جديد الكاتب

أرق الصحراء




 
الغبار الأرضيُّ وذاك القادم

من كواكب أخرى

في أي يوم نحن الآن؟ الأربعاء، الخميس، الأحد؟ في أي ساعة وزمن وتاريخ؟ لا أكاد أتبيّن علامات الأزمنة. الغبار يلفّ المشهدَ بكامله. الغبار الأرضيُّ وذاك القادم من كواكبَ أخرى. الزمن يسيل سيلان الدماء الغزيرة في الطُرقات والشوارع، في الأزقّة والأودية، على الأرض العربيّة والعالم. الزمن المتدّفق، والمتجمدُّ كصخور خزافيّة جاثمة على صدر الكائن وهو يختنق بأنينه اليائس تحت بطشها المطلق.

في أي يوم نحن الآن. في أي ساعة وتاريخ؟

* * *

الأحــد: صباحاً أحلق ذقني. الشفرة السلِسة تصطدم بنتوء وتسيل قطرات من الدم، تلونّ الماء في المغسلة. أفكرّ في الدم، في تاريخ الدم والدموع، تاريخ العار البشريّ والآلام، كما فكرّ (بورخيس) في تاريخ الليل والعتمَة.

* * *

أمرّ على بستان نخيل، وقد دمرّه الجفاف وتهاوت غدرانُه ومال وانحنى، بعد استطالة تكاد تلامس زرقة السماء، وطلعة شموخ حالمة. نحن الذين وُلدنا بين النخيل والجبال نحس بآلامها وتصدّعها أكثر من غيرنا.

ألمّت بي نوبة بكاء صامتة من غير دموع، مثل جرح ينزف من أعماق نبع يلتهمه الجفاف.

* * *

كم تخيلتُ وادي (سرور) الذي كان خصيباً وغنياً بالمياه التي لا ينضب معينها على مدار العام؛ أن مياه هذا الوادي وقد غارت واختفت، كم تخيلتُ أنها في هجرة مؤقّتة بين حقول وتضاريس الأعماق.. لتستأنف رحلتها عبر أزمنة قادمة. وتخلق دورة خصبٍ ونماءٍ جديدة.

ثمة عشبٌ يراه الساحر في حلَبات اليباس

* * *

بحيرة فيكتوريا، هي أكبر بحيرة في إفريقيا.

في هذه البحيرة المترامية، ثمة فصيل من الذباب يسمىّ ذباب أيار،أو الذباب الشَبح. تجتذبه أضواء القمر، فيفقس بيوضه ويتناسل في ظلال هذه الطلعة القمريّة، ثم يموت على الفور.

البشريّة لا تختلف عن هذا الذباب من حيث التفقيس والتناسل. لكنها تفتقد جمال ذلك المناخ، الذي يحتضن الولادة والموت.

لا تختلف إذا لم تكن هناك قيم روحيّة وجماليّة تنقذ ما تبقى من ماء الوجه المهدّد بالنضوب والجفاف.

* * *

يُروى عن الإمام غسان بن عبدالله، الذي سحق قراصنة الهند، وقد كانوا يستولون عنوةً وغصْباً على السفن في المياه العُمانيّة والخليج، أنه مرّ ذات يوم على وادٍ ذي زَرْع ومياهٍ جارية، فلاحظ، انتشار الطحالب الكثيف في أرجائه، يعكرّ صفو المياه.

توقف متأملاً، بينما النسيم العذْب القادم من قمم الجبل الأخضر، يداعب أهداب عمامته ووجهه الوضيئ.. فكر الإمام أن هذا الشبوَ الطحلبيّ، علامةٌ على اختلال ميزان العدالة في البلاد… وأخذ في بحث المصادر والأسباب، وَوْصل ما انقطع في شأن البشر المُوكل أمرهم لقيادته، حتى وضع يده الرحيمة على ما بدأت الرمّة تفترسه والخراب.

* * *

الإثنين: بعد العمل لم يكن الطقس شديد الحرارة، ذهبتُ إلى تلك السفوح الجبليّة التي تشرف على البحر. رأيت أحد حراّس الشاطئ يوغل بين الأكمات، فسألته ماذا يعمل هناك بعيداً عن الشاطئ؟ قال ببراءة: ثمة يمامة بنتْ عشاً أفقست فيه بيوضها، وينوي أخذه.

أشرت إليه بأن لا يفعل، وهو شاب من نخل، فامتنع ومضى إلى الساحل بعيداً عن سفح أعشاش اليمام. مشيت فوق التلال والهضاب التي لم تكن وعرة، رأيتُ فرخَ يمام يتدرّب على الطيران، مسكته بيدي. قاوم قليلاً، رفَرَف بجناحيه ورجليه. مشيتُ به، وأمام أكمة أطلقتُه، وإذا بأمه تحوم حوله في بهجة وبهاء ينمّان عن فرح لقاء بعد فَقْد مؤقّت، ربما ظنّت انه طويلاً وأبديّا.

مشيت أكثر، شاهدتُ أسرابَ الصفارد (الدرّاج) من أعمار مختلفة كأنما لم أشاهدها من قبل بهذه الكثافة؛ فعرفتُ انه موسم التفقيس لهذه الطيور الغرّاء..

ولم أشاهد نورساً واحداً على امتداد الفضاء البحريّ الفسيح.

* * *

الثلاثاء: أخرج من البيت الساعة التاسعة. كسل وتراخ في العضلات، قرف من كل شيء، ورغبة مبهَمة في السفر الذي فقدَ دهشته وسحره في الواقع وربما بقيَ جميلاً ومدهشاً في الخيال والوهم الطفوليّين للشعر والمغامرة. السفَر في كتاب أحببته أو في شاطئ بحر وامرأة، أو حتى في كهوف الجبال؛ عُمان بلد الكهوف الأزليّة والجغرافيا الأكثر إدهاشاً في العالم- ربما أكثر سحراً وتحفيزاً لطاقة الخيال، من رحلة إلى بلاد بعيدة.

السفر في هذا المنحى مثله مثل بقيّة الأشياء والتفاصيل التي تعج بها حياة البشر، من غير بريق ولا ملمح إشعاع روحي كما كانت. شيخوخة المرأة المسنّة التي لا تجلب إلا الضجر والجفاف من معاشرتها وتصابيها، هي شيخوخة الأشياء والكون المترامي الذي يوغل في حشد أسباب حتْفه وتلاشيه كما في قصص الطوفان والغرق والاختفاء، لكن هذه المرة بما صنعَتْه أيادي البشر وليس الطبيعة التي ترسل إشارات غضبها بين الفينة والأخرى…

أخرج من البيت من غير أن أحلق ذقني.

رشّة ماء على الوجه بعد سواك الأسنان المتعَبة اللثّة. عصافير غبراء تطير حول بصيص ماء أمام مدخل العمارة. وكلاب جيراني الإنجليز، تنبح كالعادة بوتيرة تحرّك هذا الفراغ الذي تتجمد في براثنه الأزمنة. ألمح امرأة على جانب من القبح، تمشي وحدها وعلى رأسها مظلّة تحميها من شمس أكتوبر. مصطفى بانتظاري في السيّارة. رجلاي تؤلماني من باطن القدم، حيث مشيتُ مساء الأمس مسافة قصيرة، حافياً على ذلك السفح. كنوع من هَوس استعادة لحظة من الطفولة، حيث كنا نمشي حفاةَ مسافة أميال بين الجبال والشِعاب من غير كلل وبنشوة عارمة.

* * *

الثلاثاء: أفكر في الغد حيث تبدأ عطلة الأسبوع عليّ أن أقابل الدكتور علي الهنائي في مستشفى الجامعة. بعدها أفكر أن أزور اخوتي في منطقة (الحيل) منذ فترة طويلة لم أرهم عدا أحمد الرحبي قبل عودته إلى موسكو، وأتغدى معهم الأكلة العُمانيّة الأثيرة، الرزّ مع السمك الطازج الذي تعج به البحار العمانيّة البالغة الاتسّاع، قبل أن تبيدهَ سفن التكنولوجيا المتطورّة.

أفضّل زيارة الأخوة في (الحيل) رغم إصرار بعضهم على الذهاب إلى القرية (سرور). التي صارت رغم مكانتها العميقة في قلبي، تصيبني بالكآبة بعد وفاة الوالدة رحمها الله، وأحسّ بمزيد من الضيق والاختناق.. وكثيراً ما فكرّتُ أن أكيّف مشاعري مع هذا الغياب الحتمي. وألتصق بين الفترة والأخرى برحِم الأرض التي ما تفتئ تسكن الباطن والأعماق طوال رحلة هذه الحياة وربما بعدها في الرحلة الأخرى الذي ستكون أكثر إدهاشاً ومغامرة.

* * *

ليلة الأربعاء: أنام بعد الواحدة. أصحو في الخامسة بجسدٍ مرهق، أحاول النوم ثانيةً علّي أصل إلى توازن ما. أدرتُ جهاز الموسيقى الكلاسيكيّة ربما سيساعدني على تحقيق هذه المهمة الصعبة. بعد تداعيات كادت تودي بهذه الرغبة، نجحتُ في أخذ غفوة. حلمتُ خلالها بحلم يقترب من النشوة، أحسست بطعمه البهيج لحظة الصحو وبقائي أتقلّب في الفراش بنوع من الكسل والمتعة… حلمتُ أني نائم قرب بحيرة، قربها مباشرة بحيث أن فراشي يلامس مياهها الزرقاء، وخلفها على مسافة قصيرة من أرض خضراء، أسمع تلاطم أمواج البحر الذي كان في حالة مدّ. ويمكن من مكان فراشي على البحيرة أن أرى البحر في هياجه وتدفّق أمواجه بينما الموسيقى تتصاعد كجزءٍ من هذا المشهد الجمالي الباذخ.

* * *

أمر على المكتب أرى وأقرأ ما يمكن خلال هذه الساعة، بعد التحية على يحيى الناعبي وهو مسمّر أمام جهاز الكمبيوتر يستخرج الرسائل والمواد، أمضي الى مستشفى الجامعة؛ فحص دوري روتينيّ. لا شيء طارئ على الصعيد الصحي، إلا ما طرأ واستوطن.

اليوم تبدأ عطلة الأسبوع. أفكر في تغيير النمط اليومي للحياة الذي أخذ يجرفني بشكل آلي. وغالبا لا أنجح في ذلك إلا حين يأتي أصدقاء من خارج البلاد.

* * *

الخميس: الذكريات تلّطف جفاف الحياة وتفتح أفقا يكسر محدوديّة المعيش. وإن تركت غصة ودواراً لاحقين. في هذه الليلة جمعتني سهرة بأصدقاء، كنا معاً في القاهرة منذ ما يربو على الربع قرن. وكأنما بالأمس، كيف تمر الأيام بمثل هذا المكر والخداع الساحقين؟ الكلام الروتيني والحنين الى أيام الصِبا والدراسة.. قلت لـ(أبي سعيد) أتذكر أنّك مكتشف القوانين الخاصة للطبقة العاملة الخليجيّة. وفي اكتشافك هذا أنت تنافس (ماركس) في اكتشافه لآليات وسمات الطبقة العاملة الأوروبيّة، التي صارت تُطبّق عشوائياً، مقتلعةَ من جذورها وسياقها، على بيئات وشعوب مختلفة جذريّا، هذا إذا كانت هناك طبقة عاملة أصلاً، وأنت الذي انتبهت إلى هذا التخصيص والتمييز الطريفين.

القصة بدأت هكذا، كان زميل لنا يريد أن يسكن شقة كانت مقراً مهجوراً للطلبة في شارع الجمهوريّة في القاهرة. وبما أن الشقة بحاجة الى إصلاح وصباغة مع غياب الامكانيات، تطوّع نفر منا لذلك. وبينما صباغة الحيطان في أولها كان هناك (ستيلا) باردة. عين على الجدار والصباغة وعين على تلك المياه المعلبّة المغبرّة التي تشبه مياه الأودية وهي تتدفق طازجة من شِعاب الجبال المتلاطمة في أفقها الغامض. لم يستطع البعض مقاومة إغرائها وندائها، فنزل للشرب والكلام حول تغيير العالم. وحين أخذوا راحتهم وثَقلَ الرأس، ناموا نوماً عميقاً مريحاً حتى علا شخيرهم.

في هذا الجو والسياق علّق (أبوسعيد) وهذا اللقب اكتسبه لاحقاً حيث أن سعيد ما زال في تخوم الغيب، علّق بأن هذا السلوك هو النموذج المثالي لسلوك الطبقة العاملة الخليجيّة.

* * *

الأحــد: صباح مليئ بنباح الكلاب المجاورة الذي يحاول تمزيق الفراغ الذي لا يقهر. هل ثمة من يستطيع تمزيقه أم هو على الأغلب من يفترس الجميع؟

كلاب جيراني هذه، أنا من أتخيّلها تنبح الفراغ، لكنها في الحقيقة تنبحني. وهي مهما عشتَ بجوارها من سنين لا يمكن أن تألفك، تظل مستَفَزةً دائما بنباحها الذي يعلو ويضطرم مع كل إطلالة ومرور في الطريق الذي يفصلك عنها سياج متين.

أنظر الى الشارع، لا أحد، عدا بضع سيارات تعبر بهدوء. كل شيء ملفع بسكون الموتى، كأنما الثبات الممتدّ منذ عصور يستقرّ في المكان.

أمضي الى المكتب وأنا أفكر في البحر.

أذهب الى البحر كعادة كل يوم. كان هادئاً والموجودون من السيّاح على أصابع اليد في هذا الشاطئ الممتد بين الجبل والبحر.

البحر هادئ يمكن السباحة بعد التجوال.

(قنديل البحر hsifylleJ) المزعج الذي امتدّ على مساحة العام حارماً إيانا من السباحة، انحسر إلى حد كبير. والشمس الحارقة تميل إلى الإنكسار والمغيب. إنها لحظة البحر المثاليّة.. بعدها سنتدّبر ثقل هذا الليل القادم.

* * *

الاثنين: ليلة مؤرقة أكثر من العادة. البارحة مرّ عليّ صديق يشكو أيضا من الأرق ويقضي ليله في مشاهدة التلفزيون لينام بعد أن تكلّ عيناه وجسده في الصباح. أنا لا أستطيع مشاهدة التلفزيون أكثر من ساعة، أو متابعة فيلم على الأكثر. أحاول تبديد الأرق الموحش وما يتبعه من هواجس صِداميّة، بالقراءة. أقرأ حتى تختلط الأسطر أمام ناظري (كيف لا يختلط مداد الكتب بالليل؟).

يبدو أن الأرق من السمات العضويّة للمكان والعالم. ثمة صديقة تحدثني عن ولدها البالغ من العمر الثانية عشرة ويعاني من عدم القدرة على النوم، وهي كذلك بالطبع (أرق بالوراثة) وتستخدم المهدئات على نحو يومي ضمن وصفة طبيّة.

هذا النوع من البشر الأكثر خصوصيّة في توارث الأرق، والفقر والأمراض والضغائن.. عكس الهنود من ناحية القدرة على النوم جالسين يتحدثون، أو حتى واقفين من فرط هدوئهم النفسي، وهذا النوع إياه الذي ينطبق عليه قول (نيتشه) في الاحتمال النموذجيّ على تجرع الغصص الذي ينتج عنه حتما فساد الطبع.

أصحو شبه محطمّ. مرارة الفم وثقل الخطوات، أتجه الى المطبخ، اشرب نصف لتر من الماء، أثناء الشرب، أحاول أن أتذكر، هل أخذت حبة (razoC) لضغط الدم التي اعتدت على أخذها كل صباح؟ دائما ذلك النسيان الذي يجعلني هي أو غيرها، أبتلعها مرتين أو لا أتناولها على الاطلاق. ألبس نازلاً السلالم. قطط هزيلة تقبع في زاوية السلّم تحدّق بعيون ذابلة لكنها مخيفة.

أفكرّ بالسفر إلى هولندا، من غير حماس، ضمن دعوة أدبيّة، وأعلل نفسي ببعض التغيير، كالنوم على نحو أفضل. والذهاب إلى (لاهاي) لقضاء بعض الأوقات، في (موتيل) على حافة بحر الشمال الهائج باستمرار، أصغي الى صفير الرياح المتقلب وأرواح القراصنة الغابرين.

* * *

عام ،1990 دفعتْ بي صروف الأيّام إلى (لاهاي) كان شتاء والموتيلات على البحر تكون خاوية حيث يشتد البرد والعواصف، عواصف بحر الشمال برعودها وبروقها التي لا تهدأ، بحيث أن الشخص الجديد على المكان لابدّ أن يكتسحه الذعر تحت وطأة ذلك القصف المضيء طوال الليل.. هكذا سكنتُ أحد الموتيلات مع عجوز مدمنة وحيدة، إلا من كلبها الضخم المخيف الذي سيصبح أليفا ومؤنساً مع الأيام.

كنتُ بالغ النشوة في هذا المناخ الغرائبي العاصف، اكتب باستمرار، لا علاقات اجتماعيّة تسمُّ البدن والروح، لا مكالمات إلا ما ندر، وغالباً في عطلة الأسبوع. في تلك الفترة كان العراق قد اكتسح الكويت ونُذُر الحرب الوشيكة تلفّ العالم بسحُبها الإعلاميّة الصاخبة. ذات صباح، نازلاً من غرفتي نحو باب الخروج، حين قاطعتني صاحبة النزل، قائلة ثمة أخبار سيئة. دخلتُ الصالة حيث التلفزيون. كان الكلب أمام المدفأة يحكّ جسده على أرضيّة الصالة المكسوّة بالخشب وسجادات رثّة. رأيت صداّم حسين وبوش الأب- حيث لم نكن نعرف له إبنا في ذلك الوقت وسيخوض حروبه المظفرة على دول وشعوب محطمّة سلفاً – متواجهيْن كأنما في حَلَبة ملاكمة.. لقد بدأت حرب الخليج الثانية.

ذات ليلة كنتُ راجعاً إلى الموتيل. كان ليلاً شديد العواصف حالكها حدّ اضطراري إلى أخذ تاكسي من محطة (التروماي) إلى مكان الإقامة. نزلتُ على الباب مباشرةً كي لا تحملني الرياح كريشة في براثن المحيط الغاضب الذي تصل أطراف أمواجه وزبدَه الى الشارع رغم الأسوار والتحصينات الكاسرة للأمواج. فتحت الباب بسرعة متجهاً نحو غرفتي حين أرى كل ملابسي وحاجياتي مرميّة أمام باب الغرفة. فجأة انفجرتْ المرأة الكحوليّة الكهلة؛ بأن عليك أن ترحل هذه اللحظة والا سأستدعي الشرطة.. اعطني مفاتيحي وارحلْ.. حاولت التفاهم، لكن لا مجال لمناقشتها.. كانت غاضبة لأسباب بدت لي غامضة في تلك اللحظة.. كلبها الضخم يسترسل في النباح كأنما يتضامن معها.

عليّ أن أتدبّر أمري في هذا الليل المحتقن بالكارثة وأبحث عن مكان آخر..

بعد أشهر أعطتني بلدية (لاهاي) أو (دنهاخ gaaH neD) حسب النطق الهولندي، لكن الأول الفرنسي هو الغالب ربما على اسم المحكمة الدولية الشهيرة- منزلاً بإيجار رمزي في قلب غابة محاطة بالبحيرات يشبه منزل الأحلام في القصص الرومانسيّة.

* * *

الثلاثاء: سافرتُ الى هولندا، لحضور مهرجان ثقافي هولندي عربي بأمستردام يقام كل عام. وصلتُ على مقربة من الفجر بمطار(اشخيبول) أوقفتني الشرطة ثلاث ساعات بحجة ان الفيزة التي أحملها (شنجن) كانت من السفارة الفرنسيّة وليس الهولنديّة.. أثناء الانتظار استحضرت ذلك الفجر القاهري الطالع من جبل المقطّم ومقابر الأحياء، مطلع السبعينيات، حين أُجبرت على الرجوع من مطار القاهرة. وكنتُ ذاهباً إلى اليونان ضمن رحلة طلابيّة نظمها في الغالب طلبة خليجيّون، تحت مبرر كاذب لضياع جواز السفر الذي سلمتُه مع الطلبة، الى مسؤولي تلك الرحلة وأخفوه، مدعيّن أن شركة الطيران هي المسؤولة عن فقدانه.

