جديد الكاتب

الجندي الذي رأى الطائر في نومه سيف الرحبي: أنا مسكون بالتباس شعري قصصي

 أبوظبي – الوطن – جمال المجايدة

شاعر خارج عن مساحات المألوف، ورجل من الربع الخالي مسكون بمنازل الخطوة الاولى، يحمل ذاكرة الشتات وحوار الأمكنة والوجوه بعد تنقله في بلدان كثيرة، كنورسة الجنون يدق اجراس القطيعة، وجديده الجندي الذي رأى الطائر في نومه بعد جبال ورأس المسافر ومدية واحدة لا تكفي لذبح العصفور، من معجم الجحيم يصافح يدا في آخر العالم، هي تجارب مختلفة لمسار شعر الأديب العماني سيف الرحبي وحياته معا، ومعه كان هذا الحوار كما أوردته مجلة ((المجمع)) الشهرية التي يصدرها مجمع أبوظبي الثقافي:

هل من الضروري أن يكون الكاتب مؤسسا تراثيا، والى أي مدى ترى ضرورة لذلك في الشعر الحداثي؟

بطبيعة الحال يندرج هذا في سياق البديهيات،لأن أي شاعر او كاتب او مثقف يتعاطى الشأن الثقافي،لابد أن يكون مؤسسا على عناصر ثقافية مختلفة يشكل عنصر التراث خلفية فعلية أساسية للعناصر الأخرى، اللاحقة والسابقة والمتداخلة، هناك تركيبة ثقافية منها البعد التراثي، لابد أن يكون حاضرا ومدروسا في وعي الكاتب، وجزءا من بنيته الثقافية العامة لانني لا أتصور ان ثمة شاعرا في تاريخ البشرية كلها عربيا كان ام غير عربي، إلا أن يكون امتدادا متطورا او غير متطور لأسلافه.

وربما تتجلى القطيعة في بعض النواحي والرؤى والخيارات الفنية والابداعية، لكنها لا تلغي جذر التواصل في الوعي او اللاوعي مع اسلاف الابداع والارث الثقافي والكتابي والشعري.

نحن مثلا كشعراء ننتمي الى لغة وتاريخ وقيم تخص المنطقة العربية، ننتمي الى هذا الإرث الشعري العربي، ومن ثم الإرث الشعري للبشرية بصورة عامة، هناك ذاكرة مشتركة ايضا مع شعراء العالم في تاريخهم كلهم، وأتصور كما أشرت سابقا، ان هذا يندرج في اطار البديهيات، والخيار الشعري لابد أن يكون مربوطا على نحو حر بأسلافه وتراثه الابداعي في مختلف تجلياته.

وقد يرمي السؤال الى ناحية أخرى، إشارة الى الحركات الادبية الفنية في العصر الحديث التي نادت بالقطيعة، منها مثلا الحركة السريالية والدادية، وحركات شعرية فنية تشكيلية سينمائية، نادت بشعاري القطيعة والبتر مع الماضي الثقافي، ولكنها كانت هبات شاءت الأحداث أن تكون في أعقاب كوارث كبرى كالحربين العالميتين الأولى والثانية، وكانت حروبا من الرعب والتدمير، بحيث اطاحت بالكثير من القناعات والمنظومات الفكرية التي كانت سائدة فكانت ردود فعل غاضبة كاسحة وانقلابية.

ولكن هذه الحركات نفسها، عندما نضجت في ما بعد مع هدوء الأمور وصبح بحثها في ضوء واقع مختلف عن الزمن اللاحق مباشرة للوضع الكارثي الذي خلفته الحرب، تحولت الى حركات تبحث عن أسلاف لها في الماضي، وبدأت البحث في تراثها عما يمكن أن يرادفها ابداعيا.

هذه القطيعة كانت نتيجة واقعية لظروف الغرب، ولكننا تأثرنا بها أدبيا، إذ لم تكن نتيجة محتملة لواقعنا الخاص، بل ركوبا للموجة السائدة؟

إن البعد التراثي للموضوع حاسم من الناحية التراثية في الذاكرة الثقافية، أما الحركات الغاضبة، والتي تدعو الى نوع من القطيعة، فهي أحيانا ردة على هيمنة أصولية او تراثية، هناك أشخاص من العالم العربي يريدون كبح واقصار الابداع وخيارات حرية الفكر والمخيلة على القالب التراثي، ليس هناك بحث حر في الواقع الراهن. في اللحظة والمعيش، وفي الانقلابات والتطورات الحاصلة في الحقول المعرفية والفنية في العالم، انما يبقى مقياسنا ومثالنا هو الماضي التراثي وعلينا ان نحذو حذوه، وأن نكون في ضوئه الصارم لا فكاك.

