جديد الكاتب

ألحصان المربوط على نخلة بأطراف البلدة

 

 

الســّــر

يرمقني الجبل العاتي

من خلف مناظيره السحيقة

ولسانُ حاله يقول:

أمازلتَ موجوداً هنا؟

لقد طالت إقامتك هذا العام.

أعرف أنك تحاول الكتابة عنيّ

وأنك مولود تحت ظلالي الداكنة

وستموت كذلك

رغم كل هذا الفراق

لن تهرب من جوارحي

التي لاحقتك أحلامُها في أماكن كثيرة.

كان الحب الوحشي بيننا مُتبادل.

وسيحين وقت استلامك

بين الأبناء والأحفاد،

الذين تزاحمت أجداثهم في شِـعابي،

راضياً مرضيّاً

ومن غير شفقة هذه المرّة..

هكذا بكل وضوح

من غير حيلة ولا رمز

فهذه قد ذابتْ

في سطوع شمسي وعريها.

وأعرف أنك مع صِبيةٍ حُفاةٍ

تسلّقتم أضلاعي الحادّة

مُجبرين القطا على النزول من وكناتِه.

وهربتْ بك الخيل العاشقةُ

في (سناو) مخترقةً أفواج

البشر لتقف عند حصانِها

المربوط على نخلة بأطراف البلدة.

أعرف ذلك وغيره

في حياتك المليئة بالأرامل والجرحى.

كثيرون حاولوا قبلك

جاءوا من بلاد بعيدة

عبروا بحاراً مضطربة وأراض شعثاء

ألّـفوا كتباً في علم الطبقات

والأرواح الصامتة.

حاولوا واجتهدوا

تحت ظلال الأشجار الباسقة

أو في الليالي القائضة كالجحيم،

لكنهم جميعاً لم يصلوا

الى عرين الأسرار

الذي تنهبه العواصفُ كل ليلة.

عشبة

سلاماً

على تلك العشبة النابتة

على رأس الجبل الأجرد

كم من الوقت يلزمها كي تنمو

كم من العواصف والإنهيارات؟

البروق التي تلمع في ليلها

ربما حسِـبتها ملائكةً رحيمة.

يد الأنسان الملطخة بالدماء

الماعز الذي يتسلّق الصخور المجاورة

النيازك المتهاوية على مسرح العمليات الغامض.

لكنها وحيدة ومشرقة

في هذا العراء الفاغر شِدقَيه

على هاويات المحيط.

ثمـــار
رقعة السماء الفسيحة

تتدلّى ثمارها كما في الماضي

مسلات ضوء مسافر.

النجوم ترمق بعضها بشبق

الضبُ يدخل حفرته

غارقا في النعاس

البحر غير بعيد

زَبَدُه يصل الغابة

حيث أشجار السِدر مغمضة

تضرع بحنينها الى الله.

اللوحـــة

الجدار القائم بذاته

مقفِراً وصلباً

كأنما استعار روح الجبل المجاور.

اللوحةُ في وسطه لا تقول إلا حيرتَها،

أمام غزارة هذا الفراغ

الجدار بمزاجه الدمويّ

لا تغيّره الألوان

ولا تلك البنفسجات المفكرّة في الأصيص

والكؤوس المرتّبة بنظافة على الرفوف.

الجدار المحروس بعناية الوحشة

الغربــــاء

من أين يأتي هؤلاء الغرباء؟

يتدفقون من كل الجهات

يقرعون الأرض بأحذيةٍ صدئة

على أفئدتهم يربض ميراث الجفاف.

من غير أملٍ

وبكثير من الوحشة.

الغرباء الذين ظنوا في سالف الأزمان

أنّ لهم مكانا على هذه الأرض.

لم يعد يعرفون العالم

لم يعد يعرفون أنفسهم

إلا كقناع في مرآة.

الغرباء الجميلون.

هذه اللحظــة

لو تن>1580;لي هذه اللحظة المحتشدة بالأطياف

وتتركني أهنأ قليلاً

على ضفاف هذه الصحراء

عابراً كهوفاً أزليّة للنيام

منحنياً بلطفٍ أمام سدرة وارفة.

لو تنجلي

وتتركني أنام بهدوءٍ

في هذه الليلة المدلهمّة.

حكاية هيرودوت

رحلوا عبر الربع الخالي

جاءوا من كل أطرافه ونواحيه

قبائل تترى

تتبعها النساء والأطفال

لمحاربة الرياح

التي تأتي على الزرع والمياه.

توغّلوا قليلاً في المتاهة

أبصروا أرخبيلاتٍ من سراب

تلمع في ضياءها البنادق والسيوف،

من تلقاءها هبّت عاصفة (القبْلي)

بكواسرها اللامرئية

فأتت على القوم ونثرتهم في الرمال.

