جديد الكاتب

أنغمار برغمان : إيقاع الوحدة والموت (*)

في برهة هذا التاريخ المعاصر ، لا تستدعي جهداً كبيراً ، ملاحظة خفوت إيقاع المغامرات الإبداعية الكبرى ، خفوت إيقاع الروح المتعطش إلى مثال عصي وبعيد . كان هذا الإيقاع فيما مضى يتخذ صيغة الاسئلة الكبرى حول الانسان وارتطامه بأفق حياة مسدود ، حول الانسان وغربته وانسحاقه أمام ما صنعت يداه ، وأمام آلية المجتمع وقمعية مؤسساته على صعيد الغرب الاوروبي بشكل خاص … كانت المغامرة والبحث عن الخلاص عبر الابداع الثقافي والفني أو عبر الهروب صوب منابع حكمة شرقية . كان الغرب الصناعي يستكمل بناء آلية التوحيد العالمي ، وكان الأدب والفن يكثفان رؤيتهما القاتمة تجاه مصير الانسان … هكذا انجبت تلك الفترة أسماء مثل كافكا ، رامبو ، بودلير، ديستويفسكي .. إلخ ، هذه الاسماء لم تعد تعاود الظهور بمثل هذا الحجم من المغامرة على صعيد الادب .
وإذا سلمنا (جزئياً بالطبع) بهذه الفرضية ، هل هناك ما يعوض على صعيد الابداع السينمائي ، هل يجد الفن ضالته في أسماء مثل بازوليني ، فلليني ، برغمان ، كيروساوا… إلخ؟
لا شك ان الفن السينمائي ، بصفته ، مستودع الفنون ، حسب تعبير لكوكتو ينم عن ازدهار فريد ، حتى يترأى أحياناً أنه يمثل بالنسبة لعصرنا ما مثلته تراجيديا (اسخيلوس ) بالنسبة لعصر الاغريق . رغم ان هذا الفن ، الذي يروق للمؤرخين ان يدعوه بالفن السابع ، رغم أنه يشهد ، بعد صف رموزه الكبرى ، هبوطاً واضح المعالم .
(أنغمار برغمان) من المخرجين الاوائل في تاريخ السينما ، ومن الذين تطرح حول أفلامهم الاسئلة والنقاشات الصعبة . تندرج أفلام هذا المخرج السويدي ضمن سيرورة فنية وفكرية واحدة . لا تعنيه تفاصيل الواقع الخارجي إلا بقدر ما تخدم وجهته الاساسية ، في كشف أبعاد اللحظة التي تمر شخصياته من خلالها بتحولات نفسية وذهنية محددة فالامساك بهذه اللحظة هي فريسة برغمان المطاردة في كل أفلامه والمدرجه ضمن مناخ تراجيدي ، بمعنى الكلمة ، وحلمي . تتمحور لحظة برغمان السينمائية حول : الحب ، الوجود، الكراهية ، الدين ، الموت .. ففي فيلمه (همسات وصرخات) يسيطر إيقاع الوحدة والموت مع إشارات خاطفة إلى الحروب وما تخلفه من دمار صعيد المشاعر والعلاقات . وفي (الصمت ) استحالة التواصل بين أختين ، تشكلان في المستوى الرمزي روحاً وجسداً ، يدفع برغمان بالأختين إلى أرض غير محددّة جغرافياً ولا تعرفان لغتها ، ليكشف فاجعة التواصل وانكسار روح العلاقة بين البشر . وفي الفيلم نلمح دبابة تمشي في ضوء الفجر باتجاه أحد أحياء المدينة . هل يدلل على أن المخرج مسكون بهاجس الحروب العدوانية في كونها سببا من أسباب الخراب ؟ وأن همومه ليست ما ورائية بقدر ما تشكل هذا الجدل الذي يصل المرئي باللامرئي.. في أفلام برغمان ينصهرالحلمي والخيالي في قلب الواقعي ، لا حدود بين هذه العناصر ، ففي (برسونا) تقوم الميتة من تابوتها وتتكلم ثم ترجع ثانية من دون تمهيد أو فاصل يهيئ لذلك .
ليس برغمان فناناً أو سوريالياً أو وجودياً ، إنه تقاطع عناصر مختلفة ضمن رؤية ذاتية سويدية بالدرجة الاولى . فهو لا يخفي إعجابه ببعض عناصر الفن السريالي حيث يتحدث عن (بونويل) .
” لقد اكتشفت عن طريق بونويل حبي للسينما . وهو لا يزال الأهم والأعظم في نظري … إنني اؤيد تماماً نظريته حول الصدمة البدئية في اجتذاب الجمهور”.
عنصر أساسي آخر في نظري ، يجعله يلتقي بالفن السريالي ‘ هو غموض الدافع أو التمهيد الذهني لدى كتابة الفيلم أو الاخراج . يقول عن كيفية إخراج فيلمه (برسونا) : (إنها قصة امرأة تحاور اخرى لا تقول شيئاً ثم تقارب المرأتان أيديهما وفي النهاية يندمجان ويصبحان كأنهما امرأة واحدة ).
هذه المشاهد الطيفية الملتبسة تشكل المفاتيح الاساسية لعالم برغمان ، فهو ملحد يكابد إلحاده ولا يجد البديل إلا في النشاط الابداعي ، لكنه ليس نهائياً .. وهنا نتذكر بطل سارتر في “الغثيان” بعد ان يحط رحاله في صحارى اليأس ، يرى الكتابة والتأليف المبرر الوحيد لوجوده ، كذلك في مسائل الوجود الاخرى يعاني هذا الانشطار وهذا الالتباس …
