جديد الكاتب

التحليل المراوغ

تلك الكتابات والتنظيرات الكثيرة التي أضحت متداولة حدَّ الحقائق أحياناً والبديهيّات من فرط ترويجها وتكرارها على أكثر من مرحلة تاريخيّة وصعيد..
تلك التي تتناول التاريخ العربي، والعربي الإسلامي خاصة منذ النبوءة المحمديّة وتأسيس المشروع العربي الإسلامي الذي أخذ لاحقا محل الدولة الأكبر والأعظم على مستوى العالم، أي الدولة الإمبراطوريّة التي تدور في فلكها الممالك والشعوب.
لا تفتأ تلك الكتابات التي تفتقر إلى بداهات التاريخ والقراءة الحقيقيّة للوقائع تكرر “اطروحاتها” التي تحيل ذلك التاريخ وذلك المشروع الرئيس في ذاكرة الأمة بتجلياتها المختلفة، إلى ركام من الاحتلالات والقمع والإكراه، الى تاريخ العبيد والقيان والخصيان، ورغبة تدمير الآخر، من ثقافات وشعوب وإحلال العنف، والسحق عنوانا مركزياً في هذه الحضارة الشاسعة.
مع “سقيفة بني ساعدة”’، تأسس العنف الدولتي، وانسلخ المشروع الكبير ورجالاته ورؤاه من إهابه النبوي المقدس ليدخل في دوامة الدم والعنف والمصالح الضيقة ولا شيء آخر!!
على هذا النحو وأسوأ تروّج تلك الاطروحات الرامية في العمق الى نسف ذاكرة الأمة وتدميرها فمن غير الذاكرة، أي ذاكرة لأي أمة، خاصة الأمم الكبيرة مثل العربيّة، يسهل التدمير والإستئصال من غير عنف ولا سلاح..

* * *

بداهة ليس هناك أي دولة في التاريخ البشري خاصة بمثل هذا التمدد والاتساع، إلا وكان العنف ورغبة الإخضاع و”الفتح” أحد طموحاتها وممارساتها الجوهريّة، وتاريخ الممالك والامبراطوريات تلفه وتهيمن عليه هذه القوانين الموضوعيّة في استخدام القوة المقرونة بالمعرفة وتوسيع رقعة النفوذ عبر كافة الوسائل وعلى رأسها العنف والسلاح. يتفاوت حجم استخدام أدوات العنف والسفك من امة الى أخرى، لكنه القانون الصارم الذي حكم مسار التاريخ البشري برمته، وليس الدولة العربيّة الاسلامية التي ربما أقل فتكا من غيرها في هذا المضمار الأثير والأصيل في نفوس الجماعات، والأفراد..
ليس هناك من دولة خارج هذا السياق إلا في الوهم والمثال الذي ليس مسرحه الوقائع والتاريخ..
ما يستفز في تلك الاطروحات هو تلك الكراهيّة الجاهزة سلفاً وتتخذ أقنعة المعرفة والتحليل المراوغ، عبر إظهار جزء من كليّة الحقائق والأحداث، وتركيز الضوء عليه ليغطي على المساحات المضيئة في الإنجازات المعرفيّة والعلميّة والإبداعيّة في كل مجالاتها، أو تنسب أحياناً الى “الهوامش” والأعاجم و…الخ.
هنا يتضح نوع من استشراق بغيض او “شعوبيّة” حديثة تتقنع بالموضوعيّة والحداثة والتجديد والبحث الحر.
وفي ظل المناخ الإنحطاطي الشامل الذي يعيشه العرب الآن، تنطلي تلك الاطروحات السامة على الكثير المأخوذ ببراءة البحث عن الحقيقة الغائبة في غبار التاريخ..
هذا التركيز على الجانب العنفي والفضائحي في التاريخ العربي بعهود ازدهاره، لم نجد له مثيلاً لدى مؤرخين ومثقفين أوروبييّن في تناولهم للحضارة الرومانية، وكذلك جيراننا من الفرس الساسانيين والأتراك العثمانيين الذين أخذوا أخيراً في تصحيح النظرة العربيّة كون الحقبة العثمانيّة حقبة ظلام وتقهقر، واضعين الكثير من الأحداث في السياق والنصاب والأمثلة لا تحصى..
تبقى تلك المراحل الموّارة بالرؤى والطموحات للعقل الجمعي الصاعد، مركبّة ومتعدّدة ومن الظلم اختزالها في ركن بعينه.