جديد الكاتب

الأنفس الميتة

من يستطيع القول أن العمل الإبداعي الحقيقي، يطفئه تقادم الزمان، أو يقلل من نضارته وطاقاته الدلالية، والاحتمالية المفتوحة دائما على مدارات، لا يطالها البِلى، وإن طالها الإهمال والنسيان أحياناً. بالقراءة وعبرها يتجدد، وتجدد الذات القارئة: تنطلق حيواتها وروحها ، بشرها وطبيعتها تندفع نحو مراعٍ ومياه تغتسل وتحلّق تحيا وتموت وتحيا في دورة أزليّة..
في خضمّ هذه الليالي الرمضانية قرأت فيما قرأت وأعدت، رواية الروسي الكبير (نيقولاي غوغول) “الأنفس الميتة” وهي الأكثر شهرة له على صعيد العربية مع “المعطف” و”المفتش العام”..
شجعني على إعادة القراءة اسم المرحوم (غائب طعمة فرمان) في الترجمة، والذي عاش فترة طويلة في موسكو ومات فيها..
“الأنفس الميتة” 1842، من تلك الأعمال المتجددة المضيئة، التي تجسّد بعمق دامٍ تلك الحقبة من الحياة الروسية، مدناً وأريافاً، قرى ودساكر، الأرض الروسية الشاسعة الممتدة على مسافة لا تضاهيها أي دولة أخرى في العالم..
تنشق بيضة أحد الأيام الرتيبة، عن غريب ينزل مدينة (ن) مع خادمين وعربة تجرها الخيول كعادة تلك الأيام، انه “تشيتشيكوف” الذي سيحمل عبء السرد في الرواية بعد تعرفه على المدينة وأعيانها، ملاكها وفعالياتها يبدأ في زيارة الملاك زيارة وديّة حميمية لا تلبث أن تتكشف عن هدف ملتبس غريب من نوعه، هو رغبته في شراء أقنان الفلاحين الموتى، وبما أن الدولة تأخذ ضريبة حتى على أولئك الموتى والذين قضوا منذ زمان بعيد مثل الأحياء تماماً تكون مهمة “البطل” سهلة وميسرة.
ثم يأتي اليوم الذي ينكشف فيه أمره على نطاق واسع وينفض عنه الأهالي والأعيان والنساء المغرمات به كونه أحد أكبر الملاك، جاء لشراء أقنان وعبيد عاديين أحياء..
ثم تمضي الرواية في الإلغاز والغموض العميق، حين يكشف مدير البريد أن (تشيتشيكوف) ليس إلا (الكبتن كوبكن) الذي قاتل في المعركة الشهيرة ضد نابليون وأفضت به الظروف إلى التشتت والضياع.. وبعض الإشاعات تقول انه نابليون نفسه… الخ.

* * *

حين قرأ الكسندر بوشكين، هذه الرواية صرخ: يا إلهي، كل هذه الجهامة والفضاعة في روسيا؟!
عبر رحلة هذه الرواية التي هي رحلة بطلها المنبثق من المجهول والذاهب إليه، صور غوغول، على نحو دقيق وتفصيلي صادم وشاعري، شاعريّة المأساة والسماجة والوضاعة، صوّر ذلك الرعب والانحدار القيمي والذوقي الذي كان يسحق الروح الروسيّة الخلاّقة. البشر بمختلف طبقاتهم، الطبيعة الرهيبة الراعدة، بمختلف تجلياتها وحيواتها، طرُز المعمار والبناء وأنماط المعيش.. كل شيء مشمول بلعنة الانحطاط، لكن ، أيضاً بأمل التطلع إلى أفق آخر وإن بدا شاحباً أمام هول الواقع وكثافة المأساة..
(الأنفس الميتة) رواية الطرُق المتشعبة، الرواية البولوفونيّة، وليست الأحادية كما يشير كونديرا، الذي ينتمي إلى السلالة الروائيّة نفسها التي تجمع بين براعة السخرية العالية والتراجيديا..
رواية من تلك العلامات التي أسست لمجد الرواية اللاحق، رغم أن مؤلفها قضى قبل أن يكمل أجزاءها الثلاثة.