المرة في ردة فعل مليئة بالحزن. فنجد الشاعر يقول في المقطع العاشر:
منذورات للنحيب الدائم
أولئك النسوة المدثرات بالسواد
في القرية
في الشارع والمدينة
ينظرن إلى الأعلى
إلى سماء أقفرت من النجوم والأيائل
سماء
لا يصل إليها النحيب
على الغائب الذي لن يعود.
و هو مقطع مليء بالحزن، و يكفي أن نعد الكلمات المنتمية إلى الحقل الدلالي للحزن و الموت لنتأكد من ذلك: ” منذورات، النحيب، المدثرات بالسواد، أقفرت، النحيب، الغائب، لن يعود”. مسحة الحزن إذن ظاهرة و مسيطرة، و كأن الموت لم يترك للشاعر فرصة للنظر إلى شيء آخر. و هو ليس وحده في هذه الحالة.إذ تقتسم النسوة المنذورات للنحيب، و أي نحيب! إنه نحيب دائم، تقتسم معه النسوة هذه الحالة فسماءهن أقفرت من النجوم، و لم يعد لهن، مع الموت، إلا الظلام.و نحيبهن، للأسف، لا يصل إلى الغائب الذي لن يعود.

خاتمة
استثمرت القصيدة المطولة “الحصان المربوط على نخلة بأطراف البلدة” إذن تجربة الشاعر الحياتية و مواقفه الإنسانية. و امتدت أطرافها طولا عبر الصفحات و عرضا عبر مجموعة من العلاقات المعرفية و النفسية و الاجتماعية. و رأينا حضور المكان بتجليات مختلفة، أكدت على ارتباط الشاعر بالفضاءات، كل الفضاءات، التي ينتمي إليها و التي زارها و التي له ارتباط معرفي أو عاطفي معها. و رأينا حضور الزمان أيضا سواء في صيرورته و مساره أو في وقوفه، و سواء حركيته أو في تجلياته و رأينا أيضا الحضور القوي للموت و لما يتركه خلفه من تبعات.
و نعتقد أن سيف الرحبي في قصيدته هذه، “الحصان المربوط على نخلة بأطراف البلدة”، قد توغل في مدارج النفس البشرية و تابع آلامها و آمالها بمثابرة الشعراء و بقوة المناضلين. و نعتقد أيضا أن القصيدة ما زالت منفتحة على مقاربات أخرى و على إمكانيات تأويلية أخرى، إذ بالإمكان، مثلا، الوقوف عند منطق الحضور و الغياب و عند حضور المرأة و كذلك عند البناء الشعري حيث أُبعد الاهتمام بالقافية، مثلا، إبعادا تام مما يؤسس لنظرة شعرية تستحق من النقاد الوقوف المتأمل عندها..

 

[1] – الحصان المربوط على نخلة باطراف البلدة، سيف الرحبي، نزوى العدد29 يناير2002، ص 2-10.