يومها في ذلك الفجر القاسي،في ذلك العمر المبكّر، عرفتُ أن ما يربطني بخليجيّة الخليجييّن المنتفخة عن غير حق يقيناً، شيء بالغ الوهن والانكسار. وشعرتُ ان ما يربطني بكتلة الجماعة المتوّهمة سيكون على النمط نفسه- دخلت من بوابة المطار الهولندي لأجد أن من ينتظرني ما زال موجوداً، محمد الفنان التشكيلي المغربي المهاجر، وأحد الناشطين في مؤسسة الهجرة التي تقيم هذه اللقاءات بالتعاون مع المؤسسات الثقافية الهولنديّة. كان الطقس رائقاً يكفيه جاكيت.

لم تبدأ الرعود والصواعق والأمطار بعد. آثار موجة الحرارة بمقاييسهم، التي شملت أوروبا هذا العام ما زالت ماثلة. وصلت إلى الفندق نفسه الذي نزلته منذ عشر سنين مع أدونيس وسعدي يوسف وفينوس خوري غاتا وعبدالمنعم رمضان وجميل حتمل، وآخرين فندق (IWO) البومة.

ويمكنك وأنت تتطلع إلى رسوم وأشكال البوم المختلفة على حيطان الفندق التي ترمز الى النماء والخصب عكس بومة الخرائب عندنا، يمكنك أن تتذكّر غادة السمّان وولعها بالبومة على المنوال نفسه، في كتبها وصورها.

وضعت حقيبتي في الغرفة ونزلت أتجول في (السنتروم) أمشي هكذا كأنما تعرف رجلاي الطرقات. المحلات على وشك أن تفتح أبوابها للزبائن. بعد قليل ستمتلئ بالصخب الذي يجرف الأماكن والساحات.. تنزهّت عبر القنوات المائية (الخراخت) التي تتميّز بها هذه المدينة والمدن الهولنديّة المفعمة بالمياه والخضرة والزهور حتى الانفجار.

قفلتُ عائداً الى الفندق لأنام بعد تلك الرحلة الطويلة من عُمان ذات المرتفعات والأجبال الشوامخ »إلى الأراضي المنخفضة«؛ قرأت خلالها كتاباً (لأندريه جيد) يحتوي على بعض آرائه حول الأدب والأدباء من أهل عصره، وعن إقامته في الجزائر، حيث الرمل والنخيل الذي يغنيه تأمله عن قراءة الفلسفة. وعن (اوسكار وايلد) الذي التقاه في الجزائر؛ ورجع إلى انجلترا المحافظة آنذاك ليحاكم في محكمة العدل الإلهية كما تُدعى. أطرف الأشياء وأكثرها فاجعيّة في محاكمته: سؤال القاضي له وسط مهابة تلك المحكمة التي تشبه محاكم القرون الوسطى، نيته (القاضي) في إرساله الى الجحيم، حين ردّ (وايلد) انه لا يخشى الجحيم لأنه لم يغادرها أصلا. وعدَل القاضي في أن يرسله إلى الجنّة هذه المرة.. لكن ليس ثمة جنة بمقدورك أن ترسلني إليها أيها القاضي لأنني لا أستطيع تخيّلها، أجاب (وايلد).

ومن غرابة آراء جيد، وبعده (إليوت) قراءته لمسرحيّة (شكسبير) هاملت. التي لم ير فيها شيئاً ذا قيمة وهي تندرج في ما يمكن تسميته بالميلودراما الرخيصة! هذه الحيويّة للفكر هذه القراءات المتناقضة، المتصادمة أيما تصادم، لأعمال كبار الكتاب والفلاسفة في التاريخ.

(نيتشه) الذي اعتبر شكسبير بكامله عبقرية جدباء- المثل

الأكثر سطوعاً في هذا المنحى، منهم من صنّفه مسيحيّا متشدداً (ياسيرز) رغم إعلانه المدوي عن موت الميتافيزقيا! ومن اعتبره مغالياً في الإلحاد ومتطرفاً في الهدم. آخرون مثل (جيد) وصفوه بالمتفائل والبنّاء، وليس متشائماً شديد القتامة..

(المتنبي) بين تربّعه ملكاً للشعر العربي في كل العصور، ونفيه الى الحكمة (ابن خلدون) أو من كليهما عند نقاد كلاسيكيين .. الحاتمي والعميدي وآخرين. حيويّة الفكر والسجّال في عهود ازدهار المعرفة تقود الى هذه الخارطة الحادة من المتناقضات والتعدد الصحيّ. عكس الموات الذي نعيش ونشاهد. هذا المستنقع اللزج الذي تتخبط فيه حشرات عمياء.

بالأمس أخبرني كاتب عُماني، أنه كتب شيئاً من النقد حول كتاب شاب هو الأول، فما كان من صاحب الكتاب، التحفة التي تبخل بمثلها العصور، إلا أن أوسعه سبابا وتقذيفا… لم نعتد النقد، لم نعتدْ الحياة.

* * *

رجـعتُ إلى فنـدق البومـة لأنـام حتى بعد الظهر. أصحو، لأجـد عبـدالرزّاق السبـايطـي مـديــر الهجـرة وأسـعــد جـابــر وrezteotS melliW من جامعة (ليدن) المترجمان من وإلى الهولنديّة. وهشام جعيط الذي صارتْ صلتي به هذه المرة أكثر قرباً وحميميّة.. لمستُ فيه الشاعر المخبأ في أعماق المفكر والمشتبك معه على نحو خلاق.

في هذه الرحلة التي تشبه غيرها، التقيت بالصديق فرج البيرقدار، الذي أعرفه منذ دمشق، بمعيّة صديقنا المشترك يوسف سامي اليوسف. في تلك الفترة كنت على وشك مغادرة دمشق، لا أعرف إلى أين؟ وكان فرج يأتي إلى مخيّم اليرموك حيث يقطن أبوالوليد (يوسف)، ليختبئ من عيون العسَسَ التي تلاحقه باستمرار.

حين غادرت الشام سمعت أن فرج وآخرين قبض عليهم وأودعوا السجن. كنا بتلك الفترة في مطلع حياتنا الكتابيّة والشعرية، ومنها أكثر من خمسة عشر عاماً وفرج يرزح في زنازين الصحراء السوريّة في تدمر.

سُررت كثيراً لرؤيته على هذا الحال من التماسك ورغبة الحياة. قلت يا فرج كيف (ضَبطتْ) معك، الموجودون خارج السجن حياتهم مستمرة بصعوبة بالغة. المحن والسجون العربيّة في طليعتها، إما أن تحطمّ الكائن وتحيله رماداً وأشلاء وإما أن تصقل الجوهر الإنساني وروح التحدي والإبداع، التي ترفض التهشيم والإنسحاق والقطيعيّة، لكن جروح السجن، لاشك غائرة وعميقة.. وهكذا أيضا حال الفرد الحر داخل السجن وخارجه في إطار الدكتاتوريات المتعاقبة عبر التاريخ العربي والبشري بصورة عامة.

وكانت هناك في الندوة ميسون صقر، التي بالكاد تستطيع السير الطبيعيّ نتيجة كسْرٍ في الركبة أفقدها المشي شهوراً وهي ليست المرة الأولى. أقول لها مازحاً: (ما تشوفي قدّامك جيداً يا ميسون) فهي ربما رغم ما يتراءى من طمأنينة وبذخ خارجييّن، ثمة زوغان يلف حياتها، مسرنمة تمضي، مما يؤدي إلى الوقوع والارتطام المستمرين. ثمة ندوب عصيّة على الإفصاح.

* * *

لم يعدْ الإبهار والادهاش قائمين في وصف رحلة أو سفر حتى في حالة لجوء الكاتب الى التضخيم والفنطازيا.

تقنيات الصورة المرئيّة، المسموعة، الجارفة، قضَت على كل ذلك. وحين يراودنا الحنين إلى التماس هذه المتعة التي تقترب من سحر الطفولة، نعود إلى كتب الماضي، ابن فضلان وغيره، في وصف الأسفار والعجائب والرحلات التي تلامس الخارق واللامألوف.

في الطائرة وأنا راجع الى مسقط أتطلعّ الى حدائق السماء الفسيحة حيث تسكن الملائكة خطر لي:

تذكرتُ من يبكي عليّ فلم أجدْ

(سوى القفْر والبحر المداريَّ باكيا) (1)

هل ضاع الحلم البشري وابتلعه الحوتَ إلى الأبْد؟

* * *

في الطائرة، بإحدى رحلاتي من المغرب إلى عُمان، أخذت في تصحيح مخطوط لكتاب جديد؛ استغرق مني معظم وقت هذه الرحلة الطويلة. نزلتُ في مطار (السيب) بمسقط. عبثا أبحث عن المخطوط في حقيبة اليد. لقد نسيته في الطائرة. وعبثاً أحاول الاتصال بشركة طيران الخليج المعروفة بعدم دقتها.

كان غياب المخطوط، محزناً لي في البداية. لكن مع الأيام اتخذ طابع نشوة إنجازٍ حقق غموضه الشفيف بالغياب.. وكأنما الفقْد والغياب، منحاني انتظار هدية غامضة، مليئة بالاحتمالات، جعل خيال حضورها، يتسللّ إلى كتابات لاحقة، ربما ستكون أفضل وأقرب إلى نفسي..

ثمة عصافير حرة تغنيّ في الشرفة المهجورة.

* * *

الثلاثاء: ساعة الغروب على بحر العرب. السماء تعبرها أسرابٌ من طيور النورس على غير العادة، تستعرض دوائر وحلقات تختفي وراء شعاع الغسق، يظهر بعضها لينقضّ على الأسماك الصغيرة منتفضاً بفرح وبهجة لا نظير لهما.

امرأة أوروبيّة تنادي طفلها الذي يصرخ بشكل هستيري. زورق سريع يظهر فجأة في عرض البحر، يبدو أنه تابع لشرطة خفر السواحل.

أستكمل قصة (لبورخيس) عن ملك عربي يذهب لزيارة ملك بابليّ. هذا الأخير يستضعف بساطة ملك الجزيرة فيرميه في متاهة أرضيّة مليئة بالسلالم والأبواب، يتخبّط فيها طوال الليل.. ما كان من هذا الملك حين رجع إلى الجزيرة العربيّة، إلا أن حشد الجيوش ليكتسح الملك البابلي ويأتي به أسيراً.. يربطه على جَمَلٍ يركض به في الصحراء المترامية. وحين يفك أسْره، يسأله: أيّ المتاهتين أكثر فظاعة وقسوة، فمتاهة الصحراء ليس لها أبواب وسلالم؟ ثم يتركه في الخضّم الرملي يواجه مصير الموت الحتمي.

يبدو أنّ الصحراء عبر العصور المختلفة، تمارس انتقامها الخاص. حتى في زمن هزيمتها وانكسارها، يخرج سَحَرتها من الكهوف لتدمير العالم!

أغلق الكتاب. الظلام الغزير يكتسح المكان.

الجبال تحلم بليالٍ مزهرة بالأشباح

عليّ الرجوع الى حيث أقيم.

* * *

أحاول النوم مبكراً، من غير أن أشاهد التلفزيون الذي يهيمن بسطوة مطلقة على المدينة، ممتداً الى الصحاري والأرياف البعيدة القاحلة، لتكون ضحيّته المثاليّة. التلفزيون أصبح القاسم الاجتماعي المشترك في تجمعات البشر وأسمارهم، حتى حين ينامون يبقى مفتوحاً، ليستمر كزادٍ يمدهم بالأحلام والاستيهامات.

أتناول قرصاً من )naerelaV( الذي أتت به (داليا) من بيروت لتهدئة الأعصاب. أطفئ مكيّف الصالة، أشعل مكيف الغرفة. نحن في شهر أكتوبر، الحرارة بدأت تتقلَّص تدريجيّا، لكن لا غنى عن المكيّفات التي تنوح وتحشرج طوال هذا الليل الكاسر.

صباح الأربعاء: أجلس على المكتب، أفكر في العدد القادم من (نزوى) العدد الجديد على وشك التوزيع، أحاول دحر الهواجس والعذابات التي تبيد الأعصاب جراّء إصدار مجلة ثقافية مختلفة في أجواء معادية للثقافة. كيف تصنع مجلة وما يندرج في الابداع الروحي، الثقافي، وسط هذه النزعة الاستهلاكية، المنفعيّة في أرخص مظاهرها العمياء، وسط هذا الجو المستبد القابض على كل هذه الأرجاء الشاسعة؟

أي عُصاب، وإحباط وبلادة تزدهر في مثل هذا المناخ، المحتقن بخلاصات الأوبئة لتاريخ مكسور؟

أحاول أن أكون عمليّا بعض الشيء وأفكر في محور حول أدوارد سعيد الذي عرفت خبر وفاته في هولندا. والذي أصبح له أرامل كُثْر، معظمهم لا يعرفه ولم يقرأ له. يكفي معرفة الاسم ليشطح الخيال الكسيح إلى آخره. فالرجل قد مات. عليّ الاتصال بالأصدقاء الذي أرجئه يوماً بعد آخر. أشرب الشاي، أحدّق في السقف الذي يخضبّه هواء المكيّف. وفي ربقة الجبال المحيطة.

لم أوفق في مكتب أرى من خلاله البحر الفسيح.. لكن الجبال مشهد ليس سيئا بالنسبة لي، رغم القحالة والقسْوة. إنها بؤرة تأمل لا ينضب. فكمن من القصائد انسابت من كهوفها ومفازاتها الحجريّة، مثلما تنساب الذئاب وبنات آوى في الأزمنة الماضية.

أقرأ بعض قصاصات دونتها ونسيتها. »الحكيم معروف بكونه من لم يعد يتمنى أي شيء«، »ما أمضيت عناء كبيراً في بنائه ستهدمه حتما«.

اتصال من محمد لطفي اليوسفي، يعلو الضحك والكلام على التليفون. لطفي كعادته شلاّل دعابة سوداء وملاكم ثقافي ضد ما يدعوه بالجهلوت، لا يكل ولا يتعب. هاتف لطفي أعاد لي بعض النشاط. أتفق مع محمود لزيارة الأهل.. وربما نذهب الى (سرور) التي لم أذهب إليها منذ عزاء الوالدة رحمها الله، حين هاجمتني الكآبة والأطياف المخيفة.

* * *

مساء: رتل غربان على قمة جبل صغير، تبيّن أنها تلتهم جثّة نسر.

هسهسة الموج الخافت هذا اليوم. وطائر كبير الحجم يحطّ على مقربة، مرسِلاً صفيراً يشبه صنوج غجر يتلاشى في الفضاء البعيد.

* * *

صباح الخميس: أنام متأخراً، على مشارف الفجر. اضطراب حاد في المعدة جعل أيّ مهدئ لا يفلح في التخفيف من هيجانه. أصحو على دوار الغثيان وبركان الفراغ. أغطيّ شاشة التلفزيون المستفزة برداء يمني، مطرّز بألوان جميلة باهرة، نسميّه في عُمان (سباعيّة) أهداني إياه الصديق عبدالعزيز المقالح في احدى رحلاتي الى اليمن. أتذكر يومها أنني صادفتُ في الطائرة صحفيّا يمنيّا راجعاً من عُمان، ترافقنا في الرحلة.. وأثناء اقامتي في اليمن، كتب في جريدته، أن سيف الرحبي قدِم إلى اليمن لزيارة عشيرته من الرحبييّن (بني همدان) الذين يمتد نسبهم الى كهلان بن تبّع حسب الصحفي وحسبما حدثني زيد مطيع دمّاج؛ القاطنين بتخوم صنعاء، في المنطقة التي يقع ضمنها مطار صنعاء الدولي، والبالغ عددهم أربعين ألفاً. عبدالعزيز المقالح بلطفه المعهود، اقترح تحقيق أمنية هذا الصحفي، إذ لم أذكر له شيئا من هذا على الاطلاق، وأن نذهب لزيارة مضارب القبيلة الأساس. قلت يا دكتور، أنا في عُمان بالكاد أرى الأهل حيث أزورهم زيارات متقطعّة، فكيف بالعشيرة والقبيلة؟ وهذه المسافة من الغياب ربما هي التي تجعل البشر أكثر حضوراً في الذاكرة، بحيث أننا حين نتحدّث عنهم لا نعدم إشراقة شوق وحنين، مثلهم مثل البشر الغابرين.

وفي الرحلة نفسها التقيتْ بعبدالكريم الرازحي، قلت له: يارازحي لم تعدْ تكتب في الحداثة والبنيّوية كالعادة؟ قال، أي حداثة وما بعد حداثة يا شيخ، البلدان العربية، أو معظمها، مازال أهلها يقسمون بكتب الشعوذة، حتى شبكات مجاري وتصريف المياه، لا يوجد فيها، إنها طافحة بالفضلات والنفايات، وأشباه المخلوقات البشريّة.

أدير زرّ الموسيقى، كانت المحطة تبث مقطوعات لم أستسغها. اجلس مقلّبا نظري بين رفوف الكتب؛ الكثير منها لا حاجة لاقتنائه. علينا أن نحتفظ بما هو جوهري وضروري للروح.. الكتب التي تشبه عينا خضراء وسط سراب الصحراء المروّع. إنها عين الروح التي تحاول إنقاذنا من هلاك محقق. تقع عيني على نسخة مخطوط فريدة من القرآن الكريم، نفسها التي أتيتُ بها من اسطنبول. هناك في تركيا يمكن أن تجد ضالتك الجمالية من مخطوطات وطبعات نادرة لا نظير لها في العالم.

جمال الغيطاني واحد من المهتميّن حدّ الهوس بجلب المخطوطات من تركيا في مجالات معرفيّة مختلفة، كأنما يسترجع حقه السليب، من ماضي الامبراطوريّة العثمانيّة التي نهبت الفن والفنّانين من مصر والعالم العربي.

أفتح المرجع الروحي الاسلامي المقدّس، مستحضراً برهبة نسخته الأم – أم الكتاب-، السابقة على الخلْق واللغة، المحفوظة بين سماوات الغيب المهيبة؛ أفتح، تقع عيني على الآية الكريمة التالية:

وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو.

أغلقه بخشوع وتوقير..

أجلس على (الكنَبَة)، تاركاً خيالاتي تسرح على عفويّتها بين جنان المنائر العامرة بالمؤذنين، والمقرئين وهم يرددون أسماء الله الحسنى في تلك الأسحار القرويّة الآفلة.

* * *

صباح السبت: أصحو فجراً. جهاز التكييف دائما، عنصر مقلق، خاصة في مثل هذا الوقت. أشعر بالبرد، أطفئه، بعد قليل أحس بالحر وهكذا..

طائر الفجر يشدو بصوته العذْب، يتبعه هديل يمام بريّ.. ثم يأتي دور (الصفرد) بجماله الوحشي. أدير زرّ الموسيقى بعد أن تسكت أصوات الطبيعة، أو ما تبقى منها. أدلف المطبخ لصنع الشاي. البارحة لم أتناول أي مهدئ، أحاول أن أكون رائق المزاج. وأفكر في »مشاريع« تتصادم في رأسي ربما ستساعدني على مواجهة الضجر والزمن الذي يعبر بكثافة مأساويّة، لكنيّ لا أنفّذ منها إلا القليل.

أتذكر (أدونيس) وذلك النشاط الخلاّق والحركة الدؤوب التي لا تفتئ وهو في السبعينيات. أتأمله ذات يوم في باريس مع الراحل يوسف الخال الذي قدم ليعالج من السرطان على نفقة رفيق الحريري. وكان بمعيّتهم نزار قباني وأصدقاء آخرون من جيلي.

شربوا ثم أخذوا يرْثون (الزمن الجميل) الذي غرب من غير رجعة، باكين على أكتاف بعض، لقد ذابت الخلافات الأدبية والشخصيّة وذابت التنافسات أمام يقظة الحقيقة المؤلمة.

قلت ، فعلاً، إن زمن ذلك الجيل ومناخ نشأته وحياته، كان أجمل وأكثر حظا في الحياة والتاريخ. إننا إذ صحّ هذا الادعاء، الورثة الأكثر مأساوية وقتامة، أدونيس على كثرة حركته وأسفاره في جغرافيا الكون، لا يعرقل ذلك من وتيرة انتاجه الابداعي، عكس آخرين، حيث التنقّل يشوّش ويربك الايقاع والوتيرة. ثمة فروق في الطبائع والتركيبات البشريّة على أكثر من صعيد.

ومحمود درويش الذي خَبِر الحياة والعالم سفراً وترحالاً ومنافي، يسلمه الواحد إلى الآخر. وعاش في قلب تراجيديا الاقتلاع والتيه الحقيقيّة التي هي اقتلاع شعب واضمحلال ما تبقى من الإرث الإنساني للعصر الحديث؛ اختار أخيراً الاقامة في رام الله، في قلب المجزرة والبطولة، في أعماق شعبه الذي أحبه، وكان الملهم الأول لأعماله الخالدة.

