جديد الكاتب

اكتشاف نزار قباني

أتذكر وسط هذا الضباب الكثيف للذاكرة ، اللحظة الاولى التي قرأت فيها نزار قباني في القاهرة وبحي العجوزة تحديدا ، حيث كنت أسكن مع طلبة آخرين.
كانت الشقة التي نعيش فيها تطل على مخفر كبير للشرطة ومستشفى . كنت أراقب دوما صخب الخروج والدخول إليهما وتلك الفوضى البشرية العارمة.
كان عام 1970 في اواخره حيث بلغت من العمر ثلاثة عشر عاما ، بداية التماس مع الراهن بمعطياته الفكرية والثقافية والسياسية ، أنا القادم من الضلع الاقصى لشبه الجزيره العربية ، حيث كانت بلادي العريقة قبل هذا التاريخ ترزح تحت عبء ما هو أسوأ من القرون الوسطى . كانت على صعيد المعرفة والتحديث بأشكالهما المختلفة ، أشبه بكهف مقذوف في أقصى كوكب مجهول ، كهف مليء بالخرافات والسحرة والجذام.
وكانت القاهرة انذاك خارجة من جنازتها الكبرى بموت جمال عبدالناصر الذي ما زالت صورة تضيء سماء المدينة الضخمة بآمال أوشكت على الغروب ، وملامح عهد جديد يرتسم في هذا الافق الخماسيني المترب.
في ذلك الزمن عرفت نزار قباني عن طريق بسطة كتب اسفل العمارة التي نقطنها .
كانت لحظة اكتشاف صاعقة الصعيد الشعري.
فلم أكن قرأت قبل ذلك شعرا متحررا من المفهوم التقليدي للشعر بمعناه النظمي الشديد النمطية والتسطيح الذي كانت تزخر به عُمان ، حيث كان العمود الكلاسيكي المتين يشهد انكساره الاخير – وذاهبا (الشعر) نحو أفق آخر وحياة أخرى ، مثل شعر نزار قباني – كانت لحظة أشبه بانتفاضه للحواس والدم ، والوعي في تشابكها واختلاطها بالمحيط السياسي والفكري الذي بدأت ألج تخومه الجديدة تماما بالنسبة لي.
من البوابة القبانية دخلت أو حاولت الخطوة الاولى نحو افق الشعرية الحديثة “أو الحداثة” بتجليات وعيها المختلفة . وهذه الكلمة التي تجسد مصطلحا بالغ التعقيد والصعوبة في المستوى العربي والذي لم يعد نزار قباني يحبذه ويتحفظ عليه على المستوى الشعري تحديدا ، كان هو من بناته الاوائل والفاعلين في أرضية الاجيال اللاحقة ، أو وفق أنسي الحاج كلنا نشأنا في ظلاله.
كانت البوابة القبانية عبر القاهرة هي دليل الخطوة الاولى ومكابدتها نحو أفق آخر مختلف في تصوراته ومفاهيمه ورؤاه ، ومنه دخلت الى تجليات أخرى لهذا الفضاء الجديد من السياب وأدونيس ، ويوسف الخال ، وصلاح عبدالصبور وخليل حاوي وعبدالمعطي حجازي وحتى محمود درويش.
***
لم يكن نزار قباني منضويا تحت لواء جماعة أدبية أو ثقافية بمنابرها المختلفة التي كانت تسود المرحلة وتسمها بطابعها وتكوينها وممارستها الابداعية والتنظيرية.
فضل أن يكون منبرا بذاته ، متحصنا بإنجازاته و “جماهيره” هذه الاخيرة التي وجدت في بساطته الماكرة ، غالبا ، وشفافيته الغنائية ، الفضائحية ، التعبير الوفى عن نزوعاتها وهواجسها السياسية والجنسية المطمورة في ظل اخطبوط المؤسسات القامعة ، وهي التي (الجماهير( أعطته صفة “النجم” وسط رمال شعرية متحركة وممارسات تذهب مذاهب شتى من التجريب والهدم واللبس الفني في خارطة الشعرية العربية التي راحت تنأى عن شعر “الجماهير” في معظم الممارسات والتنظيرات الشعرية الحقيقية ، بينما هي تحاول الايغال على صعيد الانجاز الفني والابداعي في التعبير عن تشظيات الذات الفردية وخرابها في ضوء خراب الجموع والهزائم والنكبات ..
