جديد الكاتب

أوهام الريادة

بداهة أن المسافة الزمنية التي تفصلنا عن بدايات الممارسة الشعرية والثقافية الحديثة عربيا والتي وُسـمَت بعناوين كالتأسيس والريادة اختَزلَت تلك المرحلة برموزها وأسمائها وتجلياتها المختلفة. هذه المسافة المفعمة بالتحولات والمجازر والانعطافات واقعا وتعبيرا، وضعت تلك المرحلة بنصوصها وانجازاتها على محك المساءلة والنقد والتقييم، أي في إطار اختبار الزمن ومكره وتشظيته للنص والكائن.
«الريادة« و «الروّاد« كلمات فضفاضة وعامة وليست ذات دلالة عميقة إذا لم تدخل في إطار التقييم النقدي والتمايز. فليست هناك ريادة بالمطلق وليس كل من كتب في مرحلة بعينها كان رائدا بحق، بمعنى الممارسة الشعريّة والثقافية التي ترتفع الى مستوى الإنجاز الإبداعي المقروء في زمان ومكان مختلفين بمعنى أن الزمن لا يفترسها بمثل هذه السرعة ويحولها الى ما يشبه الفلكلور بفضح هشاشتها ومحدوديتها.
هذا التمايز هو الذي يقود الى ذلك الفرز النقدي القاسي بكشف بعض تلك الأسماء الرائدة في كونها لا تتجاوز الظواهر الاعلامية والأيديولوجية التي فرضت قسْـراً ضمن معطيات تلك المرحلة الآفلة وهناك من الأسماء التي أسست ورادت بشكل فعلي ومازالت تواصل وتتواصل إبداعاً، فهي ليست رهينة شروط مرحلة بعينها. إنما الروح المتجددة في الأبناء والأحفاد، في السلالة الإبداعية اللاحقة.
هذه السلالة التي تواصلت مع إنجازات المرحلة السابقة بمعان مختلفة. فلم يعد الزمن العربي السابق بمعطياته وشروطه، ثمة انكسار عميق في البنيات وطرق التفكير والتخييل. الالتباس يستبد بكل شيء والشاعر نهب أسئلة حادة حول المصير والوجود والحياة أكثر من ذي قبل، الحياة العربية التي أضحت بؤرة انهيارات لا سقف لها ولا قرار. كل هذا التشظي عن مراكز التعبير والرؤية السابقين دفع بالشعرية العربية الى اختبار ذاتها ولغتها من جديد، دفعها الى طرْق سُـبل خطرة. نوع من مغامرة في التعبير والمكان. وهنا أتكلم عن الجانب المشرق في الشعرية الجديدة المفارقة لأن السيىء كثير كما هو حال المراحل السابقة.. هناك سياقات مختلفة، لكنها ليست سياقات قطيعة وبتر نهائيين كما يروّج البعض. مثل هذا الكلام غير المسؤول ليس تجاه مرحلة الريادة التي نحن بصددها الآن وإنما مع كل إنجازات الإبداع البشري.. لا أحد يولد من هكذا «قطيعة« إلا في وهم صغير وليس في وقائع ابداع ونصوص متجسّدة.
كل تاريخ الابداع يشير قطعا الى نقيض ذلك. النص إعادة قراءة الآخر كما هو، قراءة صميميّة للحياة وعناصرها بأفرادها وجماعاتها.
شعارات القطيعة هذه والانفجار المطلق من فراغ وبياض تشبه شعارات الآيديولوجيا في قطعيتها واستيهاماتها. سيبقي الكثير من شعر تلك المرحلة مع غض النظر عن الظرف الذي كتبت فيه، ومن تنظيراتها ورؤاها فقد كانت الطليعة الصدامية الأولى مع أرض المحافظة والجمود. وسيتهافت الكثير – كما أشرت –  لتبقى مياه الابداع تجدّد نفسها في هذا المَـسيل الليلي الطويل.