وحين رجع الى قريته (البروه) لم يجد ما وجده أبطال الأساطير العائدين بعد مغامراتهم وأسفارهم ومحنهم، التي اختزلتْ محن عصورٍ بكاملها. لم يجد حلم موطنه الأول ولا حتى بقاياه.

كانت قرية طفولته أطلالاً وحطاماً، كأنما ترفض أن توجد وتزهر إلا في مخيلة الشاعر، لاجئة من برابرة الاحتلال، إلى مخيلته ووجدانه، لتظل الوقود الابداعي والرمز. وهل ثمة ما هو أسْمى وأنبل من ذلك على قلب الشاعر الجريح.

المبدع يسكن حريّته وخياره في الترّحل والاقامة، في الحرب والسلم، إن وجد، يسكن شرط ألمه وتاريخه وسط اجتياحات الزمن والتاريخ.

تنتشر الشمس كعادتها على نحو صاعق. أنزل سلالم العمارة التي لا أعرف أحدا فيها وفي الحيّ بكامله.

القطط على السلالم ترمقني بذلك المزيج من البؤس والشراسة. مصطفى ينتظرني في السيارة، أذهب الى المكتب أجلس صافناً فيما سأفعل. اتصال من عبدالله الصمتي، يقول أنه فُصل من الجريدة التي يعمل فيها، وأصبح يشتغل بالقطعة، فالمؤسسة تحاول ترشيد الانفاق. هذه الشعوب ومثقفوها عليها أن تدفع فاتورة هذه الحروب المريعة، التي تُرجعنا عقوداً الى الخلف. ثمة رأي يذهب الى أن النهضة الحقيقيّة، تبزغ من جغرافيّة الدمار والأنقاض. الحرب مطهرّة وخالقة. أشك في ذلك، إلا اذا ثمة أساس، أفق جديد متحقق، في مفهوم الوعي والإنسان على هذه الأرض الثكلى، وانزياح في ميزان القوى المبهمين. هذه الأرض التي تتبدىّ ظاهرياً ، أنها صانعة أحداث الراهن وخبره وليس روايته بالطبع. أخشى أن تكون في العمق هي الغائب الأكبر عن صنع التاريخ الفعلي. هل هو الشرق الذي يواصل مسيرة النكوص رغم كل هذه الدماء المراقة والتي ستراق؟

أعود إلى مكان إقامتي، أجد (داليا) قد طَبَخت (شاكريّه). ودائما ذلك النقاش المجانيّ حول هذه الطبخة، إثر ما قلته لها، بأن أفضل شاكريّه أكلتها في الشام، بمنزل حسّان عزّت وزوجته فاتن حمودي، في الغوطة. وحتى حين انتقلا للعمل في أبوظبي. دائما الشاكريّه جزء من حميميّة اللقاء. منذ ذلك اليوم وداليا تلحّ في السؤال، إن كانت فاتن ما زالت تطبخ أحسن منها؟

* * *

ذات يوم كنتُ في منطقة (الشاتليه) بباريس، أتجوّل على غير هدى، قاذفاً كل ما حوّشتُه من أمل ورغبة في قعر هذا التيه المترامي. ماضياً على ما يبدو نحو (السان دوني) حيث الوجه الأكثر وضوحاً وفصاحة لحقيقة الكائن وهو ينزل سلّم جحيمه ويأسه وعوَزَه، من غير رتوش ولا فضائل مستعارة.

في هذا الخضمّ وعريه الجارح، ربما نجد قيمة انسانيّة وجسديّة، اللؤلؤة الخبيئة في أعماق، أولئك النسوة المهاجرات بين البلدان وحثالات البشر الأفظاظ.

في هذه الأثناء التقيتُ بالصديق بيّار أبي صعب، قريبا من مركز (جورج بومبيدو) سألني الى أين ذاهب؟ قلت هكذا على غير وجهة محدّدة. أشار إليّ بدخول مسرحيّة للبولوني (كانتور) تعرض في المركز. أثنيتُ العزم عن السان دوني ودخلتُ المسرحيّة، التي ما زالت من علامات الفن الكاشف الرهيب، في ذاكرتي. إنه العرض التمثيلي الرمزي لانحدار الكائن إلى الجحيم والألم والموت، مقابل عرض الشارع الشهير.

إذ كان مسرح (آرتو) يجسدّ صراعه المفزع ورعبه وموته الذي هو موتُ العالم، فكل هذه العناصر موجودة في مسرح كانتور، لكن عبر احتدام الصمت والفراغ. وكأنك في مقبرة يتمرغ موتاها في براثن العذاب والتنكيل، لكن من غير أن تسمع صراخاً واستغاثات، فقط تعيشها وتحسها عبر المقدرة التعبيريّة للإيماء والإشارة واقتصاد الكلام لهذا العملاق العجوز الذي رحل أخيراً.

* * *

الأحــد: لم تعد تلك الأصوات الحييّة العذبة التي سمعتها البارحة، بعد أن أسكتُ مكيّفات الهواء عن العواء. حتى العصافير التي تبني أعشاشها على ذرى المكيفات طلباً للبرودة، صامتة كأنما أتى عليها قناص ليليّ وحصدها عن بكرة أبيها..

أسمع أصواتاً غريبة لطيور لم أسمعها من قبل في مثل هذا الوقت، أصواتاً تشبه أنين مخلوقات تختنق، تختلط بنباح الكلاب ومواء القطط ذات الوجوه الصفراء الشاحبة.

أصل المكتب مبكراً هذا اليوم.. أفتح التسجيل كي يغطي على صخب المكاتب الأخرى. أنوي الاتصال بأكثر من بلد واسم لكن حتى منتصف النهار لم أستطع تنفيذ هذه المهمة التي أرجئها الى الغد. عبدالله الحراصي سيزورني قادماً من الجامعة التي تقع على مسافة من مكتبي، أسأله عن أبوهشام إن كان قد عاد من أسفاره الكثيرة؟ بعد ساعة يتصل بضجر، معتذراً عن المجيء هذا اليوم.

أستلم (إميلاً) من عمر شبانة، يقول فيه أنه وصل إلى الشارقة للعمل في جريدة الخليج. مما حفزّني على الاتصال والترحيب به في بلده الثاني على سبيل الفكاهة. فالشارقة أقرب إلى عُمان من عمّان.

أبحث عن رواية (موبي ديك) ولا أجدها، ألعن من اختطفها، رغم إيماني بأن اختطاف الكتب الجميلة لا يعد سرقة، لكني في هذه اللحظة أعتبرها كذلك. يذهب شكي نحو الحراّصي المشغوف دائما بالكتب، المهمة منها، وبالمقارنة بين الترجمات على ضوء أصلها الانجليزي بسياق دراساته في هذا المجال. أستحضر مقولة (برناردشو) كون الإنجيل أملاه الروح القدس، بأن أيّ كتاب يأخذك الى اعادة قراءته هو من إملاء ذلك الروح الغامض العميق.

* * *

أسمع أخبار الظهيرة المجازر الاعتياديّة في فلسطين والعراق. الفتاة ذات الأربعة عشر عاماً التي فجرّت نفسها في مطعم يهودي داخل اسرائيل.

موت (إلياكازان) الذي لم يستطع خطأ تاريخه الأسود مع المكارثيّة، أن يغطي على إبداعه الكبير. فيلم (عربة اسمها اللذة) و(آخر الطغاة) الذي شاهدته في السبعينيات بالاسكندريّة، لا يمكن نسيانهما.. مخرج طليعي، كنت أعتقد أنه من أصل أرميني اتضح أنه يوناني الأصل.

قبل أيام مات (شارلزبرونسون) بوجهه القاسي والأليف، وجه عمال المناجم وقبضايات الشوارع الخلفيّة.

السينما جزء من ذاكرتنا الثقافيّة والحياتيّة. أتطلع الى صورة بالغة الحنان، على الجدار، تجمع بين (فلليني) و(تطونيوني) هذا الأخير يبدو أكثر شيخوخة من فلليني الذي كان يشير بأصبعه الى جهة، لا أعرف إن كانت مجهولة، أم واضحة في تلك اللحظة التي يحاولان فيها مقاومة أثقال العمر والزمن، ربما تشبه أفلامهما العظيمة التي تقاوم التلف والاضمحلال، أشرطة وذاكرة، أمام اكتساح عصور الهمجيّة، الجديدة، والتي كانت تنبئ وتنذر بقدومها الوشيك، على نحو تراجيدي ساخر.

* * *

أذهب لزيارة أخي الشقيق سليمان، بمنطقة (الحيل)، أبناؤه الكُثْر لم أعدْ أستطيع تمييز أسمائهم، ولا تذكُّر بعضها.. أتطلّع إلى وجهه الذي كدّته السنوات. رغم صغر سنه، وتلك المسافة السحيقة التي فصلتنا وما زالت. أحاول أن أترك الحديث عاديّا، سلِساً من غير تحديق سارح واستعادات ستكون، بالضرورة مأساويّة. لقد فقد الكثير من مرحِه، أثقلته هموم الحياة اليوميّة وعذاباتها.. يحاول أن يشرع في حديث عن العائلة الموجودة في أكثر من مكان، الإخوة والأقارب والأرحام، الصغار والكبار، الأبناء والأحفاد. صوته المليء بالرأفة والحنان يذكرني بأزمنة غارت الى الأبد.

أتذكر حين سقط من جذع نخلة (الزَبَد) أمام بيتنا الذي أضحى خرِباً وعتيقاً قبل أن يعيد ترميمه ويحيله الى منزل جديد. ارتطم جسده الغض بالأرض، يومها بكتْ الوالدة لأيام خلَتْ، حتى حين شُفي، ظلت تبكي لمجرد استعادة حادث الارتطام بالأرض..

أحاول أن أهرب من حديثه العائلي، باللعب مع الأطفال الذين يملؤون الصالة بالضجيج.

في طريقي من مسقط، الى الحيل، مررت بثلاثة حوادث سيّارات، وتساءلت مثل غيري، لماذا هذا السباق الأسطوريّ مع الموت. لا يمضي يوم وربما ساعة، إلا وتحصل حوادث مماثلة، ارتطامات عنيفة وانقلابات ودمار لا تكاد أسرة تنجو في هذا السياق الكارثي، من قتيل وجريح، وكأننا في حرب فعلية، مسرحها الشوارع الكبيرة والسيارات.

* * *

الإثنين: اتصال هاتفي من عيسى مخلوف، يسألني عن نضال الأشقر التي تزور السلطنة لتقديم قراءاتها الشعريّة المختارة، تحت عنوان (زهرة الرماد). عيسى حين التقيه دائما في باريس، يذكرني بالسيد المسيح، ملامحه وتقاسيم وجهه توحي بتلك الصورة من الصور الاحتماليّة للمسيح. حتى صوته الممرور كأنما قدم للتو من كنيسة قرية نائية في جبال لبنان.

* * *

بالأمس التقيت السيدة نضال الأشقر. مرّ زمن لم أرها عدا في بعض المسرحيّات المصوّرة والتلفزيون. كانت آخر مرّة رأيتها فيها في لبنان بصحبة صديقنا المشترك بول شاوول. تعشينا عشاء لبنانياً في مطعم (الشحرور) بالروشة. الحديث مع نضال رغم أقانيمه المحددّة عادةً بين الفن والمرح والأحداث الجارية، هناك أفق احتمالات مبهج يتوالد باستمرار من ذلك الذكاء والحضور المدهشين لهذه السيدة.

والتي رغم شرطها الحياتي المريح، لا تستطيع أن تعيش خارج التحدي والمغامرة. نوع من إدمان العيش على الحافّة. فكأنما الطمأنينة عدوها الحقيقي. هي الترهل والانسحاب من الرؤية الجماليّة للأشياء والعالم.. ضمن الكلام السارح على نحو فكاهي حول الظواهر الفنيّة، وذلك الافتعال للطهرانيّة والجديّة عند بعض الفنّانات، التي يمكن أن نسميهن (العذراوات الشلكّات).

قلت لها أن البعض يقول أنك قويّة وفولاذيّة. ومرة رددت على هذا التصوّر، بأن نضال الأشقر مثل أي فنان حقيقي أو شاعر في عالم معادٍ للحقيقة والجمال، لابد له من أنظمة دفاعيّة حول الذات. نوع من تحصينها وتدريعها- من الدرع- ضد بكتيريا الانحطاط التي تسود. كان جواب هدى بركات، أن هذا صحيح لكن هناك ما هو أبعد منه في شخصيّة نضال. ربما شخصيّة والدك، أسد الأشقر الزعاميّة، الذي قاد الحزب القومي السوري، وسُجن طويلا، إثر المحاولة الانقلابيّة عام 1962. وكتب عشرات المجلدات حول تاريخ بلاد الشام. ربما كان لها تأثير عليك..

تحدثنا عن أنسي الحاج والكيفيـّة التعسفيّة لإخراجه من جريدة النهار التي يرأس تحريرها؛ عن عزلته وصوفيّته المتدفقّة بماء الحياة.

كانت نضال قلقلة تجاه أمسيتها في السلطنة، حين رأت مكان المسرح وبعده عن العاصمة في ذلك الخلاء البعيد، خاصة وأن الأمسية تتكون من لُحمة ذلك النسيج الشعري اللامألوف. وأن رحلتها وعناءها سيذهبان هباء من غير جمهور ولا مستمعين؛ لكن هذا القلق تبدّد حين امتلأ المسرح بالحضور الذي تضافر مع الشعر الطليعيّ والأداء المميّز، ليخلق تلك الحديقة المزهرة في ليل الصحراء الطويل.

* * *

على الشاطئ المعتاد، أمشي على مقربة من نورس أنتظر منه أن يطير لكنه لا يفعل، أقترب أكثر حتى تلامس يدي جسده المنكمشَ المكسور. يخطو خطوات متعَبة. نورس وحيد ومريض.

تقترب منه امرأة مسنّة. تنظر إليه بعطف وشفَقة. وربما رأت فيه نفسها في اللحظات القادمة.

غربان تتحلّق على جثة سمكة لفظها البحر قبل قليل، بحيث أن الدماء ما زالت تنزف من غور أحشائها الطازجة.

* * *

الجمعة: بعد ليلة مؤرقة، لم أحظ فيها إلا بغفوة قصيرة. بعد أن أشرقت الشمس مخترقة بضوئها القويّ، ستائر النافذة السوداء السميكة.

غفوة مشحونة بالكوابيس، كنتُ فيها الغريق الذي يبحث عن سعفة نجاة في عَرض المحيط.

اصحو على صوت داليا وقُبُلاتها. فتحت عيني بصعوبة لأراها في بلوزتها السوداء وتنورتها ذات الألوان الأنيقة، رشيقةً، شهيةَ، عذْبة، كأنما لم أرها من قبل رغم السنين التي لم تنقصْ من جمالها إلا القليل. أو هكذا أتخيلها حين تحتدم الرغبة.

من غير مقدمات، وباندفاع أعمى، دخلت حقلها الخصيبَ كأنما نحن الإثنان، نثأر من عنف هذا الليل ضدنا.. أحسستُ بفرجها وهو ينكمش ويتمدد انه يتفتح كورد حديقة مشبْعةٍ بندى الصباح…

وأثناء هذه الرحلة أسرح محدقاً في لُجة من سراب الصحراء، لتسلمني أمواجها إلى البحر الحقيقي البحر الأزرق الشاسع..

وفي هذا التقلّب بين البحر وسرابه، أو بين السراب وبحره، تقطع الرحلة مسافة أكثر من المعتاد محاولة تأجيل ذلك السقوط الحتميّ في العَدَم والفراغ. (وكان ثور القرية يمتطي انثاه مغمضَ العينين، بحيث أن السائس يضطر لإنقاذ القضيب من ضياعه، وتصويبه نحو الموطِن الأزلي للألم واللذة).. وأحياناً نذهب في ممارسة الحب حتى الإغماء، لنصحو كمن يستيقظ من سكرة سحيقة، مقذوفين في بريّة موحشة نلملم أشلاءنا المبعثرة في جَنَبات الغرفة التي ما زلنا نتخيّلها تهتزّ تحت وطء الأجساد اللاهثة.

فكرتُ أن ما يبقينا على صلة بالحياة والجمال، هو الحب، والكتب والبحر. وإلا فالخُواء الفاغر فاه كهاوية لا قرار لها سيبتلعنا من غير أثر، حتى ولو كان سريعاً كتلويحة مسافر على رصيف قطار.

قلت لداليا، رجعنا أولاداً، صار الحب وجبتنا الصباحيّة، كما في القاهرة وبيروت أو في الجزائر، في ذلك الفندق القذر الذي يملكه عباس اليمني المقيم في الجزائر منذ عهود الاستعمار الفرنسي. وفي الهوتيل القذر نفسه، ضغطت لأول مرة على طائرك بزغبه الناعم الدافئ وسقطت في كهف الأغوار السحيقة. واختُرق القلب الذي ظلّ شريد الحب والقصيدة.

* * *

(إميل) من غالية قبّاني.. وكنتُ قبل فترة التقيت بها في لندن مع فاضل السلطاني وابراهيم فتحي الذي يرغب في الرجوع بأسرع ما يمكن الى القاهرة.

تقول غالية أن الأصدقاء يلتقون بين الفينة والأخرى ليكونوا شهوداً على تقدّمهم في العمر. ويلاحظوا ذلك التغيّر الذي يحمله الزمن بعرباته الثقيلة على الأجساد والقلوب.

أكتب الى ليانة بدر في رام الله أسألها عن الأحوال التي ليست بحاجة إلى سؤال من فرط وضوحها، لكن هكذا هي العادة.. الفلسطينيون في الداخل هم أكثر العرب انعداماً للشكوى و(النق) هكذا لاحظتُ حين زرتهم في فلسطين. ففي حين يعيشون في قلب العاصفة الدمويّة والمواجهة التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، يحملونك على الكرم والحنان الصادقين والرعاية كأنما أنت القادم أو الذاهب الى المأساة وليس هم الذين يخوضون غمارها اليومي.

هكذا ينجلي المعدن الحقيقي للكائن في غمرة الشروط الشاقّة للحياة، وسط الخطر الداهم باستمرار.

* * *

السبت: حاولت النوم ظهراً. وصلت إلى تلك المنطقة المتأرجحة بين النوم واليقظة. عبرتني أطياف خلائق غريقة هي الأخرى تبحث عن قشة النجاة في محيط رأسي المتلاطم بالغضب والإحباط.

* * *

السبت: صحيان متأخر. شعور بالكآبة وملامح غثيان. خيالات الموتى تحاصرني، تسدَّ النوافذ والطرقات. أحاول الهربَ. لا أذهب الى المكتب هذا اليوم. أتجوّل من غير هدف ولا رغبة. الإنسان وُلد من ضياع وسديم. أيهما أسبق (الوجود أم العدم؟) لا يهمني ليذهب الاثنان إلى الجحيم.

أحس بثقل أنفاس الموتى وصراخهم.

في أي درْك يجري تعذيبهم وسلخ جلودهم وتبديلها في هذه اللحظة؟ تقودني السيارة الى شاطئ البحر. علّ المياه تغسل بعض كآباتنا أو تقلل منها. أستلقي كسائح- ليتني كنتُ كذلك وأتخففّ من عبث هذا الانتماء- أرقب الغراب يشرب من البركة الصغيرة ويطير. وثمة طيور أخرى، تايلنديّة الأصل تكاثرت وأصبحت تشكل مجتمعها الخاص بعد أن تأثرت بالغراب في مشيته العرجاء، وبالصفرد في تقليد الصياح. ألقي بجسدي في المياه المالحة وأذهب بعيداً في الأعماق.

* * *

المنطقة تقع في الحزام الجاف. تلفها البحار والمحيطات من كل الجهات. أكبر الشواطئ العربية موجودة هنا وفي المغرب. ثمة شواطئ متوحشّة، لم تفسد حدائقها المعشبة بالأصداف والأحلام، قدم إنسان بعد. إنها تخفّف من وطأة القحالة والمحل الساحقة.

هذا اليوم البحر هادئ. أسراب كثيفة من الأسماك الصغيرة (البريّة) تجوبه فيما يشبه الرقص الجماعي، حتى أنها من فرط الخفّة والبهجة، تقذف نفسها خارج المياه لترقص رقصتها الأخيرة على اليابسة.

خرجت من البحر مسرعاً حين تذكرت أن هذه الأسماك حين تكون، بهذه الكثافة قريباً من الشاطئ، فثمة مفترسات تتبعها.

