جديد الكاتب

الجندي الذي رأى الطائر في نومه لسيف الرحبي: الحرية المقيّدة بالعزلة والصحراء!

 رياض العبيد*

كلنا يعرف تلك العبارة المشهورة في الكتاب المقدّس انه  في البدء كانت الكلمة، ولكن القليل من الناس، قديما وحديثا فهموا او ادركوا عمق وسر تلك العبارة، فمن حيث البناء اللغوي لم تكن لتحتاج الى كثير من التفكير والتأمل. هي واضحة الشكل والمعنى، ولكنها من حيث البعد الفلسفي- الانطولوجي، نرى أنها غامضة بعض الشيء. فلو نظرنا الى الوجود (الكون) نظرة فيزيوانطولوجية، لوجدنا انه لم تكن في البدء الكلمة بل كان السديم العدم، كما ان القرآن الكريم يجد في عنصر الماء بداية الكون، كذلك يجد كونفوشيوس ان البداية كانت للضوء= النار وفلاسفة اليونان يجدون في العناصر الاربعة (الماء، والنار، والتراب، والهواء) بداية لهذا الكون العجيب، اذن لابد لنا ان نقرر ان تلك العبارة، في بعدها الفلسفي، تحتاج الى تفكيك معناها الجوهري. ولا أعتقد اننا في هذه العجالة سنقدر على فعل ذلك، بل كل ما بوسعنا قوله بصددها، هو انه مهما كانت طبيعة البداية الاصلية للكون، واختلفت مع بعضها او اتفقت معا في بعض النقاط، تبقى الكلمة هي المادة الخام الحاسمة في هذا الشأن، ولو تمعنا قليلا في هذا الأمر، وطبقا لنظرة ارسطو الفيزيوانطولوجية للكون، لوجدنا، ان كل العناصر المذكورة لها لغة خاصة بها، وعلى الأدق، احساس وشعور. وهذان المحوران يشكلان القاعدة الاساسية للغة (الكلمة).

ولما كان الأمر على هذا الشكل، فانه من المنطقي، ان يكون الشعر هو البداية الحقيقية للكون، لاننا لو توغلنا أكثر في التأمل الفلسفي للوجود وللانسان، لوجدنا أن القاسم المشترك للاثنين كان الغناء (بالطبع قبل اختراع الكتابة والقراءة)، حيث لا يخفي على أحد أن الغناء هو احد عناصر الكلام المصوتة- اللاواعية، فالموسيقار يكتب النوتة اولا، ثم يلحنها ثانيا، واخيرا تغدو مهيأة للغناء.

من كل ذلك يمكن القول: بأن الشعر هو المحرك الاولى الديناميكي للعقل البشري منذ تكوينه الاساسي الى الآن.

أردت من هذه المقدمة البسيطة، أن أعيد للاذهان التي نسيت الشعر كله أو كادت، ان هذا الاخير كان وسيبقى حيا الى الأبد، طالما كان ولا يزال الانسان يتنفس الهواء ويرى العالم بعينيه، كما أشار الى ذلك مرة شكسبير في احدى مسرحياته. وأردت من تلك المقدمة أيضا أن اؤكد ان الشعر الحقيقي، سيبقى المحطة الاولى للانسان طالما بقي هذا الاخير يحلم ويتخيل ويبدع ويحب في المقام الاول.

واذا ما اعترض انسان على هذه المقدمة وقال بأن الاشياء جميعها، خصوصا هذه الايام، أصبحت تقاس بالقوة العسكرية والمادية  والأرصدة في البنوك وعدد ما يملكه الانسان من عبيد وشقراوات وفنادق من الدرجة الاولى وسيارات… الخ. فانه وتأسيسا على ذلك بات من نافلة القول الاعتراف بأن البشرية لم تعد تحتاج الى الشعر اطلاقا عندها سيكون ردي على اعتراضه هذا عاديا وبسيطا جدا:

1 – إن اعتراضك يا أخي ليس فيه أي جديد أبدا، كون أن الاشياء كانت وما زالت على ما هي عليه منذ آلاف السنين. فأصحاب الملايين والسلطة وما يتبعها من مؤسسات عسكرية واقتصادية واستخباراتية- تجسسية وارهابية وتجارية… الخ. ليس لديها أي احساس بالشعر او معرفة به، لانها في شغل شاغل عنه.