أخرج برغمان بعد فيلمه (برسونا) ثلاثة افلام : ( بيضة الثعبان ) و (سوناتا الخريف) و ( وجهاً لوجه) ، ويمكننا من خلال هذا الاخير أن نتبين بعض ملامح عالم هذا المخرج ومخلوقاته المضطربة على نحو أكثر وضوحاً قياساً بما قبله..
ينفتح المشهد الأول ، أثناء قراءة الاسماء، على بحيرة ذات شكل سديمي من غير موسيقى وكأنما يؤشر إلى سديمية النماذج البشرية ، التي سيقدمها ، وطفحان أعماقها بعقم الحياة ، ثم نشاهد البطلة (جيني) (ليف أولمان) وهي في بيت خالٍ من الاثاث ، استعداداً للانتقال إلى آخر . المكان ينضح بالوحشة . تتناول التليفون وتتصل بجدتها ، إنها ستأتي بعد قليل . التفاتة مذعورة إلى الخلف . حركة الكاميرا بطيئة للغاية كأنما تعدنا بوليمة دموية قادمة . ثم نعرف خلال الحوار ان الامور الحياتية الظاهرة ، بالنسبة إلى “جيني ” على ما يرام ، فهي وزوجها الذاهب إلى اميركا لترؤس مؤتمر هناك ، أصحاب مكانة اجتماعية عالية . فهي رئيسة الاطباء في العيادة النفسية . لكن ثمة شيء غامض يخترق هذه المظاهر ، شيء يتضح في حركات “جيني” وصوتها ونظراتها وتلاحظ جدتها فتسألها : هل ثمة ما يعكر حياتك الزوجية ؟ فترد بالنفي.
برغمان ، منذ البداية يدفعنا نجو جلسة سرية ، جلسة استنطاق فرد ومجتمع وعصر. وسنعيش هذا الايقاع الهستيري لهذا الفيلم المرهق طوال الفترة عدا ومضة فيها شيء من الحنين على الماضي والطفولة ، حيث تقول الجدة ” لجيني ” إنها جهزّت لها الغرفة ، التي كانت تعيش فيها وهي صغيرة ، وكذلك الفراش وطاولة الكتابة . بعد هذه الومضة ، تدخل البطلة في عالم مليء بالكوابيس والمفاجآت والعلاقات الشاذه .. نشاهدها في العيادة مع أحد الاطباء النفسيين وهو يصرخ بأن العلاج النفسي أعلن فشله في شفاء المرض … ومن خلال الحفلة ، التي دعيت إليها (جيني) من قبل زوجة الطبيب النفسي التي تحتفل بعشيقها الممثل الشاذ ، نشاهد مجتمعا تسوده علاقات جافة ومدمرة ، وفي الحفلة نفسها تتعرف على بروفيسور في علم النفس وتنشأ بينهما علاقة ما ، وتسأله عن معنى الصداقة التي تربط الرجل والمرأة (ماذا بعد ممارسة الحب غير سيجارة تلمع في ضوء الفجر ؟) وأثناء النوم تغرق في نوبة هستيرية من البكاء والضحك .. وحتى تستيقظ “جيني ” في المستشفى بعد محاولة انتحار ، سبقتها عدة محاولات نكون قد قطعنا أشواطاً قاسية من كوابيس اليقظة والمنام ، التي لا تعرف الحدود من مصاحبة المرأة ذات العنينين الزجاجتين التي تطارد البطلة كشبح غامض للقلق والموت ، ومن الدخول في أجواء قصور خرافية أوقدت فيها الشموع ولا نرى ولا نسمع فيها إلا أصداء بطلة الفيلم وتوسلاتها وحيرتها وانهيارها وسط تلك الاجواء التي تحاصرها بشباك لا مهرب منها ، ومع أبويها الميتين وهما يهربان منها رغم توسلهما…
بالطبع يصعب اختزال مناخات هذا الفيلم ، لكنها صورة تقريبية لعالم برغمان الغاطس عميقاً في قعر شخوص يعتصرها الألم وتعصف بها رياح العزلة والموت والحروب مع فقدان أي عزاء روحي ، عبر سينما تكون الكلمة فيها تابعة للصورة وتوضيحاً لها ، وكل حركة ذات دلالة سيكولوجية واجتماعية . وليس صدفة أن تلاقي شخصيات برغمان مصائر متماثلة : الموت ، الانتحار ، الجنون . وليست الهدنة ، التي عقدها برغمان مع بطلته في فيلم “وجهاً لوجه” ، إلا هدنة مؤقته، حيث شاهدناها تقترب من الشفاء، ربما مجرد تطابق صدفوي مع مبدأ التطهير الارسطوي. لكن أليست الحياة الانسانية تبدأ من الطرف الآخر ، من اليأس؟ أو كما يقول برغمان في فيلم “الصمت” : “إن للحياة المعنى الذي أعطيها ايّاه”.
وفي كل الاحوال يبقى العمل السينمائي البرغماني مفتوحاً للتأويلات المتعددة.

* هذه المقاطع طبعت مطلع الثمانينات ونشرت في كتاب (ذاكرة الشتات) دار الفارابي – بيروت 1995م