رأيت صغار سمك القرش، تقترب من المياه الضحلة لكنها من النوع اللامفترس. وربما ما زالت صغيرة على الانقضاض.

رؤية القرش دائما تمدّني بإثارة مضاعَفة، وتشحن الخيال وتحفزّه بشكل لا نظير له في مختلف الحيوات البحريّة المكتنفة بغموض الأزمنة المتراكمة.

القرش بأنواعه، ذئب البحار. وكـ»ملك« يستعرض صفوف جيشه المنتصر. وهو الأكثر قِدما بين الأسماك ومخلوقات البحر، موغلاً في الزمان، حتى أن علماء البحريّات يقولون أن بعض أنواعه مضى عليها عشرون مليون سنة. لكنه بمجسّاته الكهربائيّة والمعدنية التي ترشده الى الفريسة ليس أكثر فتكاً من الإنسان. فهو غالباً لا يحب لحم البشر، حتى أن قرشاً ابتلع بحّاراً ذات مرة ولفظه على الفور لأنه لا يستسيغ هذا النوع من الوجبات، وهو لا يفترس إلا عدداً محدوداً جداً من البشر كل عام، لا يتجاوز العشرات، بينما هناك مائة مليون سمكة قرش تباد كل عام على يد الإنسان في العالم.

(شكسبير) في مسرحيته (ما كابث) تكلم عن الطعام المصنوع من سمك القرش. ونحن في عُمان نجففّه ونأكله بمتعة عالية ونسميه (العوال). محمد القيسي وصباح زوين ولطفي اليوسفي وآخرون حين زارونا وقدمنا لهم العوال، امتدحوا هذه الوجبة المثيرة والمدهشة.

هناك عشرات الأنواع من أسماك القرش إن لم تكن المئات تبدل أسنانها باستمرار: القرش النمري أسنانه أكثر حدّة. قرش الرمال، أسنانه كأسنان الكلب. القرش ذو المطرقة. القرش الملائكيّ والأزرق والأبيض… إلخ.

سمكة (الرامورا) التي وسَمت مجموعة قصصيّة لمنيرة الفاضل، تقضي حياتها ملتصقةَ بالقرش، تتغذى من إفرازات جسده بشكل طفيلي وهي في وجودها ونمط حياتها الاتكالي، تذكرّ بقرابة عضويّة لأفراد وجماعات بشريّة، تعيش في الأرض على النمط نفسه. وستنقرض لو تخلّت عن طبيعتها الطفيليّة هذه.

* * *

الخميس: أذهب الى الصالة لأطفئ المكيف الذي بات يحشرج طوال الليل كأنما ثمة كلاب تحتضر في أحشائه. هدوء وصوت يمام يهدل في الخارج. أذهب إلى المطبخ لأعمل الشاي، أسهو قليلا يفيض الإبريق، لكن ما تبقى يكفي لهذا الصباح. أتراجع عن تشغيل الموسيقى، لاستمتع بصوت اليمام والطيور الصغيرة الهاذية في الشجيرات المجاورة، التي لم يأت عليها العمران الكاسح بعد.

اصطفاق أبواب الجيران الذين لا أعرفهم يبدّد هذا الهدوء. ارتطام يهزّ العمارة بكاملها مع كل باب يغلق. هؤلاء الجيران المتغيّرون باستمرار، الذين لا يكلم أحدهم الآخر، أو حتى لا يشير بإيماءة تحية مثلما يفعلون في البلاد الأجنبيّة، لابد أن أكلم حولهم، مدير سكن هذه المنطقة كي يراعوا الهدوء في غلق الأبواب، أو المشي الصاخب على السلالم، لكني لا أفعل.

الصفرد يعلو بشدوه الجرسيّ كأنما يتوجه برسائل نَغَمه إلى الغيب المتعالي، فأنسى الجيران وأبوابهم، وأبدأ في ترتيب الأوراق على الطاولة وأشرع في الكتابة.

* * *

أتلقى دعوةً من (كولومبيا) إلى مؤتمر أدبي بمدينة (ميدلين) مركز العصابات العاتية والمخدرات في العالم. ومركز الحركات اليساريّة المتطرفة.بداية تعجبت ، كيف يكون مؤتمر هذه طبيعته بهكذا مدينة؟ لكني تذكرت (اسكوبار) زعيم عصابات المخدرات القوي، الذي تقول الرواية أنه وهو يخوض معركته الأخيرة مع السلطات، وُجد مقتولاً وفي يده مسدسان، وفي اليد الأخرى رواية (مائة عام من العزلة) لمواطنه، ماركيز؛ فإذا كان رجل العصابات الأسطوري، يقرأ أدب بلاده، فكيف حال المثقفين؟

هذه رابع دعوة أتلقاها من منظمي هذا المؤتمر، ذات عام نويت الذهاب، لكن قبل يومين، رأيت في الأخبار، اختطاف مرشحة، رئاسة الجمهوريّة. لا أعرف، هل كان الاختطاف من قبل الحركات اليساريّة أم من قبل رجال العصابات، فتراجعتُ.. ومرةً قررّت الذهاب من باريس بعد أن عرفت أن أدونيس وعيسى مخلوف وآخرين مدعوون إلى المؤتمر نفسه لكن أدونيس، انشغل بمهمات أدبية أخرى، وعيسى الذي عاش سابقا في بعض دول أمريكا اللاتينيّة تحفزّ في البداية أن نترافق في هذه الرحلة، لكنه تراجع لاحقاً لأسباب خاصة..

هذا العام، رغبة السفر إلى كولومبيا، أكثر إلحاحاً، إغراء التجربة الجديدة. ربما أذهب بعدها إلى الأمازون القريب. فهو امتداد لفنزويلا… (أمازوناس) حيث المساحة الخضراء الهائلة والسكان القليلون. وحيث ربع مياه الكرة الأرضيّة العذبة في أرجائها المثيرة، على النقيض من بلادنا القاحلة الجافة، أيما جفاف.

* * *

الأربعاء: تلبك معويّ حاد، منعني من الذهاب إلى الإمارات عن طريق البر. مشهد الصحراء وهي تبيض عمارات وأبراجاً قلّ مثيلها في العالم، يغريني بتأمل أحوال الأرض والإنسان.

أفتح النافذة، ألسنة سحب تطل من وراء الجبال، لا تشبه السحُب كأنما هي نذير قيامة. أغلق النافذة، تعتم الغرفة من جديد. أفتح أباجورة القراءة.

أنسى كل شيء غارقاً في مياه الكلمات.

* * *

الجمعة: الجو جنائزيّ ثقيل، الهواء يحمل رائحة الموت في كل مكان. الهواءُ الذي كأنما يهبّ من جِيَف حيواناتٍ متعفنّة.

سليمان، أخي، يبلغني بأن، محسن بن حسن، قد توفي البارحة. توقفتُ لحظاتٍ، لأستلّ هذا الاسم من غابة الأحياء والموتى الذين تعجّ بهم الذاكرة من أزمان مختلفة.. بدأت أستعيد وجه محسن تدريجيّاً، حين كنا في سمائل، وكنا نذهب من سرور، لزيارتهم في منطقة (السياب) بعلاية سمائل، على حدود الوادي الذي يتوسط ضفتيْ البلاد.

كان الوادي بجانب ثرائه بالمياه والنخيل والأشجار الأخرى، تطرز ضفتيه غابات (الروغ) الكثيفة الحالمة.كان حين يتمايل بفعل الريح الخفيفة، تعرونا رجفة جمال وحنين غامضة. كانت تلك الزيارة بالنسبة لي دائما، مناخ تغيير وفرح، يشبه فرح الأعياد ومواسم (خَرْف) الرطب وجني الثمار.

كانت سمائل، مثار خيال، ليس بسبب هذه الطبيعة المميّزة عن مناطق أخرى، فحسب، وإنما بجوها الأدبي والشعري.

كيف يمكنني أن أنسى تلك الكوكبة من شعراء وعلماء تلك المرحلة، من الشيخ عبدالله الخليلي وعلي بن منصور وموسى البكري وسلام الرمضاني والشيخ العلاّمة حمد بن عبيد السليمي رحمهم الله.

كان محسن ، أحد أبناء الأخوال، من وجوه تلك البرهة الغاربة إلى غير رجعة.

* * *

السبت: أتسطّح على الرمل الأبيض الصافي، منتظراً اختفاء الشمس التي بقيّ نصفها يقاتل بشراسة كي لا يغطس في لُجمّة المغيب.

جُل الوجوه، إن لم يكن كلها من السيّاح الشيوخ.. لقد ذبُلت الأجسادُ وتهدّلت. وغارت العيون وانطفأ ألقها إلا من تحديقة الموت العريقة.

أصرخ، يا إلهي، أليس من جسدٍ فتيِّ، ناضح بالأنوثة والرغبة، يعيدني إلى صفاء النظرة الأولى؟

أتصل بداليا، يأتيني صوتها متغضنا، تعباً، فتخيّلت أنها شاخت هي الأخرى واضمحلّت نضارتها.

استسلم للرمل محدّقا في الفراغ واللاشيء.

* * *

الجمعة: لا يمام يهدل. لا عصافير صغيرة على الشجرة اليتيمة في الخارج. لا نسمة تحرك هذا السكون المقبريَّ، حتى ولو كانت ساخنة.. كم أحلم بغيمةٍ شريدةٍ تعبر هذا الصحو المستفزّ للأعصاب..

أنتظر هاتفاً من أحد الاخوة كي نلتقي على غداء عائلي، لكن الوقت يمضي ولا هاتف ولا من يحزنون. صارت أكثر العلاقات حميميّة، موضع شك وريبة. وهذا ليس بالأمر السيء إذا فهمنا طبيعة البشر على نحو جيد.

ورغم أننا أكثر الأمم تشدقاً بتراث الأجداد، لكن الأصحّ أننا أكثرها انهياراً في المنظومة القيميّة، والأخلاقيّة التي بُنيت على أشلائها وعظامها، مباني الكذب والنفاق.

أذهب إلى سوق السمك في (مطرح) استمتع بمشهد الصيادين والقوارب قادمة، شباكها مليئة بأنواع الأسماك المختلفة، التي مازالت حيّة، تتخبطّ لامعة تحت ضياء الشمس. تفزّ أفراخها، من قلب الشباك إلى اليابسة ليعيدها الصيادون إلى السلال التي ستباع فيها.

أقف على الحافة، خلفي عَرصَات السوق ونداء الباعة والقّماطين، وأمامي البحر والسفن، التي صُنع بعضها وفق الأنماط العمانيّة المزهرة في الأيام الغابرة.. ذهاباً وإياباً على حافة الميناء مأخوذا بالمشهد وحركته وفطرته. في رأسي، تتراءى أطياف وجوه غائبة، أو ربما حاضرة لكني لا أعرفها، فهي بالتالي في رعاية الغياب القاهر، وهذا أفضل للجميع.

سعدي يوسف، حين زار عُمان، أُعجب بهذا السوق، وكتب عنه، كتب عن ما افتقده طويلاً في ضباب المنافي التي لا حصر لها ولا تصنيف.

ربما ذكرّه بأسواق البصرة المنكوبة.. ما زال هناك بحر وصيادون وشباك.

ما زالت بقايا طفولة وذاكرة ربما عصيّة على الاستئصال والتدمير.

* * *

السبت: للدميريّ في حياة الحيوان الكبرى، أقرأ: »الجعل كقرد ورطب وجمعه جعلان بكسر الجيم«. وهو دويبة معروفة تعض البهائم في فروجها فترهب. وهو أكبر من الخنفساء. يوجد كثيراً في مرح البقر والجواميس ومواضع الروث. ويتوالد غالباً من أخثاء البقر. ومن شأنه جمع النجاسة وادخارها. ومن عجب أمره أنه يموت من ريح الورد وإذا أعيد إلى الروث عاش.

قال أبو الطيّب:

(كما تضر رياح الورد بالجعلِ)

ومن عاداته أنه يحرس النيام. فمن قام لقضاء حاجته تبعَه، وذلك من شهوته للغائط لأنه قوته. وعن الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الطبريّ وابن أبي دنيا أنه قال: »إن ذنوب ابن آدم لتقتل الجعل في جحره«.

أي تعليق لابد أن يفسدّ هذا التشخيص الدقيق، الواقعيّ أيما واقعيّة، بالحرف والمسطرة، لصنف بشريّ بعينه.

* * *

يترأى طيف ذلك الفيلسوف، الذي لاحظ بانزعاج شديد، بداية ضمور كراهيته العميقة، للوضع البشري.

* * *

الأحد: ارفع سماعة التلفون. هلال الحجري، قادماً من انجلترا بعد أن سلّم بحثه للدكتوراة، حول الرحّالة الإنجليز في عُمان. وقال أنه اطلع على عدد نزوى الأخير. طلبتُ منه بحثاً حول (ويلفرد ثيسيجر)، الذي مات منذ فترة وجيزة، والذي يشكّل علامة فارقة في ساحة أولئك الرحّالة الذين عبروا الربع الخالي في مطلع القرن الماضي.

ألتقي بأحمد الهاشمي الذي قلتُ له أكثر من مرة أنه يذكرني بالعُمانييّن الأوائل. وأنه يشبه نفراً التقيتهم ذات دهرٍ، حين كنا نقطع المسافة مشياً، مع الشيخ حمود الصوّافي ومبارك الراشدي، بين بلدتي (المضيبي) و(سناو) كان القمر باسطاً أضواءه، على تلك المفازات المتموجّة، تعلوه بعض غيوم عابرة، مبعثرةٍ، ماضين في تلك الليلة الفريدة بين أشجار السمر والغاف والحرمل، المكتظّة بالظلال والهوّام على مشارف الربع الخالي.

لا أعرف، لماذا أولئك الأشخاص المسافرون الذين التقيناهم صدفة، بوجوههم الغارقة في الأضواء والظلال المترحّلة، لا يبرحون ذاكرتي بعد كل تلك السنين العاصفة؟

* * *

أجلس أمام التلفزيون، أقضم أظافري، وأشاهد من غير حماس.. فرج البيرقدار الخارج لتوه من السجن، قال: أن علينا إنجاب طفل على الأقل. فمع تقدمنا في العمر سنجلس وحيدين، نقضم أظافرنا. أجبته بأن لديّ عادة قضم الأظافر منذ الطفولة. وربما أدميت أصابعي حين خرجت مباشرة من الرحم نحو العالم. لم استخدم مقلمة أظافر ولا أي وساطة، على هذا الصعيد القضمي.. حامت على رؤوسنا مقولة أثيرة لدى البعض؛ أن ثمة جرائم كثيرة يمكن احتمالها، إلا جريمة الإنجاب في عالم مثل عالمنا.

أعتقد أن هذا الفيلسوف كان متشائما أكثر مما يحتمل الموضوع. فالإنجاب وعدمه ليس مقولة أيديولوجيّة، فيمكن للإنسان أن يحققه مثل باقي مخلوقات الله، أو يهمله وينساه.

يمكن أن يستبدّ به الحنين الى رؤية وجهه، ينعكس في آخر من صُلبه. أو أن ذلك الإنعكاس المكرر، يزعجه ويبهض حريتّه، رأسماله الرمزي في الحياة.. يمكن أن يرى وجهه منعكساً على صفحة ماءٍ في بحيرة صافية من غير مسؤوليّة ولا تبعات، وليس بالضرورة على طريقة (نرسيس) الذي قضى حياته هائما في عشق جماله حتى صرعه هذا الهيام.

الكاتب اللاتيني الأعمى هو الآخر لا يحبذ الإنجاب، ربما لأنه لا يرى جدوى من هذا الاستمرار الكئيب للجنس البشري.

المخرج الفرنسي (آلان رينيه) في فيلمه (العناية الإلهية) يدفع بشخصية فيلمه الرئيسيّة، أو بطله كما جرت العادة، الثري المثقف وهو يستعيد شريط حياته في أيامه الأخيرة، إلى السؤال الحرِج الحزين، حول أكثر شكوكه وضوحاً، حب أولاده له، وإن كان وجودهم ضرورياً في حياته؟!

صاحب (سفر الجامعة) يبدو أكثر عدميّة حين يقول: »لذلك مجدّتُ الموتى الذين ماتوا أكثر من الأحياء الذين ما زالوا يعيشون، ولكن الأفضل من الاثنين ذلك الذي لم يوجد بعد الذي لم ير الشر المصنوع تحت الشمس«.

أما المثل البرازيلي الشعبي فيقدم حلاً مرحاً، في أن الذين لم ينجبوا أطفالاً يعيشون كالملوك ويموتون كالكلاب. والعكس لمن كانوا ذا خلفة يعيشون كلاباً ويموتون ملوكاً…

لكن من يضمن، نهاية المطاف، وضع الكلبيّة والملكيّة، أما يكون الوقت قد فات وتلاشى أمام صاعق الغياب. وأن هذا الصاعق، أو هذا النداء الأزليّ هو الشفاء الأكثر واقعيّة لسقطة الوجود الذي لم نختره على كل حال، وكان العلاج الأكثر حسماً وجذريّة هو في انعدامه والتحجرّ في ظلمة السديم والعدم القصوى.

ربما علينا أن نحيا ونخلق معنى ما، ولو كان سرابيّا، لتحمل استمرار هذه الحياة.

* * *

الاثنين: اتصال هاتفي مع خالد المعالي يقول: أنه سيحتفل هذه الليلة مع الأصدقاء، حول مرور عشرين عاماً على تأسيس (دار الجمل) التي بدأت بحلم شخصي، تنقصه الامكانات الأساسيّة، لكن الإرادة أخذت بهذا الحلم إلى دنيا التحقّق الواسعة، مثلما نرى الآن.

المعالي، الذي قضى معظم حياته في ألمانيا، المتحدّر من بادية السماوة، ما زال يحمل سحنته وملامح أولئك البداة المهمشيّن ليس في شعره فحسب، وإنما في وجهه وجسده وحركاته؛ وأنا أتخيّله دائما ينتمي إلى (شوّان) جبال عُمان، مزنراً بـ»المحزم« و»التفق«، يسوق قطعان الماشية والجمال، ناظراً إلى التيوس والوعول السارحة في الضفاف الصخريّة الأخرى.

إن له شكل راعٍ نموذجي رغم السنوات الألمانيّة الطويلة، على سفوح هذه الجبال أو في أراضي (وهيبة) في تخوم الربع الخالي.

* * *

أفتح التلفزيون، أشاهد فيلماً، مستوحى، من إحدى روايات (هومنجوي). حياة الكاتب (هاري ستريت) بطل الفيلم التي هي حياة هومنجوي نفسها، والتي كانت لُحمة رواياته ونسيجها الشاسع؛ مغامرات الترحال والحروب والنساء والكتابة، العيش في قلب الخطر والإثارة، هروباً من الرتابة والدِعة، وبحثاً مرهقاً عن الجوهر الحقيقي الهارب، طريدة الكاتب المستعصية حياةً وإبداعاً.

مشاهد الفيلم الأخيرة، هي الأجمل والأعمق، حين يمرض الكاتب في غابات إفريقيا وسط العزلة والفراغ والأشباح، وذلك الساحر المداوي بأقنعته وعظامه ووشومه المخيفة.

يذهب الكاتب في غيبوبة الحمّى وهذيانها، يرى الموت والعدّم واللاشيء.

الضبع يتنزّه قريباً من خيمة المريض، يشتمّ رائحة الدم السائل من ضمّادات المريض فيرتجف، هياجاً ولذةً، الضبع الذي يركبه السحَرَة بالمقلوب، في قصّ الخرافة للذاكرة الشعبيّة العُمانيّة.. الشجرة الكبيرة مليئة بطيور مشؤومة مروّعة. الضبع في هياجه باحثاً عن الدم، لا يهدأ بخلقته البشعة حتى يكتشف الفريسة ويتم الاقتحام.

* * *

الثلاثاء: أستمع إلى شريط قديم، حملتُه معي فيما حملتُ من متاع قليل في أكثر من مكان؛ (لإيرين باباس)، صوتها مزيج من نُواحٍ كربلائي، وأغاني الرعاة المتحدّرين من الجبال بحثا عن مياه بعيدة.. جبال وسهول (كريت) والجزر اليونانيّة حيث (كازنتزكي) ذو الدماء العربيّة. لا أستمع، إلا في أوقات خاصة، لأم كلثوم وسيّد درويش، وعبدالحليم، وذلك الجيل الذي تربينا على أغانيه وإيقاعاته الرومانسيّة، ربما لأن دَفْعَ الحنين، الى مناطق قصيّة جداً، يستنزف الكيان، فيتحوّل من الطرَب وفرح استعادة الذكرى، إلى نوع من مازوشيّة تدميريّة، لسنا في حاجة إلى تنميتها أكثر مما هي عليه.