2 – بينما كانت وما زالت دائما القلة من الناس، التي استطاعت ان تصل الى سر الوجود والحكمة، عبر اجتياز اختبارات وتجارب حياتية ونفسية كثيرة، هي وحدها التي تمكنت من أن تفهم الشعر وتقدره حق قدره.

بعد تلك المقدمة والاعتراض عليها ثم الرد على هذا الاعتراض، سأحاول الآن ان أدخل الى رحاب ديوان الشاعر العماني سيف الرحبي المسمى بـ((الجندي الذي رأى الطائر في نومه)) اصدار منشورات الجمل بألمانيا 2000 من حيث المحتوى العام: إن الذي استوقفني طويلا عند قراءتي لهذا الديوان هو ذلك التشتت الروحي العاصف لكينونة الشاعر. هذا التشتت الذي نراه يظلل معظم قصائد الديوان في عمقه الجوهري، وكأنه في هذه الحالة يأخذ صفة الاغتراب الجغرافي والسياسي والابستمولوجي، عما يحيط به من موجودات أشبه بالاوهام.

وقد يكون هذا عجيبا ومدهشا في الوقت نفسه، عندما تعرف أن الشاعر انما يسكن في أرض جبلية منعزلة هادئة، يدفع شاعر من الغرب دمه وماله للحصول على شرف الاقامة فيها ولو لمدة سنة واحدة، غير ان الحقيقة انما تكمن في هذا التضاد الذي لا يمكن تفسيره بالمنطق الصوري او الرياضي، لان الشاعر الحقيقي لا يعرف ان يستقر في مكان، حيث ان قدره يحتم عليه ان يبقى باحثا عن اللامكان فيه وفي الأشياء (العوالم)، ربما لكي يشبع خياله بالمرئي واللامرئي في الحياة، وربما لكي يكون شاهد عيان على الموت، الحزن، القلق،الفرح، البداية والنهاية… الخ. لمناداة هذا الكون الفسيح. ولكنه في الحالتين، أي حالة البحث السرمدي وحالة الشهادة العيانية لما يحيا ويموت ويفرح او يعاني، لا يمكن ان يبقى أو يصبح باحثا سلبيا علمانيا او شاهدا يحمل آلة تصوير على كتفه ومعلقا سطحيا على أحداث تقع هنا أو هناك، لانه لم يخلق ليكون عالم آثار يبحث عن خطوات آدم الاولى على الأرض على سبيل المثال، ولم يخلق ليكون مصورا فوتوغرافيا يلاحق أصحاب الشهرة العالمية ليكشف عن اسرارهم الجنسية أو الفضائحية… الخ. من جهة أخرى، انه كان وسيبقى باحثا سرمديا عن عشبة الخلود ومصورا جوهريا لخلجات كل شيء في الوجود، عبر الكلمات والحواس كلها. لذا فهو يعيش دائما في الحدود القصوى للحياة ليكتشف روح الاثارة في الموجودات.

اذن فالتشتت الروحي العاصف أو بالاحرى الشعور باللااستقرار الروحي والمكاني الذي يحسه الشاعر سيف الرحبي هو الذي يدفعه للقول: أي هذيان شمسي يدفعني لتقليب- رفات الموتى- اخوتي في الرضاعة والمصير (صفحة8)، فمثل هذا الفعل الوجودي الطائش (أي تقليب رفات الموتى) لا يمكن أن يقوم به سوى انساس ممسوس يريد أن يعرف ما يصنعه الموت بالاجساد، بعد انسحاب الروح منها، الى جهة لم ولن يعلم بها أحد، وما يزيد المشهد مأساوية، ان الشاعر يعلن لنا بأن هؤلاء الموتى انما هم اخوته في الرضاعة والمصير، وكأنه بذلك يومئ لنا من بعيد، ان حالته في النهاية لن تكون أفضل من حالة أولئك الذين شاركوه الولادة والمصير منذ البدء. من هنا نفهم ان ذلك الاشمئزاز او التقزز من كل شيء يحيط بالانسان، انما يعني بمفاهيم علم النفس الشخصاني، ان هذا الانسان وصل حدا من الضجر والسأم والملل، تجعله يرسم القمر بالاسود، والزهور بالاسود ونفسه ذاتها ايضا بالاسود، مما يعني في نهاية المطاف، انه رسام ماهر للسخرية النتشوية من العالم كله والكائنات.

