جديد الكاتب

أسطورة المتنبي

يكمن سر المتنبي أولا ، في قوته الشعرية الاستثنائية، في طاقتها المدهشة وجموحها وتدفقها. هنا يكمن سر أسراره وفرادته التي كانت جوهريا هي الأساس في صنع أسطورته وتعميمها على هذا النطاق الواسع الذي لم يحظ أحد من أقرانه الكبار بمثله، وان تقاطعوا معه في الموهبة الفذة وعلو الهامة الشعرية.
من هذا المنطلق الشعري الذي غذته التفريعات والوقائع الحياتية والتاريخية الملتبسة التي زادت بالطبع في ذيوع صيته وشهرته دافعة إياه الى هذا الأفق الأسطوري الايقوني أكثر من غيره، بالاضافة الى كثرة اللغط واختلاف الآراء النقدية، التقييميّة الكثيرة حوله.
حياته المليئة التي تختلط فيها الوقائع بالخرافات والأحلام التي لم تتحقق على مستوى طموحات المكانة والمجد من خارج الشعر ومجده وسلطته، رغم وعيه انه الأبقى من الأباطرة والدول، لكن الشعر ظل كأثر يخترق الأزمنة والأجيال والأماكن المختلفة، نبع هذه الأسطورة وفحواها، حتى ولو كانت تلك الوقائع والخرافات التي أحاطت بشخصه وحياته وبصلاته بأصحاب الحكم والأمر، في مرحلة شهدت أفول الامبراطورية العربية بشكل مأساوي مدوٍ.
ربما هال الشاعر هذا الأفول وهذا التشظي والانحطاط الذي آلت إليه أحوال الأمة، فدخل في استيهامات الطموح والسلطة والنفوذ. وربما رأى في سيف الدولة الحمداني بقايا كرامة وضوء فشكل له المثال الأرضي المفتقد، في أمة هكذا حالها، فتوحد المادح بالممدوح على ذلك النحو الشعري الآسر والعميق.
قصيدته الملحمية على سبيل المثال في واقعة (الحدث الحمراء) التي خاضها سيف الدولة ربما من القصائد الخالدة، في تاريخ الشعر البشري برمته حتى ملاحم الإغريق الشهيرة ستحتاج الى إسنادات كي تستطيع أن تجاري هذا العلو والإعجاز النادرين.
تلك الملحمة التي توزعت فيها المعارك على جبهات شتى، جبهة اللغة بما تنتجه من الدلالة والمعنى، الزمان والمكان، البطولات، كلها تنصهر في أتون تلك الملحمة التي تتوحد فيها اللغة الشعرية بالحدث والمعيش توحد الموت بالحياة في ذلك المشهد المتلاطم الرهيب.
مديحه المبالغ فيه لنفسه صادر من نفس نرجسية متعالية، وعودنا الكثير من الكبار على هذه النرجسية حتى في العصر الحديث (نيتشه) مثلا. وسبق للويس عوض أن عمل مقارنة في هذا المجال بين الشاعر العربي والفيلسوف الألماني: إنها (أنوية) المبدع وليس غيره، وإن أسفـّت أحياناً في ردود فعل عابرة مع الخصوم.
هذا فضلا عن أن أشكال المديح والهجاء ليست من الصفات المذمومة في معايير تلك الأزمنة، صارت كذلك مع بزوغ الأزمنة الحديثة و”ميلاد الإنسان الحديث”، فلم يعد باستطاعة شاعر حقيقي أن يتصور ثمة شعر مديح لحاكم أو دولة مهما كانت قوتهما. إلا من بعض الكسَبَة أو الكتَبَة.
أبو العلاء المعري الشاعر ذو المنحى الفلسفي العدمي غالبا، يقول عن نفسه “وإني وإن كنت الأخير زمانه.. لآت بما لم تستطعه الأوائل”.
طموح المتنبي وسعيه الى مناطق النفوذ والسلطة في غير الحالة الخاصة لسيف الدولة لا شك جره الى مواقع لا تليق بمكانته، وجره الى شعر ضعيف في الكثير منه لأنه لم يصدر من أعماقه الروحية وسحيق نفسه القلقة المعذبة، بل قيل لأهداف محددة سلفاً. هناك قصائد كثيرة في هذا المجال لا تختلف عن مديح الآخرين عادية وتداولاُ وربما تبقى مطالعها وتورياتها مثل مديح كافور “كفا بك داءً أن ترى الموت شافيا”.
وحين ارتد المتنبي على كافور كان هجاؤه القاسي أقرب الى التعبير الابداعي الشعري من مديحه، لأنه يعود الى عرينه الأساس، التمرد والنقمة على المحيط والعالم.
كتب الكثير شرقاً وغرباً وقيل الكثير حول شاغل الدنيا والناس.، فالأسطورة والأسطورية التي اكتنفت المتنبي وجعلته على هذا النحو الضبابي المربك المتناقض. والتناقض في جانب أساسي صفة ليست مذمومة في الشاعر كما في الفيلسوف، فهو خارطة متناقضات شاسعة ومحتدمة بالملائكة والشياطين، بالخير والشر، بالقبح والجمال، بكل ما تمور به الحياة والتاريخ والنفس من زخم متناقضات تشكل معين تأمل وإبداع لا ينضب.
التناقض بهذا المعنى شرط اثراء وإبداع مقابل الانسجام البراني، شرط العقم والإفقار.
حتى التقلبات المزاجية تحمل بداهة الشاعر ذي المزاج المتوتر العصبي تجاه كل ضعة وبشاعة في الوجود.
طبعاً ليس كل تنناقضات المتنبي تنتمي إلى الشرط الأول، لكن جوهر روحه المعذبة، وشاعريته الفذة تندرج في هذا السياق، حتى ولو قصد وخطط لشيء يجافي هذه الروح.
يبقى المتنبي بإنجازه الشعري الكبير أولاً، ووقائع حياة ومرحلة مفصلية، مثيرة وغامضة ثانياً. وبسبب قدرته في التعبير الذاتي عن زمنه وعصره على نمط أولئك العباقرة في تاريخ الإبداع، استطاع أن تكون الأزمنة والمخيّلات، مهما شط التباعد والتناقض، بيته الأبدي.