أنزل السلّم ، أسمع اصطفاق باب أو بابين، تهتز على أثره العمارة. أقرأ إعلاناً ملصقاً حول القطط التي بدأت تتكاثر في طوابق العمارة وتموت وتتعفّن. لا أعيره اتنباهاً، لأن تلك القطط الشريدة التي يريدون استئصالها من المكان، لن تغادر مخيّلتي، ويظل مواؤها ونظراتها، البائسة المليئة بالحقد واحتمال الشر، الذي يستحوذ عليها لولا ضعفها، يلاحقني باستمرار.

أذهب إلى المكتب، اتصال من محمد المزديوي وآمال موسى وفرج العشّة، نشرة أخبار منتصف اليوم. استمرار المجازر والمقاومة في العراق وفلسطين، التي تصل حدّ المحو الكامل بين الأسطورة والواقع، نتيجة، ذلك الاختلال في ميزان القوى الذي لم يعرف له التاريخ مثيلاً، بين من يملك كل شيء ومن لا يملك أي شيء، عدا روح الإرادة والتضحية التي لا تلين. ثمة شعوب ورجال ونساء، يختارهم القدر التراجيدي، بعناية فائقة، والأكثر مأساويّة، هو انفضاض وظلم ذوي القربى، الأشد مضاضة وفتكاً من قنابل الأعداء.

* * *

أحضر ندوةً أو مؤتمراً، ألقي نظرة على الأوراق أمامي.أرفع رأسي. تتسّمر نظرتي في صحن الساعة المعلّقة على الحائط.. أتذكر أحد أفلام (برجمان) حيث حشْد من الساعات ذات الأحجام المختلفة. المخرج السويدي مسكون باستبطان لذة البطء بالمعنى الوجودي، والضجر في سيرورة الزمن الساحقة.

غسّان كنفاني؛ الساعة والصحراء، بمثابة المقام الرمزي الذي يحتشد بالإشارات والإيحاءات والوقائع، لسيرورة الزمن الفلسطيني، العربي الأكثر ثقلاً وفظاظة، بين أجيال الأزمنة العربيّة المتعاقبة.

* * *

الأربعاء: فوضى الأوراق على المكتب، أكثر من المعتاد. صحيح أنني أفضل الطاولة على نحو من الفوضى، وانعدام الترتيب البليغ، لكن ليس إلى هذا الحدّ.

بداية زكام، يبدو أنه يأخذ شكلاً جماعياً في البلاد.

اتصل بالشيخ محمود بن زاهر أسأله عن أبي هشام عبدالملك، إن كان رجع من سفرته الأخيرة، فرمضان على الأبواب،وهو وفق مقتضيات عمله على سفر دائم، يذرع فضاء الله جيئةً وذهاباً. وهو ما أزاح عني جانباً من حمل مسؤولية السفر النمطيّة، عند أصدقاء مثل أبي أحمد العبري وأحمد الفلاحي اللذين صارا يوزعان هذا الإغباط أو الحسدَ البريء بين عبدالملك وعبدالرحمن السالمي وبيني. انكسرت تلك النمذجة التي ورثناها عن الجد المعتزلي الكبير (أبي عمرو الجاحظ) بحيث أن الصفة التي تلتصق بموصوفها إلى الأبد، حتى ولو أقلع عنها أو تلاشت إلى حدّ كبير.

الشق الثاني من مكالمتي للشيخ محمود حول أبيات للخليل بن أحمد حفظتها عن والدي وحين بحثتُ لاحقاً، عن مرجع أو ترجمة لها، لم أجد، أبومحمد دائما مرجعنا في مثل هذه الحالات وغيرها. شعر الخليل على ما يبدو لدى دارسيه وشارحيه أقل أهميّة من إنجازاته المعرفيّة في علوم اللغة، فلم يعيروه أهمية تذكر. وهو وإن كان كذلك، لكنه ببساطته العميقة يكشف لنا الجانب الآخر لسيرة هذا العلاّمة، الفذ، وعن غربته وعزلته وسط انحطاط القيم في الزمن الذي عاش فيه.

رمضان المبارك على الأبواب، عليّ أن أغيّر بعض العادات اليوميّة، أن أغير اتجاه الحركة في مثلّث البيت، المكتب، شاطئ البستان. أستبدل هذا الأخير بشاطئ القرم الأكثر سعةً وانبساطاً. وأحلم بزيارة أهل وأقارب وأصدقاء لم ألتقهم منذ سنوات، رغم اقامتنا المشتركة في نفس المكان.. هل يتحقق هذا الحلم؟

* * *

الخميس : اتصال من ناصر الغيلاني، من صور، يخبرني عن عزمه على السفر إلى القاهرة لحضور مؤتمر الرواية العربيّة. أخبرني أيضا عن عبدالرحمن منيف وتحسّن حالته الصحيّة بحيث أن حضوره المؤتمر أصبح ممكنا.. منذ فترة استلمت رسالة من منيف، في سياق الرسالة، وهذا ما أدهشني، يتساءل عن جدوى الكتابة في عالم اليوم، وهو من بين الأكثر إيماناً بقدرة الكتابة على تصحيح التاريخ المفعم بالكذب والتزوير؟ ما جدوى الكتابة فعلاً، في ظل امبراطورية الصورة والاعلان وتعهير اللغة ومحو الفروق؟

قلت لناصر: لو أسعفك الوقت لعمل مقابلة للمجلة، مع ابراهيم الكوني.. نريد أن نعرف أكثر عن صحرائه الكبرى مباشرةً من غير وسائط الكتابة وحيل السرد..

لو يتحقق شعار »يا صحارى العالم اتحدي« وتتجسد تلك التوأمة الروحيّة الحميمة لكان أفضل من توأمة مدن عرجاء مشوهة. وربما من قلب ذلك الاتحاد العظيم ينبثق خلاص جديد للبشريّة على غرار خلاصها على يد الأنبياء والمرسلين من قلب الصحارى.. قبل قرون..

إبراهيم، هو الآخر يعاني من مشاكل صحيّة يعالجها بالكتابة والعزلة في جنيف،التي حوّلها إلى مفازات تعجّ بمخلوقاته الصحراوية البالغة الرأفة والعنف.

خلال هذا العام، كم من الأصدقاء غيّبهم الموت. (الأصدقاء يموتون ويصيبني الدوار) وكم من ينتظر، وهو يكابر ويقاتل سطوة المرض، محمد شكري، زكريا محمد، سهير التل، ممدوح عدوان، محمد الطوبي. ممدوح عدوان الذي التقيته بمعرض القاهرة للكتاب، كنا في الفندق نفسه، وكانت حياته وفق خطها الاعتيادي المعروف. لكني مع خليل النعيمي، لاحظتُ هدوءاً وصمتاً، وهما صفتان لم نعرفهما في ممدوح، إلا حين يذهب إلى الكتابة طبعا. سألتُ زوجته، إلهام، فقالت انها تلاحظ ذلك منذ فترة لكن ليس ثمة ما يقلق. أما مجد حيدر، فقال مازحاً، أن ممدوح يمر بتجربة غرامية صعبة في الشام.

بعد أقل من شهرين، سمعتُ بمرضه العضال. وبعد فترة رأيته في مؤتمر أمل دنقل، وقد سقط شعره بالكامل. لكن الحزن الخبيء في عينيه المرحتين لم يقلل من تفاعله وضحكه والاستمرار في حياته اليوميّة والكتابيّة.

إنني أغبط هذا الصنف من الكتّاب، وإيمانهم القوي بالحياة الذي يفوق إيماني بالموت كحقيقة وحيدة تحت لهب الصحراء. لكن أليس الأمران متلازمين بشكل أن أي انفراط في العقد، يطيح بتماسكه في هذه المواجهة الضارية واللامتكافئة؟

إننا في المتراس نفسه، في الدفاع عن حرمة الحياة وحرمة الموت اللتين أصبحتا من الرخص بمكان في دنيا العرب الراهنة.

* * *

أقرأ خبراً، يعزو حرائق الغابات في أمريكا، الى هوَس جنسي، يستحوذ على أصحابه ويسطو في مرأى النيران الهائل فيعمدون إلى تلك الحرائق.

هذا التفسير الذي لا أستبعده في عالم اليوم، لم يخطر على بال (الماركيزدي ساد) الذي تخيّل في بعض رواياته السوداء التي كتبها في سجن الباستيل، أن الرغبة الجنسيّة تتصاعد على حافة بركان يشتعل، وكلما تصاعدت ألسنة النيران، تصاعدت الرغبة حتى تصل الى الذروة. أما حرق غاباتٍ وبلدان، وآلاف الهكتارات والضحايا؛ هذه المشاهد الخرابيّة التي تتزايد وتحتدم عاماً بعد آخر، لم يصل إليها الخيال الجحيمي لذلك الأديب. ولم يقترب منها مكتشف التحليل النفسي الحديث، وأمواج العقل الباطن الجارفة بالشبَق والنزوعات الجنسيّة الموجِّهة لسلوك الكائن. ولا أعتقد أن (باشلار) مؤلف الكتاب الرائع حول رمزيّة النار، قد اشار إلى هكذا واقعة أو استنتاج.

الوقائع اليوميّة لقيامة الخراب البشري والطبيعي، صارت تفوق شطح الخيال والمعرفة والنبوءات الخارقة لأولئك العباقرة الغابرين.

أقرأ عبارة (لاينشتاين) تقول، أن أمريكا انتقلت من البربريّة والهمجيّة الى الانحطاط، ولم تمر بمرحلة الحضارة!

ربما كان عالم النسبيّة الشهير، ينظر إلى انعدام البعد الأخلاقي والإنساني في مفهومه للحضارة.

ومتى كان هذا البعد- عدا المقدار والنسبة- في حضارات البشر السابقة، التي مضت في خطها الصاعد من الفأس الحجريّة حتى القنبلة الذرية وما بعدها.

* * *

تذكرت، أصصَ الزهور وطائر الكناري، اللذين وضعتهما، داليا، في البلكونة، قبل أن تسافر، وتسند إليّ، دور العناية والرعاية. لكني مع الأسف، نسيت الأمر لعدة أيام. فالبلكونة، لا وظيفة لها، في المكان، إلا كشرفة مهجورة، عكس ما هو عليه الحال في القاهرة والشام وبيروت.

خرجت إلى الشرفة، ووجدت الزهور قضت نحبها، وطائر الكناري ليس أحسن حالاً، فقد قضى من العطش والوحشة.

* * *

سُحبٌ في أنحاء متفرقة كأنها هدية هذا الصباح، الذي سيكون أجمل من سابقه بالتأكيد. سُحب من جهة الهند، أو أراضي فارس، بدأت تنتشر ببطء في عرين هذه السماء الغاضبة.

الفلاّحون في القرى، أكثر لهفة وانتظاراً، لما سيؤول إليه أمرها، لهفة المحاصر بالعطش والجفاف.

لو تكون كريمة ووفيّة لسلالاتها الممطرة عبر الأماكن والأزمنة. لو تجرف وديانها وجوائحها، كل هذا التراكم المدوّخ، كل هذه الجروح، جرّاء المحل والحروب التي تقصف أعماق هؤلاء البسطاء، حتى ولو كانت وقائعها في بلاد أخرى، البلاد التي ما فتئوا يردّدون اسمها، في ضوء الفراغ والعجز، كتميمة من تمائم تاريخهم البعيد..

لو تمطر هذه السحُب وتتركنا هذه الليلة، ننام في هدوء واطمئنان.

لو تجود ببعض كنوز كرمها، تهمي وتنهمر في هذا الشهر المبارك.

ثمة رغبة تراود الإفصاح والظهور، ثمة حنين إلى القاهرة وبيروت.

ســـيف الرحــبي

الهامش:

1 – تحوير لبيت مالك ابن الريب:

تذكرت من يبكي علي فلم أجد

سوى السيف والرمح الردينيّ

كل هذا الموت، كل هذه الحياة،

كل هذا الجاز

»إن أقمتَ في العالم فرّ منك كالحلم، وإن رحلتَ حدّد لك القدر المكان، لا الحرُّ ولا البردُّ يمكن التحكم فيهما، وكل ما يزدهر أمام عينيك سيشيخ على الفور ويذبل«.

(جوته)

الجزء الثاني

الجمعة وما قبلها من أيام:

السماء صحو كالعادة وصمت مطبق يلف الكون المحيط. أسدل الشال اليمنيَّ بألوانه الزاهية على شاشة التلفزيون. أدير زرّ الموسيقى. أجلس على الطاولة كمن ينتظر أمراً جللاً. وواقع الحال ليس كذلك. ربما الخوف من الكتابة. أو الاطلاع على تفاصيل الحياة المضجرة. حتى الحب والقراءة والبحر تبدو أحياناً أموراً مضجرة (أقول أحياناً لكي تستمر الحياة في نوع من السلاسة واليسر وبعيداً عن التهويل القيامي)، لكنها أفضل الممكنات في غابة هذه الإكراهات المحدقة و(المعولمة) حسب اللفظ المتداول في هذه المرحلة.

دائما تلك الازدواجيّة المرهقة؛ في الليل يدفعنا التعب الى محاولة النوم الكؤود. ليس بسبب نقص مادة (الميلاتونين) في الغدة الصنوبرية للدماغ، تلك التي دعاها ديكارت بمركز الروح وفنّد خطأه لاحقاً، وإنما لأسباب أخرى.. نمضي في المحاولة الشاقة كمن يصارع وحوشاً لا مرئيّة، ندحر هواجس الموت المحتشدة كي تلامس عيوننا إشراق صباح آخر. وحين نربح المعركة وإن في شكلها المؤقت، ويأتي الصباح المأمول، نشعر بالقرف وانعدام الغاية وغياب الاندفاعة الحيويّة اللازمة لاستمرار مسيرة الحياة الحقة.

أجلس أمامي كتب وأوراق، وفي الركن سلة الفواكه التي تتبدىّ غارقة في أحلامها ولم تستيقظ على هول العالم بعد. وأتساءل هل ستسقط في دائرة الهول والتوترّ إذا استخدمها فنان أو كاتب في عمله الفني وأعطاها دور البطولة الذي ربما سيضمن لها الخلود. هل ستستريح في واحة الخلود المشكوك في أصل وجوده، إذ تتحول عن طبيعتها الأصليّة، المألوفة في القضْم والابتلاع؟ أم من الأفضل لها أن تبقى في السلة حتى تتعفّن وتتلاشى؟

وتبعاً لهذه الخواطر، هل نحن البشر، لو شهدنا نوعاً من التحوّل الجذري، في الوسائل والغايات ومجمل العناصر التي ينبني عليها أسُّ وجودنا، وطرائق الحياة والموت، سنكون أقل ألماً، وربما أقرب إلى ضفاف سعادة ممكنة؟

مثل هذه الأسئلة ومشتقاتها، حتى لو لم تكن تعني شيئاً، فهي نوع من رياضة ذهنيّة. لعبة شطرنج مسلّية.

أرفع رأسي عن الورقة، أرى الشال ذا الألوان الأنيقة قد انزاح قليلاً عن جانب من الشاشة التلفزيونية، المغروزة في الأعماق الخشبيّة للمكتبة وقد استقّر عليها مالك الحزين وببغاء ملونة مع أصداف بَحريّة تنضحُ موسيقى وعذوبة، فبدأ المشهد بكامله في بهاء امرأة ريفية ترفع مئزرها في لحظة غرام.

* * *

ألتقي بحسين العبري، في مقهى (ستاربكس).. أخذنا طاولة تطل على باب المطعم المكسيكي، الذي ليس فيه من المكسيك إلا بعض التمائم الفلكلوريّة المعلّقة على الجدران، وطباخه العجوز المفرط السمنة، والذي كان جاري في العمارة السابقة، حين كنت أراه كل صباح، يزرع ويسقي حديقة الدور الأرضي بعناية وإبداع حملاني على كتابة قصيدة نُشرت في (الجندي الذي رأى الطائر في نومه).

حسين يتحدث عن كندا التي رجع منها حديثاً، وبصفته طبيباً نفسياً وروائياً، يحلل الأشياء والعالم من أفق المعرفة النفسيّة.

أردت أن أقترح عليه تحليل سيكولوجية الجبال ومحاولة استقصاء كهوفها ومخابئها المفْعَمة بالأسرار والمهابة الروحيّة. وبما يمكن أن نطلق عليه؛ علم نفس الأزل، علم جمال القسْوة، خاصة إذا عرفنا ان حسين ولد في (الحمراء) على سفح أعتى مركز جبلي في العالم.

مرة ذهبتُ إلى قمة جبل شمس، أعلى الذرى الجبليّة الحائمة هناك. وما هالني من هذه الشوامخ أكثر، هو ذلك (الصَدْع) الذي يشطر الجبل من القاعدة حتى القمّة، مخترقاً كذاكرة جرح حفرتها جحافل السنوات في أعماق جسده العملاق.

* * *

كان بعض قدماء اليمنييّن، أسلافنا، وهم الفرسان البواسل الذين بنوا الممالك والإمبراطوريات بحدِّ السيف- من فرط خوفهم الذي يصل حدّ الخشية والخشوع للجبال. كانوا يعبدون تلك الرواسي الشاهقة، ويستسقونها أوقات الجفاف. ويطلبون منها الرحمة والمساندة في أزمنة الحروب.

كانت الجبال بالنسبة لهم التجليِّ الإلهي الأكثر خطورة على الأرض، لذلك فهي جديرة بكل ذلك التمجيد والتقديس.

علماء الجيولوجيا يقولون أن ما خفي من الجبال في باطن الأرض أكثر مما ظهر.

كم هي متجذرة، صلْبة وضاربة في الأغوار النائية للكون، أمام سطحيّة الكائن البشريّ المدعي، في عبوره المزعج على الأرض.

هل يمكن تخيَلَ غضبها الجارف وهي ترقب منذ قرون ضوئيّة تلك المجزرة البشريّة المشينة عبر التاريخ، أن تزحف كما في الأساطير البابليّة، وعلى قمة من قممها زعيم الآلهة (مردوخ) ذو الأربعين وجه، المطلق القوة والبطش، يرغي ويزبد حاملاً فوق كتفيه الزلازل والطوفانات؟

هل سيكون هذا الزحف الجبلي العاتي، هو النهاية القياميّة الأكثر رأفة من فتك الأسلحة الذريّة؟

لكنّ الجبال ترقب المشهد البشريّ وتذرف الأيام، والدموع التي تسيل في الشِعاب والوديان سيولا رحيمة.

* * *

أشاهد مباراة لكرة القدم، بين من يصفه نقاد الرياضة بفريق الأحلام، وهذه التسمية هي التي شدتني للانحياز إليه (الحلم والخيال وإلا فالهلاك الحتمي) أكثر من شهرة نجومه وسطوتهم في عالم الكرة- وبين فريق برشلونة، غريمه التقليدي.

من الصفر تقريباً، استطعتُ أن أكوّن بعض ثقافة في عالم هذه اللعبة الممتعة، التي يُفرغ البشر فيها حمولة عنفهم في ساحة المعركة، من غير دماء وجثث إلا ما ندر. وهذا النادر يأتي كعلامة تذكير، بأن المزاج البشريّ المتجذر في جماليّة العدوان والشرّ، مادة الأدب الأثيرة، لابد أن يرتدّ الى طبيعته الحقيقية.

صارت لديَّ بعض ثقافة في هذا الاتجاه من كثرة ما أشاهد من مباريات في الفترة الأخيرة؛ أتذكر حين ذهبتُ ذات مرة لجلب الكرة التي ذهبتْ بعيداً خارج الملعب ولم أعد حتى هذه اللحظة التي أشاهد فيها مباراة الفريقين الاسبانييّن.

تركتُ الكرة واللاعبين ينتظرون خمسة وعشرين عاماً على الأقل، وهم ينتظرون. أو هكذا أتخيّلهم مسمّرين في ملعب نادي الجزيرة، كالتماثيل الشمعيّة. الأيادي ممتدة والكرة متجمدة في الهواء الراكد للمدينة الكبيرة.

روحهم الرياضيّة بهذا المعنى تشبه روح خوفو والهرم، صلبةً ومتماسكة أمام الأزمنة.

* * *

أمشي على الشاطئ، ألتقي بعجائز، يقود بعضهم الآخر، في حسرة وتهدّج كأنما يكتبون وصاياهم الأخيرة على الرمل.

وثمة فتاة في مطلع العمر، تمشي وحيدة. عزلتها البحريّة تكثِّف من جمال الجسد الحاسر البطن والسِّرة التي تشبه دنوّ نجمة تلثم زبدَ الموج.