ومن هنا تدعو الحركات الى نوع من القطيعة، مبررة باتجاه هذا التيار الأصولي الساحق، الذي لا علاقة له بالراهن، إذ يدعو الى حياة كانت قائمة معرفيا وماديا وروحيا، في عصر تختلف ظروفه جذريا عن العصر الذي نعيشه، وأوصلنا الى مرحلة وكأن الموتى يحكمون الأحياء بشكل كامل.

هذا التبرير للحركات الغاضبة التي تدعو الى بحث حر بمعزل عن التراث، يمثل اشكالية معقدة، وإذا قبلنا بالرأي القائل اننا كعرب تأثرنا بالحركات العالمية قرائيا، ربما لأن واقعنا في تلك المراحل كان مختلفا، ولكن بعد ان انجرت المنطقة العربية الى ما هو أبشع من الحروب العالمية، في لبنان والعراق والجزائر وغيرها من المناطق القادمة.. ثمة الآن وقائع مشتركة، واوضاع مشابهة للأوضاع الأوروبية في أعقاب الحروب والكوارث والفجائع، هي فجائع عربية بمنطقها ومناخها وشروطها الخاصة، لكن المأساة ان الحقول المعرفية عندنا متخلفة في الأصل. والبحث الحر مفقود في غياب الديمقراطية، هذه الحروب لم تفرز حركات وابداعات وبحثا معرفيا كبيرا. لغياب التركيبة الحضارية بشكل شامل، لم نستطع خلق ما خلقه الغرب على الصعيدين الفكري والثقافي، من دون الاشارة الى الناحية التكنولوجية اكثر حسما، نحن مررنا بأوضاع مشابهة انسانيا وفجائعيا، ولكن لم نملك أوضاعا معرفية كالتي تستطيع أفرازها هذه الكوارث. ولم تخلق عندنا معرفة كبيرة، وبدل ان تفرز وضعا معرفيا أكثر حرية، وأعمق في التعاطي مع الكائن ووقائع الفكر والروح، انتجت نوعا من نكوصية الى الماضي والى حركات ظلامية كاسحة شبه أمية، تريد أن تهيمن على الواقع، ومحو أية حرية عدا أوهامها الماضية والمتخلفة.

يصنفك البعض على انك شاعر سريالي، ما رأيك في ذلك؟ وأية تجربة عربية او عالمية تجدها على تماس مع تجربتك؟

إن أي تصنيف لأي شاعر، بانه سريالي او رومانسي او واقعي، ومسألة التحقيب المدرسي، يحمل الكثير من التبسيط للشعر، في اطار التعاطي النقدي مع ظاهرة شعرية معينة او حركة او شاعر بمفرده، والسريالية عنصر هام في أية تجربة شعرية، وهي عندي تتوسل نوعا من اصالة ابداعية وفرادة، وتحوي الكثير من العناصر: السريالي، والواقعي بصفته المعيش والراهن، وفيها عنصر الحنين الرومانسي والغنائي ايضا، ولماذا نبعد نحن هذا الأخير؟فالغناء الذي ينبع من أصالة تجربة مرجعيتها وانفتاحها على الاشياء والعالم تكون غنائية رائعة، وليست غنائية هشة متواضعة فنيا، فالتجربة التي يمكن تناولها نقديا وابداعيا على نحو ما، لابد أن تكون جامعة لعناصر فنيا، فالتجربة التي يمكن تناولها نقديا وابداعيا على نحو ما، لابد أن تكون جامعة لعناصر مختلفة بمعزل عن التصنيف المدرسي، والسريالية في أوروبا اصبحت الآن في ذمة التاريخ، وجزءا في الذاكرة الأدبية، وهي في الممارسة الثقافية والأدبية ليست حاضرة أو موجودة بالمعنى المدرسي السابق، واذا كان هناك عرب في أوروبا او خارجها، يدعون تمثيل السريالية بالمعنى المدرسي، اعتقد أن هذا خطأ وانهم واهمون تماما.

أنا جزء من مناخ شعري عربي، جزء من جيل شعري عربي، جيل أواخر السبعينيات، الذي حمل تجربة حياتية وأدبية لها سمات لا توجد في الجيل الذي سبقه، هناك مجموعة من المفاهيم والرؤى التي سادت في الجيل الريادي للشعرية العربية، انكسرت لاحقا بحكم الاحداث الدامية والمريعة التي حدثت في الوعي العربي وفي الأرض العربية وفي الشعرية العربية أيضا.