ولو اننا حاولنا تتبع مفردات الضجر والملل والسأم في ديوان الرحبي، لوجدنا انه تكاد لا تخلو صفحة منه، بشكل مباشر واحيانا كثيرة بشكل غير مباشر، وهي تأخذ تارة كينونة المفرد بذاته لذاته، وتارة أخرى كينونة المفرد بصيغة الجمع بحدودها القصوى تارة أخرى. وفي الحالتين نجد أنه ليس لدى الشاعر سوى ذلك الصراخ المدوي حينا والهادئ جدا أحيانا أخرى، ضد ذلك الفراغ الروحي والعقلي والانطولوجي الذي يلمسه لمس اليد ويراه بعين بصيرة حادة. ذلك الفراغ الذي نتج عن هوة اللاتوازن في اخلاقيات وسلوكيات البشر. منذ توّج المال- البترول- وانتخب على الطريقة العربية إلها جديدا للعالم. فبات هذا الاخير ينقسم الى قسمين تتسع الهوة بينهما يوما بعد يوم، قسم او شريحة صغيرة جدا واخرى شريحة كبيرة تصل الى حد التخمة من حيث الحجم والفقر المدقع.

بهذا الصدد يقول الشاعر: كأنما جاءوا من آخر العمر/ أوله ضاع في الضجيج/ كأنما جاءوا من آخر الدنيا/ يتبعون نجوما نزفت آخر قطرة ضوء (صفحة9) كذلك عندما يحاول الشاعر ان يبث احساسا رفيعا من الأمل في قلب القارئ فيحدثه عن العجز الذي بدأ في الظهور وعن تلك الشقراء ايضا التي كانت جالسة مع دفتر مذكراتها، بجانب الأصدقاء مؤكدا لها: انه لو كان السماء تمطر لربما كانت الحال أفضل مما عليه الآن قليلا، ولكن حتى هذا الاحساس الرفيع من الامل نراه يتلاشى في خاتمة القصيدة عندما يتحسر قائلا: فما فائدة الازمان تترى على صفحة الضحية (صفحة71 و81).

من الجلي تماما ان اغلب شعراء قصيدة النثر المعاصرين شرقا وغربا، تطغى على قصائدهم غيمة سوداء كبيرة، ربما تكون أكثر تشاؤما حتى من فلسفة شوبنهاور. ولكننا لا نحتاج الى طول تفكير لنعرف السبب في ذلك. فالروح الانسانية قد تحجرت، والتفكير الجدي بحاضر الانسان ومستقبله صار من مخلفات التاريخ الميت، والصداقة الحقيقية بين البشر قد أعدمها وشنقها امام أعين الجميع، رنين المال والسلطة والقوة. والحب المقدس لم يعد له أي أثر سوى على شاشات التلفزيون وأفلام هوليوود الامريكية. والسلام الذاتي الخالص على الطريقة البوذية والعالمي على طريقة الامم المتحدة وحرس الطوارئ الدولي، صار من دون طعم او جدوى، وتحول البحث عن السعادة الفردية او العائلية مهددا بالانقراض، بسبب ضياع وفقدان مفاهيم العدالة والخير والايمان بالله أو بشيء آخر (وليكن الطبيعة) وبسبب الحروب الاهلية في كل أصقاع الارض. لذا فقد تحول البحث عن السعادة الى محاولة ايقاف صراع الاخوة الاعداء. ولكن هذه السوداوية التي تغرق فيها معظم قصائد النثر المعاصر. تصبح ضرورية جدا، حسب رأي أحد كبار نقاد ألمانيا، راشرانسكي كي تحرك هذا الموات الاجتماعي، وكي تغدو ذبابة سقراط التي لاتفتأ تقرص بغل الدولة الكبير من أجل ألا ينام ويبقى يقظا يحرس الرعية بالرغم من ان مصير تلك الذبابة قد يكون الاعدام لهذا السبب.