فكرتُ، أن هذه السِّرة، آخر ما تبقى من أمل لإنقاذ العالم من هلاك أكيد.

أليس (ديستوفسكي) من قال: الجمال هو المنقذ الأخير للعالم؟

* * *

الطائر الذي يبزغ دائما بعد انبلاج فجر الصحراء، كانوا يسمونه في القرى الخصيبة، طائر (البابو). وحين يغني على فروع الأشجار الباسقة بعذوبة ومرح، يستبشرون بمقدم ضيف، يستبشرون بالقِرى.

الطائر نفسه يقطع الأزمان ويشدو بعد انبلاج فجر الصحراء. على فرع الشجرة اليتيمة أمام نافذتي، مبدداً وحشة الليل وقهر المدينة الكئيبة.

كل ليلة صرتُ أنتظر في رقة وتواضع، هديّة القدر الرحيمة.

* * *

طائر صغير يقفز بين الأغصان بخفة ورشاقة، يسمونه في البلدة التي أضحت مستحيلة، طائر (السنيسلو) كان غالباً ما يتسلَّق غدران الموز وعذوقه أكثر من عذوق النخيل العميقة، حتى كأنها موطنه الأساس وما تبقى أماكن مؤقتة، يخفت فيها زهو حياته ومرحه. لذلك يكون حضوره بين تلك العذوق والأوراق الخضر المتمايلة في النسيم، حضورا طاغياً على غيره من الطيور والحيوات.

وبصوته الأكبر من حجمه وسمارته التي تمنحه جمالاً خاصاً وصفات أخرى يخبئها الصوت والرشاقة.

على الشجرة نفسها التي كان (البابو) يصدح على غصن فجرها الاستوائي، يقفز بين الأغصان والجذوع، وأحياناً على أسلاك الكهرباء التي تخترق فضاء الشجرة، لكنه يعود مرتجفاً الى شجرته كمن شعر بأن تحت قدميه الصغيرتين شيئاً عدوانيّاً وغريباً على كينونته وطبيعته الأصليّتين.

* * *

»وإني وإن كنتُ الأخير زمانُه

لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل«

بيت يجري مجرى المثل لدى السذّج والدهماء. لكنه لا يليق بأعمى المعرّة وضوء بصيرتها الأوحد، ولا بمنزلته الفلسفيّة والشعريّة. إنه أقرب الى عسكري معتوه بطموحه الفج. أو بعدّاء ينزع الى تحطيم الأرقام القياسيّة. أو بملاكم.

المعري يسلبنا اللبّ ويستحوذ علينا حين يسكن متْنَه، بيت سلالته المتورطة في عرين الحكمة المرّة، وفي بؤرة الخطر الحقيقيّة كما في هذا البيت »الجاهلي«:.

»ما أطيبَ العيش لو أن الفتى حجرٌ

تنبو الحوادث عنه وهو ملموم«

* * *

اليمام يهذي، يكاكئ، يبدع الإيقاع بنغم أحشائه التي تسيل مع الظهيرة في البحر.

اليمام صديق طفولتنا لم يعد يجفل من الفخاخ ونشاشيب الصيد. صار أليفاً، تستطيع لمس ريشه النديِّ. صار أقل إحساساً بالغدر والافتراس. ربما لأن ليس هناك من طفولة شقيّة صاخبةً في هذه البطاح.

* * *

قادماً من زيارة لبعض الاخوة في منطقة (الحيْل) يبدو أن لا زيارة قريبة (لسرور)، رغم أطياف العواطف الموغلة في القِدم، التي تلاحقني باستمرار. (سرور) التي قبرتُها في قلبي مثلما قبرتْ في أحشائها أبي وأمي، ومن قبلُ ومن بعدُ، ربما رأفةً بهم من معايشة انحطاط هذا العالم.

أتذكر حين زرتها (سرور) منذ عام، وكانت الوالدة، ما تزال على قيد الحياة الصعب. بنظرها الضعيف تتحرك وسط حفيف أشجار النخيل والموز التي يوشك المحل أن يسحقها بالكامل؛ وأزيز حشرات الجدران المتهاوية للمنزل القديم وكأنما أزيز الأزمنة المتراكمة.

كان الصِبية، أحفادها، غارقين في الفوضى والصراخ…

وأولئك العابرون من غير أمل، بملابسهم الرثّة ووجوههم الغائرة كأنما تفصلهم عن بلاد النفط مسافات ضوئية، كأنما قدموا من كوكب آخر.

هناك في (الحيل) وجدت في باحة الدار، بعض الأطفال يقودهم عمر بن سليمان، ذلك الطفل الذي يتقدم عمره ذكاءَ وخيالاً. أول ما وصلت واستقبلني على باب السيارة، قال، انه لا يريد مني (فلوساً) هذا اليوم، وإنما يود اصطحابي لمشاهدة أعشاش العصافير واليمام في باحة الدار الخلفيّة التي تطل على وادٍ سحيق جاف. باحة الدار كانت مدروزة بالنخيل وأشجار أخرى متفرقة، تغالب مقدم الصيف الحارق.

نظرت إلى أعلى، فرأيت عشَّ عصافير يتدّلى قريباً، ويمكن لمسه عبر رافعة صغيرة.

كان العش الصغير المنسوج بإتقان مدهش في بساطته الجماليّة، وحبكته التي لا تستطيعها عقلانيّة المصانع الحديثة، يدخر في حناياه كل دفء وحنان العالم.. ترى الصيصان داخله، تفتح عيونها، التي ما زالت ترى النور لتوّها، وتغمضها في هدوء وسلام كأنهما الأبديّة.. الأبديّة تتثاءب في عشِّ عصافير.

صار عُمر، يخبط الرافعة تحت قدميّ، محذراً من لمس العصافير الصغيرة بسوء. هو الذي لا يتوانى في وقت آخر من بعثرتها وسحقها (بنشّاب) صنعه بنفسه مثلما كنا نفعل في الأزمنة الماضية.

سألته عن المدرسة التي لا يعيرها أهميّة، تتناسب مع فطنته المبكرة، فردّ بعدم اهتمام، ان علاماته هذا العام جيدة. لكنه لو نجح وتفوق فهل يجد عملاً مثلما عليه الحال لدى بعض اخوته وأبناء عمومته؟

كان عمر في بعض الأوقات يفقد مرحه وحيويّته المنفلتة من أي قيد كأنما صاعق يُخمد تلك الجذوة الصغيرة المتّقدة في أعماقه، يحصل ذلك ليس لأسباب معنويّة، وإنما لتعرضه لنوبات من الصَرَع الخفيف التي تذهب به الى ما يشبه الغيبوبة والهمود.

ربما ورث ذلك من أبيه الذي تراوده نوبات صَرَع عنيفة، يظلّ يرتجف كمن صُعق بماس كهربائي، أو أصيب بطَلْق ناري مفاجئ وغادر؛ فيغرق البيت كله في جو جنائزي مخيف.

حين رجعتُ (أواخر الثمانينيات) بعد انقطاع طويل، نزلت في بيته بمنطقة (وادي عدي) تلك الحفرة الغائصة بين براثن الجبال.

شاهدتُه يسقط صريعاً والزبدُ يتدفّق من أطراف فمه. وتخيلتُ بنات آوى ينفجرن نائحات في كهوف الجبال المحيطة ليكون المشهد على ذلك النحو من القتامة والرهبة.

استعدت، ليس ما قرأته في الأدب حول نوبات الصَرَع، وإنما ذلك الحدث، حين كنتُ في سرور، في أحد الأصياف البعيدة، رأيت في عزّ الظهيرة رجلاً يتداعى ساقطاً في مياه الفلج الغزيرة. ويظل يرفس، كالمذبوح في دوامة المياه.

* * *

حين رجعت من (الحيل) اتصلت بيحيى المنذري بغية أن أراه في هذا اليوم. قال: أين أنت الآن؟ أجبتُه، قريباً من (وقبة الصاروج) فانفجر ضاحكاً هو الذي لا تخرج منه الضحكة إلا غِلاباً.. وهكذا انتهيت، إلا أنني، قلت، لا شعورياَ (وقبة) شيشة البنزين!!

الوقبة ، ذلك المفصل البارز في مسار الأفلاج، التي يستقي منها البشر والحيوانات، وهذه تستقي منها السيّارات التي صنعها البشر والعربات. ليواصل الإثنان حياتهما السريعة سرعة سقوط الوعي والمعلوم أمام سطوة اللاوعي والغيب، مهما بعدت المسافة وشطّت في الزمان والمكان.

يمكن لإنسان، أن يتخيّل، في صباحات المدن الكبرى بعد سهرة صاخبة، أن ساحات تلك المدن، مثل ساحة (الكونكورد) مثلاً أو ساحة (الطرف الأغر)، (حلقة) أو هبطة كبيرة، من تلك التي تنعقد في مناسبات الأعياد. وأن الثيران السمينة الهائجة والأبقار والحمير والأغنام والدلاّلين الذين يحتقن بأصواتهم الفضاء، هي نفسها العناصر والأصوات التي تؤثث تلك الأمكنة.

هكذا، بخفة تسري في الضلوع، بضربة »اللاوعي« الرابضة في الخفاء، ينقلب المشهد على نحو فنطازي دال أيّما دلالة على ترسب الانسان الأول وتحجّره في الأعماق الدفينة للكائن، وهو يعاود الظهور والانتصار على إنسان الحداثة والتكنولوجيا الذي صنعته وسوّقته الأزمنة اللاحقة.

* * *

ذهب انتونان آرتو، الى المكسيك بحثاً عن فكرة جديدة للإنسان.

وهناك وسط حطام الأساطير وعنف الآلهة الدمويّة والفراغ.

وسط الركام الآخذ في التصاعد لنفايات الثقافة الغربيّة التي هرب من براثن رؤاها وقيمها الشاعر، أسوة بأسلافه الهاربين، نحو الشرق، موطن الحكمة والإشراق.

رجع آرتو من رحلته تلك بفكرة جديدة عن خراب الإنسان.

الجزء الثالث: بيروت

السبت:

كل مدينة أكون على وشك الرحيل نحوها، تسبقني إليها الأحلام، أحلام كثيفة أعيش أحداثها، ووقائعها طوال الليل. وكالعادة تبدأ بداية طيبة تقترب من نشوة السعادة، لكنها في مسارها المتموج هذا، لا تلبث أن ترتدّ الى نهايات كابوسيّة مفزعة.

هكذا، أستجيب لنازع الحنين وهاتف الحياة، فأسافر الى بيروت، وبعدها القاهرة، ككل عام في مثل هذا الوقت.. كانت أعياد الميلاد على الأبواب، وليس ثمة التزامات ذات طابع عملي. السياحة الحرّة ورؤية من أحب.. ليس هناك ندوة أو مؤتمر، نذهب اليهما، غالباً بغية لقاء أصدقاء بعينهم، لكن ثمة أوضاع ولقاءات تنفرض كضريبة لابد من دفعها في مثل هذه المناسبات حين تكون في أسفار حرّة وانتقائية، تقل احتمالات دفع مثل هذه الأكلاف الاجتماعيّة، القسْريّة، وتكون أقرب الى نفسك والى من تود وتهوى من البشر والأماكن، كالتمشي في الصباح الباكر والضباب يلف المدينة والجبال الخضراء المتلألئة بالثلج والنحيب- على كورنيش المنارة. تتأمل بيروت، وأياماً، مجرد تذكرها العابر، سيوقظها من رقدة نسيان قاس، نضِرة وجميلة من جديد. وتلك الصخرة الجاثمة وسط أمواج المتوسط، التي تُدعى بصخرة العشّاق الذين يعصف بهم الوَجدْ الى قذف أجسادهم من علوّها في قفزة انتحاريّة تشبه القبلة الأخيرة. لقد نبت العشب على حوافها من دموعهم الحرى وأحلامهم المجهضة..

وتتبدى تلك الصخرة الجاثمة في المتوسط كشظيّة انفصَلْت منذ دهور عن جبل (الفحْل) بعُمان وترحّلت عبر البحار حتى استقر بها المقام في لبنان.

في الطائرة العُمانية التي حلّقت من مطار السيب الدولي، باتجاه بيروت مباشرة كنت أقرأ في كتاب (اوريليا) لجيراردي نرفال، الذي يعود إلى العصر الرومانسي في القرن التاسع عشر. نرفال الاشراقي المغامر الذي احتفى به السورياليون واعتبروه واحداً من أسلافهم، سافر اثر أزمة روحيّة حياتيّة، كادت أن تودي به الى غياهب الهلاك في سنّ مبكرة، الى الشرق، القاهرة، الشام، بيروت.

كنت أقرأ في هذا الكتاب، القصيدة السرديّة المفْعَمة بالنضارة والاحلام والمشاهدات الواقعيّة والحلميّة والمتخيّلة، حتى أصل الى الفصل الخامس الذي يأتي على مدينة من مدنه الخياليّة والواقعيّة، الكثيرة.. وتعلّق المترجمة التي نقلت الكتاب بلغة عربيّة متألقة (ماري طوق)، إلى أن هذه المدينة ربما تكون مدينة بيروت.

»أصعدني مرشدي في طرقات متعرجة تضج بأصوات المصانع. ثم ارتقينا سلاسل طويلة من الأدراج انقشعت عند نهايتها الرؤية: هنا وهناك سطوح مكسوّة بالعرائش، وجنبات منسوقة في اراض مسطحة، وسقوف مصنوعة برشاقة وبجلّد نَزَويّ، ومشاهد تصل أذيالاً من الخضرة المعرشّة تسحر العين وتروق للنفس وكأنما واحة نضرة، أو معتكف منسي يعلو ضجّة الأسفل وصخبه لم يعد هنا سوى وشوشة باهتة.

يحكى في الغالب عن شعوب منعزلة تعيش في ظل المقابر الكبيرة والسراديب. هنا، كان العكس تماما هو الصحيح. إن شعباً مباركاً خلق لنفسه عزلة تتعشقها العصافير والأزاهير والانسام النقيّة والأضواء.

قال لي مرشدي: »هؤلاء هم السكان الأصليون لهذا الجبل المشرف على المدينة، لقد عاشوا طويلاً وفق عادات بسيطة تسودها المحبّة ويظللّها العدل، وحافظوا على الفضائل الطبيعيّة الأوليّة للعالم. كانت الشعوب المجاورة لهم تحسدهم وتحذو حذوهم«.

قلت في نفسي وأنا مغمور بالمياه الزرقاء الشاسعة لهذا الكتاب الفريد على صغر حجمه، اذا كانت بيروت أو لبنان، في ذلك الزمن الغابر، هكذا، فإلى أين وصلت الآن؟ أين تقدّمها، الذي كان في جوهره سطحيّا وقِشريا على غرار مدن الشرق قاطبة؟ لكن بيروت ظلّت معين حياة وأدب ولم تفقد رغبتها العارمة في التميّز والاختلاف والبهجة حتى في ذروة الفاجعة، التي ربما كانت تلك الرغبة وذلك الاندفاع في مناخٍ يذهب عكسها تماما، من الأسباب التي أدت الى ما آلت إليه الأمور من قتامة.

* * *

في الطائرة التقيتُ برجل أعمال خليجي، معرفتي به تعود الى أيام الدراسة حين كان طالباً فقيراً ومن عائلة متواضعة، فتسّلق مناصب كثيرة وأصبح مليونيراً.. لم يذكر فترة الدراسة بكلمة واحدة، وأخذ يحدّثني عن الفضائل والاخلاق المفْتَقدة، واحتمالات الانهيار الاقتصادي الذي سنتحول على أثره الى شعب شحّاتين وفقراء مع تعذر الرجوع الى مهن الآباء والأجداد..

وهو طبعا حاول الاصلاح ودقَّ ناقوس الخطر الداهم، لكن لا فائدة. في الفترة الأخيرة كثرتْ نبرة الشكوى والانتقاد من قبل الكثير من أصحاب النفوذ والمال بكافة مستوياتهم، فتراهم يتحدثون كأنما عن وضع ميتافيزيقي وليس واقعاً هم مسؤولون أساسيّون فيه!

ذهب رجل الأعمال الماسك بجمر الاستقامة، ووصلت الطائرة فوق أجواء بلاد الشام، ورَجعتُ الى نفسي ومشاعري مفّتشاً فيها عن ما ينبض ويحتدم تجاه الأماكن التي تسوقني إليها دائما عصا الحنين والوَجْد، فلم أجدْ شيئا ذا بال، وتساءلتُ، لماذا يعترينا أحياناً ذلك الجمود في العواطف والأحاسيس، وتمنيتُ أن لا يدوم أو يتفاقم كلما تقدّم بنا العمر.

الطائرة فوق بلاد الشام وتشرف على بيروت، هل ما زالوا هناك، في (اللاتيرنا) ومطعم الريّس، يشربون بصخبٍ عالٍ وأحلام كبيرة؟ هل ما زالت فيحاء الناظر تذهب كل صباح الى مكان عملها في الغوطة، ومن ثمّ نلتقي عند حسّان عزّت وفاتن (قبل مجيئ إيفا) في تلك الواحات المتدفقّة الخضرة والمياه؟

أثناء الرحلة لم تهاجمني هواجس الموت ولم تستحوذ عليّ رؤاه التي تلازمني باستمرار مثلما يلازم ظلُّ الصياد الطريدة، لكن في المقابل ليس هناك ما يدل على اندفاع نحو حياة أكثر بهجةَ وإثارة.

* * *

وصلتُ بيروت الساعة الواحدة ظهراً، كان الجو صحواً يميل الى البرودة.. سائق التاكسي، كالعادة لابد أن يتطرق الى السياسة، العراق، فلسطين، أمريكا… الخ، لكن بهدوء المجرّب الواعي، معظم اللبنانيين اكتوى بالنار نفسها، أطول حرب تفجرّت في الشرق، كانت فوق أرضهم على ضيق حجمها الجغرافي. ونحن نقطع طريق المطار، الحمراء، أتطلّع الى المدينة الرياضيّة التي دمرّها الطيران الاسرائيلي إبان الاجتياح وأعيد بناؤها في عهد الحريري. آنذاك كنت في دمشق وعلى ترداد دائم الى بيروت. خلف المدينة الرياضية على مقربة يقع حي الفاكهاني أحد المعاقل الأساسيّة للمقاومة الفلسطينيّة، أو دولة الفاكهاني كما كان يدعى، أتذكر حين رأيت صدفة (هاني) الذي كان زميلاً لي ولخالد درويش في صوفيا وفي صوفيا أيضا، كان عز الدين المناصرة وجواد الأسدي في الفترة نفسها وتهامة الجندي- محمد العلي الفلسطيني، وليس السعودي، بعد أكثر من عشرين سنة، كنت في ندوة بالشارقة أقامتها جريدة الخليج، كنت أجلس على طاولة عليها تريم عمران وليلى العثمان وإذا بشخص بدا أنني لم ألتق به في حياتي، قال: أريدك قليلاً، جلسنا على الطاولة المجاورة قال هل تعرفني؟! تفرست أكثر في وجهه، فلم أستطع الوصول إلى أي عون من الذاكرة..

قال أنا محمد العلي، الذي كان اسمي (وليم) في صوفيا/ في أحد أزقة الفاكهاني، تواعدنا على العشاء في مطعم الشموع باحدى عمائر الحي. جاء هاني مع صديقة لبنانية سهرنا وتعشينا وكل ذهب الى مكان نومه. صباحاً عرفنا ان المطعم قد فُجّر في الليلة نفسها وتحول الى رماد.

حياة الخطر والمغامرة جميلة، خاصة حين لا تودي بحياتك وتنجو من احتمالها القاتل ليموت آخرون.

في صدفةِ تأجيل الموت جمالٌ لا يضاهى، وربما تعطيك فرصة الحلم بحياة أخرى، لكنك تعود الى نفس النقطة الملتهبة، لتبحث عن مغامرة أخرى وبشكل آخر..

أصل الى فندق (ماي فلاور)، الذي تعودت النزول فيه. يتم الحجز دائما عبر بول شاؤول الذي يسكن قريباً من الفندق، فوق سطح بناية تشرف على البحر من بعيد والتي كانت هدفا سهلاً لقذائف وطلقات طائشة ايام الحرب، مرة – يخبرني بول- كيف تبعثرت المكتبة، وتطايرت كتبها مذعورةَ وممزقّة، ولا مجال للرجوع الى المخيلة التي تحدّرت منها، في فضاء الغرفة، وبقي بعضها معلقاً، ينزف كطيور تتدلى أجنحتها ورؤوسها، حتى تأتي اليد العاشقة لتضمّد الجراحَ وتعيد ترتيبها من جديد.