كان نسرٌ وحيدٌ يحلّق فوق الجثث

والدماء لا تسيل من كثرة ما جفّت

في العروق.

نهـــــر

الألم الذي يتحدّر من شِغاف القلب

كما من منابت النهر البعيدة

الألم الذي يسقي إنسانّيتنا

بمياهٍ متجددة

يخضّل أيامنا بدموعه العذْبة.

ثور القرية الهائج

أقول الألم

وأنا أتذكر ثور القرية الهائج

يخبط الأرض بحوافره الصلْبة

يطعن الهواء والبشر

منزلقاً فوق مصاطب الأفلاج.

الثور الذي تدور عيناه في محجرهما

بكثير من الغضب والشكيمة

كما يدور الألم في حُجرات النوم

متنزها بين مخلوقاته الليلية.

نزهة الثور الهائج

نزهة الألم الوحشيّ.

نحــيب

منذورات للنحيب الدائم

أولئك النسوة المدثّرات بالسواد

في القرية

في الشارع والمدينة

ينظرن الى الأعلى

الى سماء أقفرت من النجوم والأيائل

سماء

لا يصل إليها النحيبُ

على الغائب الذي لن يعود.

أوديـة

أودية وشعاب

وقرىً معلقة على رؤوس الجبال

حدائق بابل مُستعادة على هيئة كابوسٍ

يتدلّى من السقف

قرىً وأودية وشعاب

تجرفها السيول الكاسرة في نومي.

شيخوخة

متكأً على عصاه

ذلك الراعي العجوز

الذي كان يجرف البراري بأغنامه وأناشيده

في صباح الأزمنة الغاربة،

بالكاد يستطيع القيام

بالكاد يستطيع الحركة.

من غير رغبة

يتمشى في طُرقات أيّامه

التي خلت من المارّة والأصدقاء.

لقد تعب حتى من الذكريات.

ســــمائل

البارحة

على مقربة من البحر

مضطجعاً أحدّق في سماء باهظة

لا غيوم ولا حتى ظلّ طائر يعبر.

سياج من شجر الحلْفاء

يميل مع الريح اللزجة

شجر (الروغ) في سمائل

تذكرته الآن

على ضفاف الوادي الممتد حتى أقاصي آسيا.

كان الشجر المسترسل في الأحلام

وكان الصِبية النائمين في المسيل

والمياه التي تحمل المسافرين

الى قراهم البعيدة.

أطيــاف

مَـن نلتقيهم في قرى طفولتنا البعيدة

نُقرئهم السلام

والسؤال عن الأهل والأصدقاء

بالعبارة المرتجفة على الشفاه

والجسد الذي يغرب

عميقاً، عميقاً في الماضي

كأنما صُنعوا من أرومة الغياب

إنهم أطيافنا الغابرة.

الســـرير الكبير

الجبل الأصفر بتفرعّاته المهيبة

ونتوءه الذي يشبه السرير الكبير

يستقبل القادمين من مسقط

الى عُمـان الداخل

كما يستقبل كتابُ الليالي مخلوقاتِه وأشباحه

ويستقبل الأبدية

هل أقام السَحرة فيه أعراسهم؟

وناموا على سريره الدافيء

(السرير الذي يسميه عبدالله كرفاية الوحش)

واتخذوه حصناً منيعاً

كما اتخذت الآلهةُ الإغريقية جبالَ الأولمب.

ربما حلم القادم بسرير أيامه الخوالي

حين كان حيواناً عملاقاً

يسرح في البريّة

أخوة مجهــولة

أخوة مجهولة

جادت بها سماء هذا اليوم،

كنتُ داخل السيارة

أمام محطة للبترول

أنظر في الفراغ والصمت

وفي الجانب الآخر

ثمة شخص داخل سيّارته أيضاً

حياني بمودة طافحة ومحبّة

حاولتُ ردّ التحيّة بمثلها

لم أتبيّنه بوضوح

كان غارقاً في نظّارته السوداء

ولم أسع الى معرفة هذا الراشح

من تضاريس الأبعاد.

أكتفيت بالتحيّة

التي تأرجحت في الهواء الجريح

لكنها شقّت طريقها بنعومة الى قلبي

دَحرَت فيالق الكآبة.

نحـــل

يتسابق النحل في شرفتي

أسراباً وجماعات

تسكن روحاً واحدةً مصابةً

بدوار البحث عن ذهب الوجود.

