جديد الكاتب

الأم

اليوم (الجمعة) ذهبت لزيارة أمي. كانت متعبة وذابلة، تهذي بجمل متقطعة من هنا وهناك، تخلط فيها الأزمنة والأماكن. تسألني عن حياتي وأحوالي وأناس لم ألتقهم منذ أعوام طويلة تترأى لي دهورا وأحقابا، منذ عهود الطفولة البعيدة، حين كانت تحرث القرية جيئة وذهابا، وعلى مصاطب الجبال الدكناء التي تنحدر على صفحة فجرها الأول طيور القطا والصّبا، ملتقطة بقايا التمور من (المساطيح).

البارحة رأيت طائر صبا في نومي، كنت في قرية تشبه تلك التي عشت فيها طفولتي مستلقيا أحدق في النجوم الساطعة كأرواح نقية تغسل بحليب ضوئها الكون والأشياء فتبدو أكثر نضارة كأنما ولدت من جديد.

كنت مستلقيا هكذا حين مر طائر تبعه آخر، ثم سرب يتقاطر بين الصخور والنباتات. سألت صديقا هو أيضا قادما من تلك العهود البائدة، هل هذا طائر صفرد أم صبا. وقبل أن أسمع الاجابة، احتل المكان رعب مفاجيء لا أتذكر مصدره، فاستيقظت مذعورا لاستأنف حكاية أمي التي أنهكها الزمن والمرض والفراق.

كانت تتحامل على نفسها لتبدو مبتهجة بيننا تسرد أخبارا عن الماضي تبدو كتعويذة سحرية لتوحيد المشاعر المتباينة وبعض ا لكلام المرح لكسر الصمت الذي كاد يطبق على معظم الجلسات الخاطفة التي تشبه مطاعم الوجبات السريعة.

لقد خسرت مجتمعاتنا إضاءات بنيتها القديمة وتضامن قيمها وبساطتها من غير أن تربح معطيات حضارة جديدة بالطبع.. كان عليها أن تدفع الضريبة مضاعفة وبمثل هذه القسوة والتدمير الذي تسحق رحى أوهامه الجماعات بأكملها.

لم تكن الوالدة تعي تغير وتائر الاجتماع على هذا النحو، لكنها حدّست بالفاجعة وقررت الانسحاب. لقد ضعفت قدرتها على التحامل فلم يعد في كلامها أي حماس لشيء، أطفأت الأيام حماسها كما أطفأت ضوء عينيها وجسدها.. لا تكاد تلقي بالا لصراخ أحفادها وضجيجهم كما كانت تفعل، وقبلهم معنا بين مقاصير النخل وهدير الأودية والحيوانات الهائجة في زرائبها.