وربما تسم هذا الجيل سمات عدم استقرار ذهني ومعرفي على النحو العقائدي الايديولوجي الصارم، هو جيل يعاني نوعا من الشتات الحياتي، تنقل كثيرا في عواصم وبلدان مختلفة على الصعيدين الشعري والفكري، كان يبحث وسط هذه الانقاض وانهيار القناعات الكبرى عن وجهه، هو، وماذا يقدم على الصعيد الثقافي والحياتي؟ هو يجرب في اللغة والشعر والحياة ايضا، انا ربما من هذا الجيل، الذي أفضته الظروف والقيم الفنية الى ما هو عليه الآن، وهذا يحتاج الى تعاط نقدي من نوع آخر.

بهذا المعنى، بما انني انتمي الى منطقة جغرافية معينة هي عُمان، التي تتسم بصفات جغرافية وبيئية وتاريخية معينة، وما دمت تربيت في هذه المنطقة، فأنا مسكون بها في أعماقي، في لا وعيي، أردت ذلك أم رفضته وقد حاولت ان انحت واستولد بعض الرموز التي تناسب مسيرة هذا الجيل الذي انتمي اليه، من الجبال والصحراء والربع الخالي، من هذا الخلاء والفراغ الشاسع المريع لأرضي، من هذا التوليد الرمزي في هذه المناطق يناسب هذا الجيل، الربع الخالي هو هذا العدم المطلق، وهذا الفراغ اللانهائي، الذي يخلق الوحشة والفراغ، ونحن دائما نشبه الجيل الذي ولدنا فيه، بهذا الفراغ وهذه الخارطة من العدم والوحشة والبحث عن شيء ما، ربما سرابي وربما حقيقي.

اذا كان النص الحداثي يعطل الجانب الايقاعي، ويكثف الجانب الانزياحي الخارج عن اطار المألوف، فهل له قوانين داخلية تحكم بنيته العامة؟ واذا كان كذلك، فإلى أي حد ينطبق هذا على نصوصك؟

القوانين لا تكون أبدا جاهزة، القوانين تستولد من البنى الشعرية المتلاحقة في الزمن، هي ليست جاهزة ونهائية ومطلقة، فالخليل بن احمد عندما وضع العروض، وأرخ للنظام الايقاعي في الشعر العربي، كان ينطلق من بنية كاملة موجودة قبله، ولم ينطلق من بنية ستأتي، ومن أتى بعده، كسر الكثير من البنى الايقاعية التي رسمها السابقون، فهو أرخ للحركة الشعرية العربية منذ الجاهلية الاولى، ولم يصنع قوانين ونظريات مطلقة في الزمن، كما يفهم أصوليو الشعر، وهو لم يقل ما قوّلوه بل كان أذكى من ذلك، ولكن أصوليي الشعر أخذوا من الخليل بن احمد ومن النظم الايقاعية وتاريخ الايقاع في الشعر العربي عكازا، كي يحاربوا حركات التجديد والتجريب في الشعر والثقافة في صورة عامة، إذن هذا ينطلق من مفهوم عقائدي في الحياة كاملة.

أما بالنسبة للنظم الايقاعية، فقد قام كمال أبوديب باستقصاء عن قصيدة النثر والتفعيلة، واكتشف بنى ايقاعية فيها، الايقاع لازم في التفعيلة، كجزء من التراث الايقاعي الذي استخدمه شعراء الجيل الذي سبقنا، على نحو آخر عن التراث وقصيدة النثر، القصيدة المتحررة من الاوزان السابقة، لابد للناقد العربي والبحث المعرفي في الشعر، أن يكتشف آليتها الداخلية وايقاعاتها، كأي انجاز في الشعر العربي، من يقرأ ابونواس والمتنبي وابوتمام، يكتشف بنى ايقاعية مختلفة عن الخليل بن احمد والعصر الحديث بكل انقلاباته الكبرى على صعيد اللغة والرؤية، يجب ان يحمل انقلابات في الشعر، ولا يقتصر العرب على البحور الجاهزة، فالشعر الفرنسي والانجليزي كل له بحوره، ولكنه انقلب لاحقا على بنى اللغة والايقاع والرؤى.

لذلك اتصور ان على النقاد ان يبحثوا عن هذه المسألة في معزل عن التابو والمحرمات الجاهزة الموروثة من الأسلاف.

هل للنص ذاكرة؟ ومن أين يستمدها؟

إن رافدا من روافد التجربة، هي الجغرافيا التي ولد فيها الشاعر كيلا يضيع في النموذج العام للشعرية العربية والعالمية، وليملك أشياءه الخاصة التي يرفد من خلالها التجربة الشعرية، وذاكرتي الشعرية موزعة بين أماكن الطفولة وأماكن مختلفة في العالم العربي، بين اقانيم وجهات ثقافية مختلفة، ولكن الى أي مدى يستطيع الانسان أن يكون وريثا للانجازات الشعرية في منطقته وفي العالم؟

وتمثيل هذا الارث وسط هذا الركام الهائل؟ إن يجد صوته الخاص بتواضعه، ببساطته، وبعمقه.. فالانسان مكون من روافد متعددة وإلا ستقصر التجربة على بعد أحادي، وهذا غير مثر ولا يحمل غنى.