أستريح قليلاً من رحلة ليست شاقة، وأمضي من شارع (جان دارك) نحو شارع الحمراء، مضى زمن لم أجيء الى بيروت، ربما أربع سنوات، أتطلع من بعيد الى واجهات المحال والمقاهي خاصة، أصل الى مقهى (الويمبي) (كافيه دي باري) (المودكا) التي أغلقت وتحولت الى محل لبيع الملابس، وهناك مقهى قد استُحدث قريبا (ستاربكس).

بداية وصولي الى نزلة (السارولا) أسمع من يناديني، ألتفت، اذا بخالد عبدالله شاعر من أصل فلسطيني على ما يبدو وهو قريب العهد في بيروت أتصل من تليفونه النقال بعناية جابر الهاربة من كلوشار باريس والعائدة للتو إلى البيت العائلي الدافئ.. جلسنا في مقهى الويمبي، سألت الجرسون عن بول وكاتيا سرور، قال أن بول لم يعد يأت، لقد غيّر المقهى، وكاتيا تأتي في الصباح. بعد قليل جاء حسين بن حمزة ونديم جرجورة جلسنا، ثم ذهبت الى الفندق.. ليلة هادئة من غير سهر ولا دمار رأس في الصباح.

* * *

صباحاً أفتح النافذة التي تطل على عمارات أخرى، لكن ثمة فسحة يمكنك من خلالها أن ترى السماء المليئة بالسحُب، التي كانت تمطر طوال الليل، وهذا في حد ذاته طالع سعْد بالنسبة لي، وأن تشمّ رائحة البحر. في العمارة المقابلة المفتوحة النوافذ، ثمة فتيات بلباس عاملات المنازل، يمسحن وينظفن، ويبدو بوضوح أنهنّ من الهند وآسيا. صار بين اللبنانييّن والخليجييّن، وحدة هوية، بالنسبة للشغالات، ستلتحق بهم شعوب عربيّة أخرى وربما التحقتْ، هذه خطوة طيّبة باتجاه الوحدة الكبرى، تختلف عن ما حلم به انطون سعادة حول وحدة الهلال الخصيب او جمال عبدالناصر. لنبدأ بالخطوات التدريجيّة بعد أن فشل طموح القفزات الوهمي.

آخذ حماماً دافئا وانزل الدور الأرضي لتناول الشاي والفطار.

* * *

الأربعاء:

أذهب نحو البحر، وهذا ما سأفعله بشكل، شبه يومي، نازلاً ناحية شارع (بلَسْ) ومنه أنحدر، نحو كورنيش المنارة. أبدأ المشي والتنزه من الحمّام العسكري، حتى آخره، فندق الفاندوم، ثمة قوارب صيد في بعض جنبات الساحل المليء بالحجارة وكواسر الأمواج، خاصة ناحية محل (سمكة أبومنير) الذي يبدو أنه لم تأخذه »الحداثة« بعد.

صيادون هواة بصناراتهم يقضون أوقاتاً مسليّة، الكورنيش يضج بحركة المتنزّهين، وممارسي الرياضة حتى في الأمطار والعواصف. كانت هذه الفترة بداية الفيضان والثلوج حيث ارتفعت في (بشرّي) بلدة جبران خليل وهدى بركات الى 700 متر فوق الأرض الجبليّة مما عرقل خطوط المواصلات وسيرها.

عليَّ أن أتسلق سلالم ومنحدرات كي أعود الى الفندق وأحاول الاتصال ببعض الأصدقاء. أفكر في أعياد الميلاد والأمطار التي تغمر لبنان. سيكون الجميع مشغولاً بالتزامات عائليّة والحركة ليست سريعة في مثل هذا الطقس. أتصل بعبده وازن اتفق معه أن نلتقي لاحقاً..

وتذكرت أن عبده، قد انفصل عن موكب العزوبيّة وتزوج أخيراً، ربما كان يفكر في أطفال يجمّلون وجه العالم مثل شعره وكتابته التي تحاول التخفيف من وقائع الحياة المأساوية… أمضي عبر شارع الحمراء المليء بالحفريات التي تشبه جراحات النفس اللبنانية المحافظة على تماسكها وبريق مظهرها حتى في عزّ الخراب، اشتري صحف الصباح، الصحافة اللبنانيّة ظلت، بين الصحف العربيّة الأكثر تميزاً في شكلها ومحتواها.

في هذه المنطقة وفي هذا الشارع مرّ ذات يوم غسان كنفاني وربما في مثل هذه الساعة كان مريضاً بالربو وحزيناً رغم زهو الثورة الفلسطينيّة في تلك المرحلة. أصل (كافيه دوباري) حيث أجد كالعادة جودت فخر الدين وعصام العبدالله ورشيد الضعيف، أجلس معهم حتى وقت الغداء.. الجلسة مع الأصدقاء اللبنانيين من المشارب والأطياف المختلفة لا تمل والحديث المتشعب دائما يمزج الطرافة والمرح بالجديّة المعرفيّة. حتى الأفراد الذين لا ينتمون الى مجتمع الأدب والثقافة لن تجد عائقاً في الاستمتاع بالتحدّث معهم ومخالطتهم، من بائع الصحف والشورمة والنجّار حتى شوفير التاكسي. شعب على نحو من انفتاح تاريخي ومدنيّة بيّنة.

أسأل جودت عن تليفون محمد علي شمس الدين لأراه وأطمئن على صحته. محمد ليس من رواد المقاهي. فلم أره ذات يوم جالساً على المقهى ، ربما يختار مقاهٍ جانبيّة بعيدة عن الصخب الجماعي. أعرج على مقهى الويمبي، حيث يجلس أكثر من أعرف. وهناك أتناول وجبة الغداء، الطبق اليومي الفاخر اللذيذ.

* * *

مساء ألتقي مع اسكندر حبش ورشا عمران القادمة من طرطوس، نذهب الى مطعم شعبي نظيف في (كركاس) مطعم أبوحسن. القريب، مرّت فترة طويلة لم أر اسكندر لقد أقام في أكثر من بلد أوروبي، وينوي الرحيل من جديد.

رشا لأول مرة ألتقي بها، قبل أشهر دعتني الى مهرجانهم (السنديان) في الساحل السوري، لكني لم أتمكن من تلبية الدعوة، مع أصدقاء آخرين مثل قاسم حداد الذي تعود معرفتي به الى أواسط السبعينيات في مقر طلاّبي بميدان المساحة بالدقي حين كانت طفول تُحمل على الاكتاف.. الآن أصبحت أمّا. طفول الصغيرة طاهية البطاطا البارعة أصبحت أمّا وقاسم أصبح جدّا. لقد كبرنا. كل شيء يذكرنا بعبور الزمن ونفاد العمر، ولا محطة يرتاح معها هذا القلب الواجف.

اسكندر دائم الاحتفاء و(التبّسط) في مثل هذه الجلسات الحميمية. ووجدنا في المطعم رضوان الأمين أمام كأسه الشفاف المترع. فجأة أتذكر بول شاوول، فأقول لاسكندر، علينا أن نتصل ببول، فحتى الآن لم نره ونحن نقطن منطقة نفوذه. اتصلنا به كان جالساً في مقهى (الجوندول) بالمزرعة، قلت له أن يأتي إلينا في المطعم الذي نجلس فيه، قال: هل بيروت عِدْمتْ، فيها المطاعم حتى أذهب الى مطعم أبوحسن، إما أن تأتوا أو نلتقي غداً.

قلت لرشا واسكندر، ربما الحنين الى الماضي اليساري الطلابي دفع ببول، الى تغيير مقاهي الحمراء، الى الجنوول البعيد نسبياً، خاصة بالنسبة لشخص مثله لا يغادر مقاهي المنطقة إلا في الضرورات القصوى. حتى أني مرة، أردت أن نلتقي في مقهى (سيتي كافيه) القريب، فردّ (شوبدّك أشوف عالم يستعرض سبابيط وساعات).

نكمل عشاءنا وننتقل الى مطعم آخر يجلس فيه لقمان سليم كي نواصل السهرة على الطريقة اللبنانية.

* * *

يأتي الى الفندق عباس بيضون وأحمد بزّون، عباس بميله الى الدعابة لا يستطيع أن يخفي قلقه العميق وعضَّه على الكلمات والحروف كأنما يريد أن يأكل اللغة كي لا تقف عائقا امام التعبير الحر. نجلس في (الدوق) بالدور الأرضي من فندق (ماي فلاور) ، المكان نصف معتم، على النمط الانجليزي التقليدي، أتذكر حين دخلته ذات مرة أثناء الحرب مع حسن مدَن وآخرين، وقد كان في تلك الفترة من الأماكن الدافئة التي تشكل ملاذاَ للأصدقاء يلجأون اليه من الخارج المتفجر بأحقاده وحروبه.

لقد عرفت حسن بالمرحلة الطلابيّة في القاهرة، كنت أراه غالباً في اتحاد طلبة البحرين، بشارع السبكي في الدقي. الاتحاد الأكثر نشاطاً وجدلاً بين تجمعات الطلبة الأخرى.. كنا نخرج بعد انتهاء النقاشات الثقافية والسياسية وأحياناً الأدبية نحو ميدان الدقي، مارين بمقهى (انديانا) حتى كفتيريا معلم رضوان لنتناول العصائر والسندويشات.. وحيث بائع »العرق سوس« بنداءته المتوسلة الشجيّة بجانب بائع الصحف ومحل أسماك أبوإهاب..

في خضمّ تلك الأجواء المضطربة في عهد الرئيس أنور السادات، اعتقل حسن مدن مع طلبة آخرين بتهمة التعامل مع تنظيمات يساريّة مصريّة محضورة. اختفى حسن فترة في غياهب المعتقلات المصريّة، بعدها رأيته صدفة في المركز الثقافي السوفييتي وقد طالت ذقنه، وشحب وجهه سألته عن أحوال المعتقل والخروج. أجاب، أن عليه أن يغادر القاهرة في مدة أقصاها يومين وفق القرار الأمني، حيث غادر باتجاه الشام وبيروت.

وفي الفترة نفسها رُحّل غالب هلسا، على أثر سلسلة ندوات أقيمت في اتحاد طلبة فلسطين بوسط البلد، تحت شعار مناصرة المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وكان غالب المشرف على هذه التظاهرة.. أتذكر حين جاء عدد كثيف من عناصر المخابرات غصت بهم القاعة، وحين خرجنا وجدنا المبنى مطوقاً.. كان مساء، وفي الصباح التالي وصلنا خبر اعتقال وترحيل صاحب (الخماسين) من البلد الذي أحبه كما لم يحب بلداً آخر حتى مسقط رأسه في الأردن.

في سياق تلك الأيام أيضا كنت مع أصدقاء من (اليمن الجنوبيّة) بشارع سليمان جوهر حين اقتحمت عناصر مدنيّة من الأمن المصري المنزل، أتذكر كنت في الحمّام حين سمعت طرقاً قوياً يكاد يخلع الباب وبخطوات ثقيلة مستنفرة، خرجت فوجدت (العناصر) في أرجاء البيت والضابط الذي يقود الحملة يجلس على الكنبة، يحقق مع الموجودي.. فوراً تحول حديثه نحوي: ما الذي أتى بك الى هذه الأوكار المشبوهة وأنت على ما يبدو ما زلت طالباً وشعرك طويل زي الخنافس، ما تشوف مصلحتك أحسن.. وسألني أين أسكن؟ كنت بتلك الفترة في منشيّة البكري، وعرفت انهم سيداهمون المنزل المليء بالكتب والمطبوعات المحضورة من التداول.. كان الصيف القاهري الأقل اختناقاً من الآن، في ذروته ومعظم الطلبة يعودون إلى ديارهم، الا من لم تكن لهم ديار كالفلسطينيين أو الخائفين من العودة لأسباب بالغة الوضوح.

شهراً كاملاً لم اعد الى منزل المنشيّة، صرت أعيش في أكثر من منزل صديق فلسطيني بمنطقة الدقي.. أتذكر الكلمات الأخيرة لضابط المخابرات وهو يغادر منزل الجنوبييّن (الرئيس زي ما آل في خطبته امبارح عايز يحل مشكلة الشرق الأوسط على طريقته وبشكل عقلاني… ومش عايزين دوشه).

احمد الزين أخبرني انه كان من رواد الدوق اليومييّن. أحمد بعينيه المفتوحتين على مدارات الرعب كأنما خرج للحظة من صليل المجزرة. ثم يأتي بول شاوول، وتأخذ الأحاديث والحكايات اتجاهات متشعبة. نترك المكان لنتعشى في مطعم جديد يعرفه بول، قريباً من مطعم مرّوش، وبول يعاملنا دائما كضيوف، لأننا ما زلنا في محيط نفوذه السكني، ، هو الذي لا يملك غرفة نومه في سطح العمارة. لكنه يملك كرم الروح وانتشائها بالصداقة والعزلة.

* * *

اتصل بنضال الأشقر التي ما زالت عائدة من باريس، نتفق أن نلتقي في مسرح (مونو) بالأشرفية مع لينا حدشيتي التي تمر لتأخذني من الفندق. كان الجو محتدماً بالأمطار والرعود والعواصف، وهو جو بهجة ومرح بالنسبة لي عكس لينا. في الطريق الى الأشرفيّة نقف على شاطئ البحر قريباً من الرملة البيضاء، نتطلع في البحر الذي تضيئه البروق والعواصف، أقترح على لينا أن نتصل بأنسي الحاج، فهي كانت تعمل معه في جريدة النهار، ما زال أنسي معبأ بالمرارة والألم في الطريقة التي انفصل، أو فُصل فيها من هذه المؤسسة التي قضى فيها معظم حياته المهنيّة.. قبل ان نصل الى المسرح نجلس في مقهى بالأشرفيّة مع شاب درزي، لم يكن كاتباً، يعمل في المجال الهندسي، لكنه على صلة بقراءة الأدب وبالغ اللباقة والتهذيب اول قاسم مشترك بيننا كان ذلك الميل العاطفي الروحي، نحو كمال جنبلاط. قلت للينا، علينا أن نخرج من شرنقة العلاقات الأدبيّة التي أطّرنا أنفسنا فيها، فالحياة أكثر رحابة من تلك التصورات والعلاقات ونترك جانباً ذلك الخوف التقليدي، أو التعالي الزائف، على من هم خارج »جنّة« الثقافة والأدب المتوّهمة. أحيانا الجلسة مع صيّادي السمك أكثر متعة من المثقفين، او من صنفوا تحت هذه اليافطة، نخرج باتجاه مسرح مونو، في الشارع الذي يحمل نفس الاسم الذي يعزف زياد الرحباني في أحد محلاته الأنيقة، والذي كان على خطوط التماس مباشرة، وقد دمرته الحرب بالكامل، اصبح الآن واحداً من أجمل شوارع بيروت، وأكثرها حياة وألقاً، كأنما النزوع الجارف الى تجاوز مآسي الحرب، يشهد هنا واحداً من تجلياته الكثيرة.

في الصالة المليئة بالحضور، ننتظر نضال لندخل المسرحية (في هذه اللحظة يدخل حسن داود نتفق ان نلتقي في اليوم الثاني). التي كانت تستوحي أسطورة (ميديا). ترصد آثار الخراب النفسي في الشخوص والحيوات الذي خلّفته الحرب اللبنانيّة. فهذه الذاكرة المثخَنة بجراحها الأليمة لا ينبغي تجاوزها عبر افتعال نسيانها مثلما تفعل الفضائيات ورجال الأعمال، وإنما البحث في الأسباب والشروط التي أدت الى الكارثة، حتى يكون الخلاص حقيقيّا وصادقا، ويكون الفن شاهد الألم والانهيار. ينهي جاد الحاج المؤلف هذه الحكاية (الميديّة)، هذا المونولوج الكثيف، الدموي الذي تقوم بأدائه (دارين الجندي) بوعي ومقدرة. نهاية مختلفة عن الأصل، فامرأة الأسطورة تقتل أبناءها في نهاية الحكاية، جاد ينهيها بشكل آخر.

عند خروجنا من الصالة، ألتقي بجاد الحاج، الذي لم أره منذ سنين طويلة، هو الآخر عرفني على الفور، بدا لي قويّاً ويقظاً، لقد تغلب على المرض المعضل الذي ألمّ به وبسلوك لا تنقصه الارادة والتصميم على الحياة والكتابة.

نذهب الى مقهى (سيتي كافيه) بشارع السادات، لنتعشى، كان المقهى شبه فارغ، ألمح علي حرب في زاوية بعيدة يكتب.

بعد قليل يدخل أدونيس خارجاً من برنامج تلفزيوني (خليك بالبيت) مع زاهي وهبي، تكرَّس حول ما أثارته محاضرته بمسرح المدينة من هجاء قاس لمدينة بيروت، عرفت ذلك من خلال معدة البرنامج سوسن قبيسي التي دعتني الى التدخل في الحلقة عبر التليفون، أجبتها، أن لا دخل لي بمشاكلكم اللبنانيّة، أو اللبنانية السوريّة، كما يحب أن يصفها البعض. تكفيني مصائب الصحراء.

أدونيس مع فهميّة شرف الدين جلسا في طاولة أخرى، وقال انه راحل غداً الى باريس.

* * *

صحف الصباح تحمل عناوين بارزة عن سقوط الطائرة المأجورة التي تحمل لبنانييّن من أحد بلدان أفريقيا جاءوا لقضاء الأعياد، في بلادهم وبين أهلهم وذويهم.. بعد يومين تسقط الطائرة المصرية، التي كان معظم ركابها من الفرنسيين في البحر الأحمر.

المقاومة العراقيّة تسقط هليوكوبتر فيها تسعة جنود أمريكيين وتصيب طائرة شحن أخرى، وتقصف قاعدة لوجستيّة، تجرح ثلاثة وثلاثين جندياً أمريكياً حسب المتحدث الأمريكي.

أذهب الى موعدي مع الدكتور حسين منصور الذي تقع عيادته قريباً من الجامعة الأمريكيّة التي يدرّس فيها، وأنا أهم بفتح مظلّة المطر، أرى حسين قادماً ومعه رزمة أوراق الفحوصات الطبيّة، نجلس مقابل (الرسبشن) فجأة يدخل شربل داغر مبللاً بأمطار عيد الميلاد، قال: أن جنان الخليل أخبرتني أنك في البلاد، ألاحظ أن شربل وحسين ينظر كل منهما الى الآخر بتركيز، كأنما يستعيدان شيئاً أخذ النسيان طريقه الى محوه، فجأة يتعانقان، كانا صديقين، وربما في اطار حزبي واحد، يوم كانت هناك أحزاب وأياد تمتد نحو المستقبل لقطف زهرته اليانعة.

* * *

أصحو مبكرّاً، فحين لا تكون هناك سهرة ثقيلة، يمكن الصحيان باكرا وانجاز ما يمكن إنجازه بهدوء قبل انفجار الحركة، وهذا ما اعتدته على صعيد الكتابة. أنظر في دفتر التليفونات، أخذني التحديق في الصفحات كمن يبحث عن رقم ما… ألاحظ هكذا عفو الخاطر أن الكثير من العناوين والأرقام من مناطق مختلفة من العالم قد انتقل أصحابها الى الدار الآخرة. أخذني الذهول لم ألاحظ ذلك على هذا النحو، الحياة تأخذنا والموت ينجز مهامه الضارية هل يمكن الاتصال بهؤلاء الراحلين؟ هل يمكن الاتصال بموتى؟!، هل يوجد تليفون سريّ أو أي وسيلة أخرى لمعرفة أخبار أولئك الذين كانوا بيننا وذهبوا من غير عودة ولا تلويحة وداع؟

* * *

الخميس:

بعد الفطار، أذهب الى ساحة النجمة، السلودير، شارع المعارض، المنطقة الجديدة التي اختطفت أضواء الحمراء وأصبحت مركز المدينة.. قبل أن أجلس في مقهى الساحة أمام الكنيسة، أخذت أتجوّل في شوارع وأزقة هذه المنطقة الجميلة، التي تشبه جزءاً من الحي اللاتيني بباريس، وأصحاب الحس السياحي العرب، طالما تحدثوا عن بيروت، كباريس مصغرّة، أو باريس الشرق وهذه الباريس مقبولة لديهم ومُستَوعبَة في العائلة العربيّة طالما لا تتجاوز حدودها السياحيّة والترفيهيّة. وحين ذهبتْ نحو الأبعد والأعمق، على نحو ما ذهبتْ إليه باريس الأوروبيّة في التاريخ، أو شيء في هذا السياق، فقدوا توازنهم وأبدعوا الكارثة.