حــنين

هذا الحنين الى أراضي الأجداد

يقابله موت محقّق

على الذروة

أو في منعطف سحيق

ألـــم

دائخ رأسي هذا الصباح

العاصفة تعود بكامل جبروتها

تلك التي دكّت معاقلي في (الرباط) و(لاهاي)

رأسي يترنح في الجهات

لا أستطيع الإمساك به

كأنما ستنشقّ الأرضُ

ويجرفني الفيضان

لا أحد يقيس نبض الإعصار

لا أحد يستطيع

عدا صديقي الحكيم

الذي يحاول ترويض العاصفة

ويستيقظ في وحشة الليالي

لإسعاف الضحايا.

وجوه غارقة في وحلها

جافة وبليدة.

آه لو لمسة

لمسة واحدة منكِ

تعيد المياهَ الى عروق النبع.

عبدالله بن أحمد الحسيني

في المسجد والحقل

وعلى أطراف الوادي الخصيب

كنا نراك وحيداً

تحرث أرضَ الله

لأجل البَركة والجمال

الجمال الأكثر عصبيّةً ورِقة

لا يضاهيه إلا قمر الطفولة

كما تجلّى في خطّك المُعْجز

وقتالك ضد الأخطاء التي يمتليء بها العالم.

كنتُ صغيراً

حين اصطفيتَني لقراءة ما تكتب

وأنت تصغي الى هسهسة فجر ينبلج من ثنايا الكلام.

في مسجد الحارة

المتاخم للمقابر المكشوفة العظام.

أي وعل يتنزه منتشيا في بهاء الحروف؟

عشتَ غريباً في قومك

زاهداً بما يقولون ويفعلون

كفنّك المنذور للمستقبل

وربما للنسيان.

شيخوخة

تجلس في بهو المنزل

الذي شبّت فيه

وشهد ولاداتها الكثيرة.

المرأة الكبيرة

بصرها الشحيح للغاية

لا تكاد ترى غَبَش الأطفال

وهم يدورون حول جريد النخل.

تتمتم بكلمات غامضة

صلاة، ذكرى أو حنين.

في بهو المنزل

بجدرانه المتداعية

شاهدة اضمحلاله المجيد.

السجين

اليرقة التي صارت فراشة

فوق جدار السجين

كان يرقبها

وعيناه على الحقول الفسيحة

طقـس

اليوم واضح وضوح شمس لا تغيب

الرياح نائمة في الأعماق

الحيتان في مخابئها تئنّ من وطأة السفاد

القوارب تتهيأ للصيد

والغربان تحلم بشتاءات الجُزر

المعزولة

في (مصيرة) و (الدمينيّات)

المأهولة بالسلاحف.

لكن يبدو أن غبار الكواكب قادمٌ

طلائعه بدأت تغمر الجبال.

نخــــلة

نخلة مستوحشة

على حافة البحر

تحدّق فيه بتوجّس وريبة

كأنما قراصنة سينقضون بعد قليلٍ

على جسمها الجميل

نخلة وحيدة

جمالها الخارق

صُنع من خوف وانتظار

جمالها الحزين.

رسالة

عزيزتي

يبدو أن الطقس قد تغيّر.

لم أعرف ذلك من النشرات الجويّة

ولستُ بطبيعة الحال على متن سفينة

تدفعها الرياح الموسميّة

كما كان الأجداد المغامرون

الذين قضى معظمُهم في الطريقِ

طعاما مرّاً

تلفظه ذئاب المحيطاتِ

من فرط ما دَبغ الشقاءُ أجسامهم.

عرفتُ ذلك من نوم البارحة

الأقلّ أرقاً ومحنة

الأرق الذي كان فاتحة حديثنا

كل صباح.

هواء الغرفــة

بيدِك التي تحطّ

على القفص الصدريّ الضيّق

على الراحة والجبين،

يتوسّع العالم

وتنحلّ الغيوم النديّة في هواء الغرفة

بيدك تستلّين الألم من رأسي

كطائرٍ يستل سمكة من جدول عكِرْ

سمكة الألم المعتوهة.

منـذُ القِــدَم

صوتكِ الذي سمعتُه

وجرى في دمي مسْرى الموسيقى في أوصال مبدعها

منذ القِدم

منذ بداية الخليقة

أو قبلها

حين كان الكون فسيحاً

والزمان سلام على الروح

صوتك الذي عبر الظلام والقارّات

يوم كانت الصحراء على أشدّها

والإفلاس طيري الأليف.

صوتك الذي من غضبٍ خبيئ

ووداعة فاجرة

هو الذي يدفعني الى الحياة

وسط هذه الوجوه المصنوعة

من شمع وغبار

الملكة

الملكة في كسلها

في نومها البطيء وعطالتها الجماليّة

تصطاد اليقظة في مئزرها

تصطاد تمساح الأمزون الوليد.