صحيح ان التفاؤل نعمة من السماء، كما يقول المثل الشعبي، ولكن الاصح منه ان يكون ذلك التفاؤل ليس ساذجا الى درجة تصديق كل شيء يحدث، ورسم الاشياء بالابيض مهما كانت قاسية أو عينفة او فاجعة، لاننا نقع في هذه الحالة في غيبوبة النقد أو انعدامه مطلقا من حياتنا، فتصبح اللامبالاة، ولتكن مجزرة بحق شعب كامل، او امتلاء السجون بالابرياء من الناس… الخ. عنوان ذلك التفاؤل الساذج.

واعتقد ان الشاعر سيف الرحبي واحد من تلك القلة القليلة جدا التي لاتزال رغم كل التحديات والعواقب الوخيمة ترسم قصائدها بالاسود والغضب والصراخ، في طول وعرض الوطن العربي. فهو عندما يتكلم عن الحب، نراه يسبح في ذكرى سوداويته الأزلية.

يقول:

هذا المساء

البحر مضطرب مثل أعماقك

القي جسدي فيه

يسبقني عويل السنوات

وحنيني الى لسمة من يدك المباركة

(صفحة 40)

يقول ايضا: صبيحة يوم عيد/ لا ارى أحفاد المسرات/ الاوائل/ لقد رحلوا خلف بروق بعيدة (صفحة54)، لكن الشاعر الرحبي، مثله كبقية غالبية شعراء النثر المعاصرين الذين يرسمون بالاسود معظم قصائدهم، نراه سعيدا بتلك اللوحات- القصائد السوداء التي يرسمها بالأسود وكأنه لونه المفضل الوحيد. يقول: انني سعيد بيأسي/ أجلس قرب النافذة/ بمقهى القصبة.(صفحة55)

من حيث الشكل:

إن لغة الشاعر، بقدر ما هي صافية وطازجة، كسماء البلاد التي يسكنها (عُمان) بقدر ما هي حزينة ومؤلمة، بسبب عزلة المكان واقعيا ومجازيا، كذلك ترجع نقاوة لغة الشاعر وألمه الى طبيعة نفسيته البدوية الخالصة، التي تمتلك نظرا وتأملا حسيا يحيط بعالمه الخاص. يقول: كادت النظرة ان تتجمد في فضائها الساكن (صفحة10)، الى جانب هذا وذاك أرى ان لغة الرحبي تمتزج بمتانة وجزالة اللغة العربية مع نسيج وتراكيب اللغات اللاتينية (خصوصا الانجليزية والفرنسية). انظر الى قوله على سبيل المثال بهذا الخصوص: الغنيمة التي جادت بها السماء/ والمياه التي باركها الانبياء/ على صخرة عطشهم الكبير.. تسيرين بأصبع من خاتم الزواج/ كنت البحيرة التي تحلم بها الريح (صفحة22) واعتقادي ان هذا الامتزاج في قصيدة الرحبي يضفي عليها جمالا وعمقا اشتغل الشاعر عليهما طويلا كي يبدع منهما لوحات صامتة، غامضة ومدهشة على السواء.

يبقى أن أقول إن الرحبي بات يعد من أهم شعراء قصيدة النثر المعاصرين في الوطن العربي. ففي كل ديوان جديد يظهر له يفاجئنا بعمق وتأمل جديدين يكسبان قصيدة النثر الحديثة جذورا تمتد آفاقها أبعد مما سبقها من أشكال شعرية ومتجاوزة نفسها واياها، بدون أي منافسات أو مناكفات لا طائل منها، حيث تفرض نفسها على القارئ دون تطبيل أو تزمير.

* شاعر من سوريا يقيم في ألمانيا

القدس العربي- لندن