جديد الكاتب

أُسرّح النظر

 

 

17

أُسرّح النظر

برهافة الغياب

فأرى الأربعين

تلهث من غار  الى غار

ومن مدينة الى أخرى

وعْلاً فاجأه هياج القنّاص

جنديا نسي عدته في المعركة

باحثا عن سراب استراحة

فأسا ينفصل عن رأس عاشقه

بعد سنين من العناق

مسافرا في ليل نواياه.

18

أطلق سراح النظر الى آخره

فأرى القوم على المواقد

يرتبون الأيام والشعاب

صامتين ثكالى

يخبط الموج أقدامهم

أمام شمس نازفة في العيون.

أيتها القادمة من فجاج الرأس

ومدافن القتلى

في فمك غصن الانتقام

في يدك أيقونة السكينة

امنحيهم بعض حنانك

قطرةً من بحر الشفقة.

هؤلاء أبناؤك

قادمون من أرصفة الطوفان

من أزمنة البغضاء والعشائر

عشّاقك منذ القدم

جارت عليهم صروف الدهر

وطائر الشؤم

أفقس بيوضه في السلالة.

في أي جهة ستمضي هذا المساء؟

وبأي الآلاء ستقسم على عمر هارب؟

مدن تتقاطر في النوم تقطعها قطاراتٌ

تحسب صفيرها

نواح ذئاب.

مدن تتقافز من صباحات مُحاصرة

تحمل متسكعين وغرقى

تحمل مقاهي

ربما جلس فيها ذات يوم

عشاق ومقاتلون في

حروب عبثيّة.

البارحة زاروك في النوم

افترسوا المسافة كاملة

بين السور العظيم وصحراء الجزيرة

قالوا إنك غبت طويلا

تحدثوا عن خوفهم من الرمال والجبال

أخذوا يشربون ويضحكون بهستيريا

حتى انفجر الصباح على رأسك

واستيقظت على خوار المكيّفات.

هكذا دأبهم

يأتون من كل جهات الأرض

ملاّحو أفلاك وانهيارات

يقتحمن هدوئي كل يوم

كما يقتحم الرعاة من البلدات المجاورة

طالبين تواقيع على أراضٍ

غير موجودة في الخارطة

أسقيهم قهوة وتمراً

فيرحلون

آخذين معهم هدوئي

وبقايا صباح ما زلت أحلم بقدومه

ربما يحمل لي أخباراً

من ربوع المغرب

من بغداد والقاهرة

من بيروت

صباح أحلم فيه بكتابة قصيدة

(لا تنسف العالم لكنها تزيح قليلا

صخرة الحنين)

قصيدة تأكل نفسها بمرايا جبال غسقية

البحر الذي حاول تعميدها

فاستنفرت أثر الوحش في الصحراء

وفتكت بأسحارها الظنون

حتى تاهت في طريقها الى بيت السبايا

لأنها سكنت بيت الأشباح

عارية كالصرخة يقذفها الملاك أو الشيطان

أمام الله والخلائق

مسحورة بسفرها الليلي

بين بحيرات الشمع

والمياه المتدفقة من فم الخلجان.

الراديو أمامي يغصّ بموسيقاه: FM

كما يغصّ حقل بمائه

في كل صباح

في اليباب المحيط

أصحو

مفرقا أفواج الجراد

لقد طالت إقامته هذا العام

كأنما سيرث الأرض والزمان

انظري إليه يا إيفا

الى عينيه الحزينتين كوريث محتَمل

تدوران في محجريهما طلقةً غاضبة

الى عزلته حتى وهو في السرب

انظري إليه يا إيفا

كيف يحلق فوق سقف المدينة-

التي هجرتها الأيائل والآلهة

مدينة الصبر والطاعة

مدينة الندم،

منجم الكراهية-

محمولا على بساط أصفرَ

من قيء البراكين

وزَبَد الجوائح.

أصفر هو الجراد

صفراء هي الأبقار تجفل فوق السهل

انظري

الى الأعراب الجدد

يتطاولون في البنيان

ويتفيأون ظلال الثكنات

انظري يا إيفا

الى القرن العشرين

الى المياه السوداء

تطفو على أديمها الأرواح والجثث

انظري

الى الذريّة المباركة

في كهوفها وناطحات سحابها

انظري

الى الخطيئة الأصليّة.