جديد الكاتب

أشلاء السفينة

في أوقات كثيرة يتبدى معظم الوضع العربي (ثقافيا) دعك من شيء آخر، وكأنما الجميع انخرط في مشهد هذيان جماعي يقوده قراصنة شرسون فقدوا كل أمل بالعودة بعد تحطّم سفنهم وتحولها إلى أشلاء. يختلط في هذا المشهد كل انواع العُصاب والهلْوسة والهيستيريا وما لا يطوف بذهن علماء النفس ومفسري الاحلام والكوابيس. مشهد شبحي كالح. اضغاث احلام لنائم في صحراء أو في مدينة كبيرة ـ لاعرابي من القرن الاول أو لمثقف حضاري في ارقى مدينة، لا فرق، حيث الانتهاك وصل إلى اقصى الحد الاخلاقي والروحي والفطري. الجميع ضد الجميع وهم ضد الفرد. والفرد ضد نفسه من فرط تقديسه لأوهامه واكتشافاته المريضة. لا تكاد تتبين أيّ ملمحٍ يقودك إلى وضع بعينه من فرط كثافة هذا الانتهاك والالتباس اللاابداعيين بالطبع.
كأنما ثأر قديم يحرك عملية انتقامية جبّارة. كأنما تراكم ميراث الانحطاط والقمع ينفجر على هذا النحو العجيب. لقد فقدت الاشياء والقِيم كلّ قِوام لها.
انها ليست الفوضى الخالقة التي تبحث في الانقاض عن اشراقة وضع جديد ، أو الغضب الذي ينم عن طاقة النقد والاحتجاج. انما الانحدار المقيت لانسانية الانسان وميراثه القيمي الذي ناضل واستمات من أجله طويلاً طويلاً جدا في الزمان والمكان والموجود في ادنى فئات المجتمع حسب السلم المتداول.. ما الذي يمنع سائق الشاحنة الذي يجلس امامي من توجيه لكمة تعيدني إلى عُمان أو القاهرة، الا ما تبقى من خيط القيم ومكتسباتها؟ حتى لو فُرضت بقوة القانون الذي هو مكتسب انساني منذ حمورابي والذي سُحق ويُسحق مع اول هياج اعمى للغرائز والمصالح.
وربما هذا الهياج هو القانون والناموس الاساس وما تبقى فيض هُدنات مؤقتة لا تلبث أن تأخذ مسارها الطبيعي في السحق والتدمير على صعيد البشر كافة .
والثقافة وسلوك الكثير من أهلها ليس إلا بعض طفحان أشلاء تلك السفينة الغارقة في القيعان السحيقة للإستبداد والتخلف والانحطاط.