وجاءت هزيمة حزيران لتعمق هذه الرؤى وتدفع بها الى الطرف الاقصى من غسق الهاوية ، مثلما نرى ونقرأ المشهد الشعري ، الحياتي الراهن.
في هذه العتمة التي ترشح نورا قليلا ، قاتما ، ظل نزار قباني مواصلا خط سيره وطرائق تعبيره ورؤيته التي لا لبس فيها ولا غموض يعكر صفو العلاقة بين شعره وجمهوره ، حاملا طموحه عبر سلاح الشعر ، في تحرير الأمة من كوابحها وتابوتها وهمومها في الجسد والفكر والسياسة.
لا يختلف قباني كثيرا عن فرقاء الحداثة الآخرين في حمل الشعر على فواجع الأمه وقضاياها الكبرى ، لكن الحمل هنا لا ينعكس لبسا وخوافي على جسد التعبير الشعري. فالطريق واضحة وشمس الشعر ما زالت ساطعة .
يتسع جمهور القصيدة القبانية لفئات المجتمع وطبقاته رغم انحياز شعره الى المحرومين المهمشين والمقموعين بصراحة تصل حد الشعار والبوح والمثل السائر – رجالا ونساء فيقرأه ويتداوله الجميع القامع والقموع ، ابنة الحي البرجوازي أو ابن أحياء الصفيح وأحزمة البؤس في المدن العربية . الكل يجد في مراياه جزاء من نفسه وتهويماته ، في جوانب إيقاع الرغبة الجسدية المكبوتة والطامحة الى التحرر من هيمنة الكوابح المتوارثة من أزمنة الانحطاط ، والتي ينزلها قباني منزلة شبه ايروتيكية ذات طبيعة يختلط فيها الهجاء والثورة على المحرمات بالاستسلام الكامل وغير المشروط لملاك الحب وجبروته .
شاعر الغنائية العربية الحديثة بامتياز ، أو كما عبر جبرا ابراهيم جبرا ، انه أحد أكبر الشعراء الغنائيين في هذا العصر ، تلك الغنائية التي تتموج على غير حقل بأعماق شاعريته المحملة بهواها الدمشقي .
هل أضيف شيئا بالافصاح عن كونه ثورة في الشعر العربي وأحد المفاصل التجديدية في تاريخ هذا الشعر؟
***
في ترحالاتي الكثيرة عبر مدن عربية واوروبية كجزء من جيل وجد نفسه في خضم شتات فكري ومكاني نسج حياته ونتاجه وسلوكه في غموض هذا التيه وتشظيه في غياب أي لُحمة جماعية تشد أواصره المبعثرة بفكرة ولو كانت ذات منزل طوباوي أو “مشروع” ما .. كان الواقع بارز العظام والعفن يسد النوافذ من كل الجهات.
لم يكن هناك مشروع على نحو ما كان عليه الزمن القباني وأقرانه ، فذهبت بنا الحياة في طرق مختلفة ، أكثر أرقا ووحشة وكذلك التعبير الشعري والفني بصورة عامة الذي خضع بدوره لتحولات هذه الحياة المقذوفة في الربع الخالي وهذياناتها المتكسرة . وجدنا أنفسنا مشدودين بشكل حنيني الى ذلك الزمن ورعيله الكبير ، من غير افتعال قطيعة ولا اتساق.
.. فقط الأمكنة المتصدعة ، العزلات والتقلبات الفكرية والاجتماعية العاصفة ، التي لم تبق على مفهوم قائم أو بداهة فكرية فهي بحاجة الى خلق صياغات جديدة أو إعادة النظر فيها.
بقي الزمن القباني زمن التأسيس المستمر ، في أراض وعرة ومحصنة بأسلحة القمح الممتزج بالثروة والجهل.
وفي خضم هذا الرحيل أيضا لم ألتق بنزار قباني إلا في مناسبات عابرة في أكثر من مدينة ، أي لم أقترب منه بشكل شخصي وحميم إلا أثناء زيارته لعُمان عام 1993م . كنت راجعا بعد غياب طويل أفكر على نحو غامض وساخر بمشروع يسوّغ هذا الرجوع .. هكذا أخذنا سياق الاحاديث الحميمة لمناقشة فكرة تأسيس مجلة ثقافية – فكرية ، وكان شديد الحماس لآي مشروع داخل الوطن رغم المرارة والمكابدة التي سيواجهها أي مشروع ينزع نحو التنوير والاختلاف في مناخ أقرب إلى العداء لأي ثقافة جدية . وبعد فترة ظهرت مجلة (نزوى).