جديد الكاتب

التحية الأخيرة

صباحاً ، هذا اليوم في مقهى (الليناس) ببيروت، يتصل صموئيل شمعون من لندن حاملاً خبر الرحيل الفاجع لسركون بولص بعد أن هدَّ جسده المرض الكاسر المفاجئ الذي سيكون خاتمة حياة الشاعر المضيئة شعراً وتشرداً وطفولة مفارقة، هو المنتمي الى العراق ولادةً و”وطنناً” أولاً وإلى أمريكا الشعريّة والثقافيّة وطناً ثانياً..
أتذكر كنا في منزل صموئيل ومارجريت في ذلك الصباح اللندني الذي كنت أنوي فيه العودة إلى عُمان، حين قال لي: أفظع لحظتين في حياتي والأكثر فتكاً على المستوى الشعوري والنفسي، هما حين أفكر بالعودة إلى العراق أو أمريكا..
يرحل عنا سركون هذه المرة من غير عودة، في برلين وحيداً وحزيناً بعد ترحله المستمر في أصقاع الجغرافيا واللغة، تلك اللغة التي كانت من الفرادة والنضارة والعمق بمكان قصيّ وخاص في خارطة الشعريّة العربية، مؤسسة صادمة وجديدة أيما جدّة، وأصالة غائرة في الكشف والإشراق والإختلاف..
كانت حياته في الشعر والمعرفة ولهما بالكامل، إذْ قلما اشتبكت حياة الشاعر بإبداعه مثلما هي لدى سركون بولص. طارحاً عرضَ الحائط كل ما هو خارج هذا المجال الحيوي للروح والخلْق..
شاءَ، هو المتعلق باللحظة، بالحياة الحقّة حتى الثمالة، وشاء له القدر المأساوي الذي حمله على كتفيه كما تحمل الأم رضيعها، طوال هذه الحياة الخاطفة، أن يغادر هذا الحطامَ في هذه البرهة من التاريخ حيث موطن الصرخة الأولى والحنين، حيث البشريّة تكاد أن تصل الى قاع مستنقع البربريّة والانحطاط أو أنها وصلت، وعلى الشاعر أن يلقي التحيّة الأخيرة ويغادر صالة الإنتظار من غير أسف أو ندم..
سلاماً على روح الشاعر الكبير، شاعر الجوهر والطريق والهامش وهي تنام في منفاها الأخير، موطنها الحقيقي.