ما الفرق بين ما تكتبه شعرا وما تكتبه سردا، اشارة الى ((منازل الخطوة الأولى)) وما تلاها؟ وهل هي سيرة ذاتية، والى أي حد تنطبق مع حقيقة ما حدث لك، لتحكيها هكذا؟

هذا الالتباس الشعري القصصي أنا مسكون به منذ البداية، وأحاول دائما أن تكون تجربتي الشعرية مفتوحة على أفق السرد وأفق الانجازات الفنية الاخرى، خاصة المشهد البصري الحسي للسينما، وربما التشكيل في حدود ضيقة جدا.

من هنا استفادت الفنون من بعضها البعض عبر ايقاع ملح أبحث عنه: والسرد لازم تجربتي الشعرية منذ البداية، وتجلى لاحقا في ديوان الجندي الذي رأى الطائر في نومه وقبله جبال ويد في آخر العالم، من الطبيعي ان تكون هناك نصوص سردية أكثر منها شعرية، مثل منازل الخطوة الاولى، وهو نص ينطلق من المكان، وتقلبات مكان الطفولة وتصدعه وغيابه المستمر، يلاحق بعض اللحظات فيه، التي كانت قارة ومستقرة في الذاكرة الغائبة ذات يوم، لكن في مجمل التجربة، هي تتوسل عناصر الشعر اكثر. وتنفتح على أفق السرد، كي تكون حاضنة أوسع للهواجس والتمزقات والرؤى المختلفة.

ويظل النص الأدبي يحاول الواقع، يحاول أن يقترب منه وأن يوازيه ويتداخل فيه، في علاقة حوارية وافتراسية احيانا، بين النص والواقع، ولكن الى أي مدى يستطيع النص ان يتمثل اجزاء كبيرة من الواقع، وان يغوص فيه ويتعمق في ثناياه؟… هذه مسألة تعود الى قراءة هذا النص، ومدى توفيقه في التعبير أم لا، أنا لا أستطيع أن أكون جديدا في الرؤية من دون أن أكون جديدا في الأسلوب، فهذه البنية الكتابية الجديدة والقديمة في بعدها الخلاق، لا يمكن التفريق فيها بين الشكل والمضمون، هناك تداخل خلاق لا مرئي خفي، يشبه النهر، بحيث لا يمكن الفصل بين عناصر هذا الماء المتدفق على هذه الجهة من الأرض، النص يولد هكذا، في معانيه ودلالاته ولغته ووعيه ولا وعيه، هو موجة هائلة من الجنون والعقل لا حدود لها.

في نص لك تكتب أبدا تولد أعمالك ناقصة، ولا تكتمل إلا في جنون موج تائه، أو في رأس هشمته الحروب، هل تكتمل نصوصك بإلقائها على صفحات كتاب، أم في ذاكرة قارئ؟

اعتقد ان النص يظل دائما مفتوحا على اللااكتمال، ويبقى أبدا ناقصا، ربما يكمل القارئ زاوية معينة فيه، زاوية من هذا النقصان، وربما الكتاب يتوسل نوعا من الفراغ الناقص باستمرار، هذه العبارة الشعرية تكسر وهم الاكتمال في النص الأدبي، الذي يبحث دائما عن اكتماله في متاهاته وتجلياته المختلفة لكنه لا يصل الى الكمال أبدا.

والنصوص أحيانا قد تكمل بعضها البعض على نحو ما، في ان تعيش هذا التيه وهذا النقصان المريع، ولكنها تظل أسيرة هذه المتاهة وهذا النقصان الذي لا يكتمل اطلاقا.

الشعر كان أبدا اسير المنشورات غير المتخصصة، الى أي حد تساهم نزوى في ايصال أصوات شعراء عُمان الجدد؟

حاولت نزوى ايصال الكثير من نتاج عُمان الشعري القديم والحديث الى العرب، فعُمان أصلا كخارطة ثقافية فيها نوع العتمة وهي غير مقروءة، رغم تاريخها الكبير من المخطوطات والمعارف المختلفة، نحن نحاول أن نقدم جزءا، سواء ما نراه أفضل على صعيد التراث والتاريخ والشعر الجديد طبعا، ونتبنى الهواجس والتصورات الجديدة في الشعر والثقافة بصورة عامة، والتشكيل وتجليات الفنون المعرفية الأخرى، وتقدم المجلة الوضع الثقافي العُماني كجزء من مهمتها الثقافية والجمالية على نحو ما، وفي حدود الممكن.

  الوطن/ قطر 20/3/2001م