جديد الكاتب

أسطورة البراءة

فيلم (دوجفيل) الذي شاهدته منذ أربع سنوات من الأفلام القليلة التي لا تبرح الذاكرة لمجرد الانتهاء من مشاهدتها ، وإنما تشعّ باستمرار وتلاحق الخيال والوجدان بشخصّياتها وأسئلتها المأزقيّه حول الانسان والعالم.
هذا النوع من الأفلام بالفعل ، أصبح نادراً في زحمة الأفلام التجاريّة بعنفها وصخبها البليدين :بين الفترة والاخرى تزورنا هذه الأفلام لتذكّرنا بعهود السينما المضيئة كمغامرة إبداع طليعي ، وحاضنة فنون همها الأساسي اقتحام عرين الشرط الوجودي والحياتي الذي يتحكّم بمصائر البشر والتاريخ . حتى إيطاليا التي كانت مهد هذه المغامرة وساحتها الموّارة بالأسماء الكبيرة ، لم تعد كذلك وانكفأت إلا ما دون الحدّ الأدنى …. وبقيت تلك السينما التي شكلّت مفصلاً في الوعي الثقافي والفكري ، في ذمة الذاكرة الارشيفيّة والتاريخ (المدرسي) للأكاديميّات والأندية الخاصة على قلتها ، وعلى المستوى العربي تكاد تختفي وتتلاشى كليّاً …
***
فيلم (دوجفيل) للمخرج الدينماركي (لارزفون تيرنر) من تلك الأفلام النادرة التي لا تقيم أي نوع من أنواع التسوية أو التخفيف في تعبيرها عن مناخ القسوة والرعب الراهنين ، الذي يغرق البشر في وحل علاقاته وانحطاط قيمه الأخلاقيّة والإنسانيّة ، تلك القيم التي كسبوها بعد قرون طويلة من الصراع والكفاح ضد قوى الشر والقبح لتسمو بالغرائز فوق فلتانها الوحشي ، إذا بها ترتدّ مع العصور الحديثة إلى ما هو أبشع وأكثر بطشاً وبربريّة من تلك العصور البدائية للبشر الأوائل ، التي استحالت إلى ذكرى فردوسيّة وارفة الحنان ، أمام عصر العلوم والإختراعات والدساتير وكل أنواع العطور والكريمات والملابس الفاخرة…
تُرى أيّ بذرة جهنميّة أُودعت في أعماق الكائن لتنمو على هذا النحو الكارثي ويغدو العقل والعلم مطيّة لتجسيد وتحقيق ذلك النزوع العدواني الفظ الذي لا يتراجع إلا بسحق الآخر والقرين حتى لو مرّ عبر انتحار الذات التي تسعى القدرة وتتوهّم حمايتها وتمييزها؟
بذرة جحيميّة نمتْ مع الأحقاب من غير أن تستطيع الأديان والقيم الروحيّة والفنون برموزها المختلفة أن تثنيها ، أو تخفف من زَهْو غلوائها ، وإنما استُخدمت هي الاخرى مثل العلوم والاختراعات لتحقيق ذلك الهدف المعادي لإنسانيّة الإنسان وروحه وكرامته .
***
فيلم (دوجفيل) في القلب من هذه الاطروحة تماماً ، حيث تتكشّف بدايته عن ذلك المشهد الضبابي القاتم ، عن ما يتراءى أنه مدينة ، مصحوباً بنباح كلب وحطام عظام ، ونرى (جرايس) نيكول كيدمان ، تركض مذعورةً من قتلةً يطاردونها لتلجأ إلى هذه المدينة الأمريكية بصفتها قِوام قوة العصر وطليعته ، إذ يمكن أن تكون أي مدينة في العالم … تلتقي (جرايس) بكاتب يتعهد لها بتوفير الحماية والأمان وتنشأ علاقة بين الاثنين ، بعد فترة يخون عهده معها ويصل إلى حد الوشاية بها إلى المجرمين والقتلة .. أهل المدينة الطيبين الذين قبلوا حمايتها أيضاً لا يلبثون ، أن يمعنوا فيها إذلالاً واغتصاباً ، وتُربط بسلسلة مشدودة إلى كتلة حديد تشبه الرحى ليسهل الإنتهاك السادي والتحطيم….
الفيلم لا يوفر أحداً ، حين يمزّق كل رومانسيّة وكل إخلاص : الكاتب كما رأينا آنفاً … الطفل الذي كانت تحتضنه وتحبه يظهر قدرة مخيفة على إيذائها ، وتنتهي اسطورة البراءة المتوارثة ، حتى الخادمة المضطهدة تفصح عن وجه عدواني كالجميع .. باختزال شديد تنتهي هذه الملحمة المظلمة من القسوة والكراهية التي تعرّي الجميع من غير رحمة ولا تلطيف تنتظره عين المشاهد، تنتهي بتعاون الضحيّة (جرايس)مع القَتَلة الذين يطاردونها من بداية الفيلم ، لإبادة أهل القرية بالكامل .. ونسمع نباح كلب يتهذّج في البعيد. ربما كان هو الشاهد يروي عبر نباحه فصول هذه المجزرة الواقعيّة الرمزيّة ، إن كان ثمة من حيّز للرمز والمجاز أمام هكذا واقعيّة قاسية قدّمها المخرج الدينماركي بكل هذا الصدق الصارم والفريد ، في هذا الفيلم الذي لا يأتيه الأملُ الخُلب من أيّ مهبّ أوجهة …