جديد الكاتب

الحصار..

ذلك النبع المتدفّق في الفراغ

الضوضاء والصخب في كل زاوية ومكان.. الضوضاء تحتل المُدن والقرى، تحتل الصالة وغرفة النوم وخلوة الحمّام التي يلوذ بها الكائن بعد نوم مؤرق ثقيل، يقرا كتاباً، أو يحدق في السقف مفكراً في طلعته الصباحيّة الكئيبة الى عمله والعالم.
الضوضاء والصخب إبادة للحواس، إبادة للحياة، لم تعد تقتصر على أماكن بعينها، يتجنبها من ينشد الهدوء، صارت موجودة في كل الأماكن كواقع واحتمال.. ولم تعد مقصورة على المدن المكتظّة بسكانها، صارت ربما أكثر فتكا في مدن لا تتصف بهذه الصفة ، حيث الفراغ تكتسحه الضوضاء، تسحقه تماماً أو يظل هاجسها التدميري يقض مضجع الهاربين منها.
يتضح الفرق أيضاً بين مدن البلدان المتحضرة والمدنيّة بالمعنى الصحيح، تلك التي بتخطيطها وهندستها وقوانينها وتشريعاتها تجعل من الأماكن الهادئة واحات للرويّة والاستجمام في قلب المدن الكبرى ، على ضراوتها، والتي هي المصدر الأساسي للصناعة لوسائل الحياة والموت.

* * *

تجلس في شقتك، تحاول الا تبالي بالأصوات والضوضاء القادمة مع الساكنين عبر المصاعد والسلالم والجيران، تحاول أن تحتمل ذلك وتركز على شيء يبعدك عن التفكير في ضوضائهم، لكن ماذا تعمل في ذلك (الدق والحطيم)، الذي يأتي بقوة وعنف من عمائر قيد البناء.. ففي هذا الفضاء الفارغ، تقوى أصوات الهدم والبناء ليس بالمعنى الجمالي الأدبي بالطبع وإنما نقيضه تماماً، وتتسلط وتهيمن، حتى لا تجد ملاذاً للهرب منها، رغم الزجاج المضاد للصوت والأزيز.
تقلص حصّة، وجودك الضرورية، في المنزل الذي يفترض انه منزلك، وتذهب الى البحر، تتمشى على الشاطئ الهادئ إلا من صخب محتمل من لاعبي كرة القدم بفانيلاتهم، التي تحمل غالباً أسماء نجوم عالميين، أكثر شهرة في هذا المجال الرياضي.
تركز سارحاً في صخرة ضخمة مرّت عليها الآزال وهي وسط هذا الموج العاتي وسط هذه الرياح والفراغ..
تنظر أيضاً الى طيور قليلة تتنزه فرادى قريبا من الماء، طيور اللقلق وما يشبهها، وطيور قليلة من نوع النوارس والبجع المهاجر تحلق أو تعبر الفضاء.
على هذه الحال حتى يأتي زحف الضوضاء الكاسر من قبل مراهقي الموتوسيكلات الرمليّة ، التي يكفي ضجيجها لتدمير مدينة وتشريد سكانها.
يأخذ الضجيج كل (تحويشتك) من الهدوء وأحلام اليقظة والطمأنينة، وتفكر. في ماذا تستطيع أن تفكر؟ عدا استسلامك للمصير والقدر، اذ ينسّد الأفق أمامك وتنعدم وسائل الهرب.

* * *

تهم بالعودة الى شقتك، تمني النفس بسويعات من الليل تكون خالية من هذا الضجيج وهذه الضوضاء التي تهرس الروح والعظام..
ربما في طريقك تنبثق كاشراقة، تلك البراري الوحشيّة التي لا يُسمع فيها إلا صوت الطبيعة وتدفقّ النبع في الفراغ.
على الأقل ما زلت تستطيع استدعاء ذلك ، تستطيع قراءته في الأطالس والخيال.