بطيئا، بطيئا يغطس في كهف الظُلمات

حيث تسكن الأبديّة.

هذا الصباح

بماذا أصف هذا الصباح

الذي تبدين فيه جميلةً

ورائقة

بعد هجْمة الصداع الأخيرة.

العشبة التي تعافت بعد مرور

الزلزال.

صباح الخميس

الذي فاجأتنا الأنباء فيه

بموت صديق.

كان الموت دائماً قرين حبّنا

توأمه الحنون

حافزَ سرّه العنيف.

داليـــا..

أقتفي أثرها في حقول اليباب

من برج الى قلعة

ومن مدينة الى أخرى

أثرها العميق في جسدي

جراحها النازفة من قلب أيقونة

المضيء أسفل السّـرة

كنبعٍ في ظلام الغابة.

ينهمر مع كل خطوة أخطوها

مع كل محطة

أغامر باتجاهها.

هكذا مرّت أسراب الأزمنة

ملوّحة بأعلام مكسورة

وأياد ترتجف

من فرط ما قَسَتْ عليها المحبّة.

مرّ بدوٌ كثيرون على جِمالهم

مرّت قافلة السيرك

تتقدمها كلاب مسعورة

ومهرّجون بأصباغ وأساور

مرّ الطلبة والعمال

صبيحة يونيو

في شوارع القاهرة المُزحمة

مرّ الكائن بهباء أحلامه وقضاياه.

أقتفي أثرها

من مدينة الى أخرى مُحتلاً بآهاتها

وهي تتقلب بين ضفاف مسحورةٍ

عرّش فوقها نباتُ الجنس

كطحالب مخضّرة علي أديم المياه

أو كحيوانات بحرّية

تدلف كهوف القاع

ناعسة حتى الإرتخاء الكاملِ

في ممالك المرجان.

أسبح وحيداً

متشرداً

في الأصقاع الموحشة

تغمرني المياه المالحة

أحلم بالضفاف

كقرصان تعب من التجديف

وسط العاصفة

أصغي الى الضفادع

حادية الليل

منتشية بنداءها الأزلي.

أصغي الى عويل الصحراء

يتقدم المشيعون مواكبَها الجنائزيّة.

لم أحلمْ بعد ذلك

كانت الأبديّة تتمدّدُ

متثاءبةً على السرير

الأبديّة المضجرة.

لكن القارب أبحر من جديد

من غير شراع ولا مجداف

عبر بحار الزنج ربما

تلك التي دوّخت المسعوديّ

وحطّمت أشواقه

بأعصاير شياطينها المترحلّة.

والتي عبرها ذات يوم

سعيد المرجبي، العُماني الذي لقبّه

البريطانيون (بتيبوتب)

سعياً وراء الثروة والجاه.

عبرها الأندونيسيون القدماء من جزُر

الواق واق

باتجاه مدغشقر

عبرتها شعوب وأجيالٌ

غرقت في اللجج السوداء

قبل أن تصلْ.

أقتفي أثرها

في صرخة الوداع

بدموعها الحرّى

كجيش أطياف يلاحقني باستمرار..

كنت في المطبخ

في ذلك اليوم المعتم من شهر آب

أرى البحر من نافذتي

والسماء الزرقاء بحيواناتها النائمة

أرى الوجوه تتلاشى دائماً

باتجاه المغيب

حين انفجرَ ضوؤها

من قلب تجرفه الأعاصير والأشواق

حيّتني وتوارت

خلف غلالةٍ من ضَباب

الصحـــراء

والآن

أنتم معشر البشر

وقد استبحتم كل سِرّ في أحشائي

ومزّقتم دفين أعماقي كل مـُـمــزق

بإنجيل علمكم الجديد

الذي تظنون فيه خلاصكم

حتى وأنتم ترفسون في المحنة

ذبيحةً بين يديْ جزار كاسر.

أتركوني وشأني.

ما حاجتكم الى أساطيري وحيواناتي

الى شعوبي التي تقيم في التاريخ

وفي ذاكرة الأشجار والجبال

كيْ تجروها كالقطعان الذليلةِ

الى كتبكم وأشعاركم

أتركوني وشأني

دعوا الطلاق حاسما بيننا

حتى تكفوا عن غلوائكم

وتعودوا الى حقولي الأولى

تلك الأمهات الحنونات

ما أجملَكم أمواتا

أيها البشر

كي تعودوا الى صفائكم

الذي فقدتموه في غبار الحروب.

ـــــــ

الروغ : هو شجر البردي.

سمائل : منطقة في عُـمـــان.

عبدالله الحسيني : خطاط عماني مات مؤخرا في قرية سرور