المهم أنني وأنا أتجول في هذه المنطقة لم أشعر بتلك الغربة الساحقة التي تحدث عنها بعض الأصدقاء، صحيح أن الحمراء، هي التي »تشبهنا« وكونها جزءاً من الذاكرة الثقافية اللبنانيّة والعربيّة، وحتى هذا الشبه آخذاً طريقه للزوال أمام اكتساح رأس المال الطفيليّ، المتوحش، والمعادي لكل قيم الثقافة والجمال والمعرفة.

الغربة الساحقة هي علامة العالم »الجديد« الذي ينبني في لهب هذه المجزرة الكونيّة (العربيّة خاصة) الذي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً.

أدخل المقهى، ألتقي صدفة بجوزيف سماحة، أجلس في طاولة عليها شوقي بزيع وصباح زوين وآخرون.

حين رجعتُ في سيارة صباح، كان يوم أحد، والحركة في شارع الحمراء شبه معدومة، المقاهي فارغة، رأيت نزيه خاطر يتجوّل وحيداً في هذا الفضاء الموحش.. قلت لصباح – المشدودة الجسد والأعصاب كقوس على وشك الانطلاق-: الوحدة والشيخوخة مسألة مرعبة.. قالت (كله مثل بعضه).

* * *

بعد رجوعي من المشي في كورنيش المنارة الذي اعتدته وحيداً كل صباح، عدا مرتين، مرة مع غادا فؤاد السمّان، (الصغيرة وليست الكبيرة منعاً للالتباس) وأخرى مع اسماعيل الفقيه، الذي اصطحبني حتى فندق الفاندوم ليعمل مقابلة هناك مع ممثلة سينمائيّة، اسماعيل قال لي أن ممارسة مهنة الصحافة في الوسط الأدبي والثقافي شيء مرهق للأعصاب، وعالم الأزياء والممثلات بكل تفاهته، يجعلك تعيش طعما آخر للحياة.

نصعد الجبل في سيارة جنان، أبوعلي السائق الجنوبي الذي اشتغل في الماضي سائق شاحنة بين دول الخليج ، يفهم في السياسة أكثر من السياسييّن، وهو في غمرة احتدامه، يصدم سيارة واقفة أمام منزل أصحابها.. ما بقي محفورا في ذاكرتي هو ذلك الاستقبال الرحب والانساني الآسر الذي استقبل به صاحب السيارة المسيحي الحدث، ودعانا للدخول الى منزله ريثما يعيد أبوعلي تضبيط السيارة.

لكن السيارة لم تتضبّط، ظلت هكذا منفعلة ومشتعلة مثل اشتعال أبوعلي على الوضع العربي.

أخذنا تاكسي لنواصل الرحلة إلى، عالية، بحمدون، المطاعم والأماكن العامة خالية من الحركة، تنتظر الليل لتواصل سهرة الأعياد.

وجدنا مطعم الاستراحة، هو الوحيد، مفتوحاً في المنطقة بأكملها، صور المطربين والمطربات تغطي واجهته، جلسنا على الجهة التي تطل، في مشهد شاسع يحتضن الهضبة وبيروت. ومن ذلك العلوّ الرجراج، أردت أن أسترخي وأسرّح النظر إلى آخره، لكن شيئا من الدوار اعتراني ورغم أن هذا يعاودني بين الفترة والأخرى، خاصة في الأماكن المرتفعة، إلا أنني فسّرته بالدوار الذي يبعثه مشهد الجمال حين يكون بمثل هذا البهاء والروعة.

* * *

الأحد:

في المقهى المواجه لصخرة الروشة مباشرة، الصخرة التي يقفز منها العشاق، لمعانقة حبهم المستحيل على الأرض، ويتحققّ في قعر الهاوية البحريّة، نجلس متقابلين في الركن المكشوف أمام سماء هادئة. أنظر الى نجمة وحيدة في الأفق ظننتها نجمة المساء أو الزهرة، لكنها، قالتْ انها المريخ الكوكب الأحمر الذي بدأ العلماء في هتك أسراره وخوافيه. كانت تقلّب عينيها الجميلتين في حقول المغيب، غارقةً في كنزتها القطنية السوداء والصمت وغسق شمس غاربة.

تقول أشعر بالبرد، وتكاد ترتجف ربما من برد داخلي متراكم. فالطقس ليس بارداً. الصيف على الأبواب وهذا نسيمه الرسولي الذي يفترض ان يلّطف وحشة الروح.

قبل يومين كنا نجلس في مطعم عبدالوهاب الانجليزي بالأشرفيّة الذي لم نستطع التوصل الى سر تلقيبه (بالانجليزي) رغم النبذة التي تفصح عن شيء من حياته التي تنتهي بالشنق.. قالت للجرسون، احذفوا كلمة الشنق، فالزبون لا يستطيع الأكل فوق طاولة عليها رجل مشنوق.

كانت تتحدث عن حياتها في الحرب، انها من جيل تربى في الحرب ، شبّ وكبر وسط نبراتها ومآسيها. كانت ما زالت ترتجف من البرد فوق سطح المطعم بجوه القروي الأثير إليها.

ثم أخذنا الحديث الى الحب والعاطفة النقية المجردة إلا من ذاتها، بصرها يتجه نحو نقطة مجهولة. في الأفق ليس ثمة مريخ ولا نجمة يمكن أن تُرى.. فجأة يسقط بصري على بيت مهجور تتوسطه شجرة وحيدة تنتصب كذاكرة مثخنة بالغياب والهَجْر وحلم العودة لمن تمزق بهم الشمل ورحلوا.

* * *

مثقلاً بالزكام والحمّى، عليّ أن أصحو. الموسيقى تصدح على أشدّها. الطيور في وكناتها تصيح. أحاول إبعاد صورة طيور هيتشكوك، لتكون أليفةً وحنونة. عليّ ان أزيح صخرة كوابيس البارحة، وأتوكل على الله وأنهض من السرير لأعدّ حقيبة السفر. أحييّ دلدار فلمز، الذي جاء من الجزيرة السوريّة ولم أتمكن إلا من رؤيته رؤية العابر بسرعة نحو المطار قبل فوات الإقلاع.

* * *

الجزء الرابع: القاهرة

الاثنين:

أصل المنزل، في القاهرة، بالدقي، جسدي متْعَب بفعل الحمى وضربة الزكام. أسترخي على السرير ذي الطراز القديم، كانت الستارة، واقعة على الأرض حتى جاء من يصلحها. يوماً واحداً وانكسرتْ من جديد مما اضطرني إلى النوم في الصالة، كي لا أنام مكشوفاً أمام عيون الجيران الذين تتدلى ملابسهم الكثيرة من حبال الغسيل.

قبل الفجر أسمع خارج الباب مباشرة، القطط وهي تتعارك على الفضلات. حين تفرغ من عراك الأكل، تدخل في عراك هياجها الخاص.

صحت المرأة الى جانبي وهي تقول: حلمتُك البارحة، مسافراً من غير أن تترك لي عنواناً ولا حتى اسم البلد.

أدير زرّ الراديو على البرنامج الموسيقي، استلقي مغمض العينين لا أفكر في شيء.

أصغي كما في الأحلام إلى موسيقى فيلم (قصة حب) الذي شاهدته معها في الزمن البعيد، بسينما قصر النيل. وقرأت قصة (اريك سيجال) ذات صباح في حديقة الميرلاند. الموسيقى تجعلني أتكاسل أكثر، وتبدأ في إيقاد تلك الهواجس وما تبقى من الذكريات: كم هي نائية وضبابية. ولو كانت هذه الهواجس التي تحرك مياه الأعماق النائمة، قرب المغيب، لكانت أكثر اضطراباً وتدميراً.

العاصفة على أشدِّها في الخارج، محملّة بالغبار والأشلاء. إنه شهر (طوبه) الذي يشبه (أمشير) في غباره وليس في برده بالطبع.

أفتح عيني، أجدها، مستيقظة، تشرب قهوتها، الصباحيّة، أسفل السرير. لا تكلمني، فيما ينبغي أن نفعل هذا النهار، وأي المشاوير والأماكن نرتاد، بل تواصل سرد أحلامها المذعورة، التي تعبّر عن خوفها المتراكم عبر السنين، منسكباً من سُحب اللاوعي الدامسة، لتجد في الأخير نوعاً من راحة نفسية بعد التعبير والافصاح.

قلت: إن الأحلام تريح صاحبها، ففي رحلته الحلمية يعيش حيوات متعددة، حيوات الحاضر والحياة التي عاشها، فربما، تمتد الرحلة الى آلاف السنين، حين كنا حلماً لسمكة قرش أو ذئب يعبر المياه الضحلة في الفلوات الجرداء.. تنضغط هذه الحيوات وهذه الأزمنة، تتكثّف وتتقطر في تلك اللحظات القصيرة من عمر النائم، وكأنما قارّات تنفتح على الآزال السرمديّة.

* * *

مساء أضعتُ نظارتي الشمسيّة التي أحبها وقد اشتريتها من أحد المطارات. يبدو، أن الأشياء التي نحبها مثل البشر في رحيل دائم، يرحلون فجأة تاركين مرارة الصَدْمة. ثمة شرط قدريّ صارم يندفع ضد المشاعر والعواطف الإنسانيّة، هذا الشرط هو الذي قُدّ منه الغياب والتلاشي.

نذهب الى مطعم قريب بشارع جدّة، لتناول وجبة العشاء. مطعم صغير وحميميّ، تقول لي: أن هذا النوع من المطاعم، أفضل من المطاعم الاستعراضيّة، الصاخبة، التي تكثر في المدن. وخاصة في هذه المدينة التي تكاد أن تكون صحراويّة، لولا نيلها المتدفق من عتمات الأبد، يحملها دائما على النضارة والتجديد.

نجلس متقابلين، في الضوء الشاحب الذي يتحرك في غبشه الجرسونيّة كالأشباح الأنيقة، لكن ليس كتلك الأشباح التي تنجبها مخيلة جاك نيكلسون في فيلم (شايننج) كي يؤثث بها فراغ عزلته. فمثل هذه الأشباح موجودة في مدن غير القاهرة وبيروت. ثم تواصل الكلام بعد أن شربت عدة جرعات من كأسها قائلة: لو نستطيع العيش خارج أي بلد عربي فلن نتردد. يمكن العيش في أقصى حالات العزلة والوحدة وسط الأقوام الأخرى التي لا تعبأ بالآخرين بمعنى ما؛ ولا نعيش وسط ظلام حطام أرواحنا وقلوبنا، في هذه المدن المخلّعة الأبواب والنوافذ، المدن المستباحة، والتي لا تزيدها السنين، إلا تكريساً واتساعاً، تكريس الحطام والظلام القاسي في النفوس والأمكنة.

* * *

الأربعاء:

مضى أسبوع على وجودي في القاهرة، التي أتردد عليها باستمرار. لم أر أحداً من الأصدقاء والمعارف. لقد أخذتني من الجميع، هي القادمة من بلاد أخرى. أفكر في الاتصال أو الذهاب الى وسط البلد. عليّ أن أتصل بجيراني أولاً، مها وعرب لطفي. أمر على عرب نتحدث كيفما اتفق بتلقائية. ميل عرب للتنظير والشرح لا ينزع عنها تلقائيتها في الحديث. وهذا ما لاحظته لدى منى أنيس التي لا تغادر في السكنى، وسط البلد لأنها ما تبقى من روح القاهرة الحقيقية، قاهرة الذكرى والحنين. في مثل هذه القلة من المثقفين، ليس هناك ما يثقل الحديث بالتفاصح واستعراض الثقافة. هناك اندماجٌ وتداخل اللحظات المختلفة ، من الطرافة واللمحة الشخصيّة، بالمرجعية الثقافيّة العامة والفصحى والدارجة، مما يجعل الحديث، حديث متعة ورفقة طيّبة، وليس خطابة منتفخة بفقرها المريع.

أثناء وجودي عند عرب، أتصل بمها لطفي، قائلا ان تلاميذها في لبنان يسلمون عليها، مشيرا الى قصة، أخبرني إياها حمزة عبود.. كانت الستّ مها مديرة مدرسة في مدينة صيدا، وكان كل من عباس بيضون وبسّام حجّار وحمزة، يعملون في المدرسة نفسها. كانت البلاد تعيش أجواء الحرب، وفي المساء يسهر الشباب في بيتها الذي لابد، أن يكون مرتبّاً أنيقا ومليئا بالعرق والمازات… في الصباح حين يتأخرون عن موعد المدرسة المحدّد، تغضب المديرة التي تفصل بين العمل ومعطيات الصداقة. يقولون لها ست مها أنت تعرفين أن الشعراء مزاجيون.. يعلو صوتها أكثر قائلة: إذا كانوا كذلك فهي أكثر مزاجيّة منهم.

* * *

الأحد:

بعد جولتها الصباحيّة التي تركتني فيها نائما، روتْ لي قصة دخولها محلاً لبيع الملابس. كان المحل يغص بأصحاب اللحى العشوائيّة الطويلة والمنقبّات، بحيث وجدت نفسها وحيدة وغريبة حاسرة الرأس. وكان البائع، حين تسأله عن شيء ما في المحل يرد عليها ورأسه الى الجهة الأخرى.

وكنا قبل يوم نقطع المسافة من (الدقي) الى وسط البلد، مشياً. الجو ملفع بسحب التلوث وما يشبه الدخان، صخب البشر والسيارات وما تبقى من عربات الحنتور يطبق على المدينة بشكل قيامي. عرّجنا على دار الأوبرا من جهة التحرير، وجدت مبنى المجلس الأعلى للثقافة أمامي، قلت لأسلم على جابر عصفور. لم أجده تركت له ورقة لدى الاستعلامات، وتليفوني في القاهرة. تبين لاحقا أنني نسيت أن أكتب الرقم الأخير. سألت عن منتصر القفاش ونجاة علي أيضا لم يأتيا بعد.

مشينا في ردهات الأوبرا، أحسّتْ بالهدوء المفاجئ الذي ينزل دفعة واحدة ململما شظايا النفس من التشوّش وسطوة الجلبة، ويعبر بها الى شيء من سويّة التأمل والتفكير. قالت: إن دار الأوبرا لابد بُنيت بعوازل الصوت في خرساناتها. وبما أن اليابانييّن صممّوها وهم الذين تكثر الزلازل في بلادهم، فقد ابتكروا، تكنولوجيا فاعلة ضد هذه الزلازل، بدمج كتل مطاطية في الأعماق الخرسانية الضخمة، فترى العمائر تتمايل لحظة هجوم الزلازل كنخلٍ في خضمّ عاصفة، لكنها لا تنهار. لذلك يبتعد الصخب لحظة دخول دار الأوبرا. رغم الشوارع الكبيرة المحيطة بها.

دخلنا قاعة للفنون التشكيلية، يسيطر على لوحاتها هاجس التجريب والتجديد، وكان في وسطها شبه المعتم شاب بلحية قصيرة، يتلو آيات من القرآن الكريم ويجوّدها بمقدرة كأنه أحد المقرئين، المعتمدين من إدارة المساجد ودور العبادة.

واصلنا السير عابرين كوبري قصر النيل نحو وسط البلد. وكانت وجوه وصور من الماضي أخذتْ طريقها معنا لعبور الكوبري، أخذت تنعتق، تدريجياً من أغلال عتَمة الأيام وضبابها، حتى انجلت كوجوه وصور حقيقية واضحة الملامح والقَسَمات.

أقوى تلك الوجوه تجلت أمامي هذه اللحظة، وأنا أقترب من كازينو النيل، حين كانت هناك مدينة ملاهٍ نرتادها دائما… ذات يوم رأينا شيخاً عمانياً بلباسه التقليدي ولحيته البيضاء الطويلة حتى الركبة. يركب، ربما مع أطفاله، لا أدري، على ذلك الدولاب الضخم الذي يدور بسرعة حدّ الذوبان في الفضاء المترامي.

أتذكر ، بعد عدة دورات، انقطعت الكهرباء وتوقف الدولاب عن الدوران. وكان من حظ الشيخ ومن حظنا نحن لنشاهد هذا الحدث السماوي الأرضي- أن يكون في الأعلى من الدولاب، في الذروة تماماً. كان المشهد بقدر ما يشي بمرح الطفولة ويستدعي الضحك والتعليق، يوحي بجلال الغموض الشبحيّ للشيخ، وهو يستوي على عرش الفضاء باسطاً هيمنته على سماء القاهرة.

* * *

السبت:

أذهب مع الحاج فؤاد، الى إدارة الكهرباء بشارع نوال في العجوزة لتسديد فاتورة متأخرة. الطرقات مليئة بالوحول والبرك جراء أمطار البارحة، التي تعرقل السير اضافة الى الزحام اليومي.

لكن ثمة ما لا يؤثر كثيراً في زحام الحياة القاهرية. في بلدات أخرى بعض هذا الزحام يكفي لتلف الأعصاب وتدميرها. ربما مشهد الحياة الذي يغري بالمرح والتأمل والانهماك. لطف خبيئ لا اعرف تفسيره على نحو واضح.

نمر على صف من محلات الجزّارين وقد عُلقت الذبائح كالعادة بكلاليب من عراقيبها وتدلّت الأحشاء والرؤوس. بالأمس كانت ترعى في أريافها الحالمة. لكن إذ كانت عادة الغذاء البشري المتوارثة في هذا المشهد القاسي، فثمة شعوب معلّقة هكذا من عراقيبها بدافع الوحشيّة والافتراس ورغبة الإبادة ، فضائل العقل الحضاري وغير الحضاري المعاصرة.

أسأل الحاج، من هي نوال التي سُميّ الشارع باسمها؟ لم يجبني بل ذهب في الحديث أنّ هذه الأرض الخصبة المحاذية للنيل، كانت مملوكة من قبل البرنسيسة فاطمة اسماعيل وهي تقدّر بعشرين ألف فدان. هكذا كانت الأرض المصريّة، اقطاعيات بين الأمراء والأميرات. وبضع عائلات أخرى مثل سراج الدين واباظة…الخ.

جاءت يوليو وعبدالناصر حاولوا تصحيح بعض فداحة هذا التاريخ، لكن…

ندخل مبنى الدائرة الحديث الذي لا تخطئ العين نظافته وانعدام الزحام فيه. نجلس بعض الوقت، الحاج يعرف من يسهّل أمور المعاملات، البيروقراطيّة، نفسها في البلدان العربيّة، ذات الثقل السكاني وتلك المتخفّفة منه.

في هذه الأثناء ثمة شخص يلبس جلباباً أنيقاً يصرخ في الموظفيّن، ويستدعي مدير الدائرة الذي يصل الى مكتبه، فيسأله ذو الجلباب الأنيق بصوته العالي، أنت المدير؟ فما كان من هذا الأخير إلا أن ينتفض من كرسيّه: نعم أنا المدير، ولازم تعرف حاجة أساسيّة، أنا مدير الخناقات كمان.

* * *

الاثنين:

أذهب مع جرجس شكري وشاكر عبدالحميد، الى مسرح قصر العيني، مشيا على الأقدام، حيث تعرض مسرحيّة للفرد فرج.. في طريقنا الطويل، نمر على فندق المريديان سابقاً، نشاهد نادية لطفي تنزل من سيارتها باتجاه باب الفندق، وقد شاخت وتثاقلت خطواتها حتى كادت أن تتعثّر لولا مساعدة الحارس. أين منها تلك الفاتنة التي يستلّها المراهقون بصنّارة الخيال الشَبِقة من الافلام الرومانسيّة، في ليالي الخلوة والهياج، حتى الإغماء.

لقد هدّها الزمن أكثر من اللازم.

نصل الى المسرح، ألتقي بعبد الغفار مكاوي وفاروق عبدالقادر، مكاوي، ألتقيه لأول مرة، بعد زمن من تبادل الرسائل والكتب، مرة أرسل لي ديوان (أونجاريتي) مخطوطا بخط يده وترجمته.. بعد قليل تأتي آسية البوعلي مع رفيق الصبّان. آسية تقول لفاروق: أنا الوحيدة من بين العمانييّن تربيت في مصر. أجابها فاروق: وسيف الرحبي، تربى فين، في الربع الخالي؟

* * *

أستلم رسالة تليفونية من رشا عمران، تقول: هل تتضامن مع الشاعر الصيني الذي قررّت السلطات السوريّة ترحيله من غير سبب واضح. أحمد جان عثمان، سوري وعربي عبر الزواج والزمن واللغة التي يتقنها أكثر من شعراء كثيرين عرب الحسَب والنسَب.

أجبتها، أنني غير مستعد للتضامن. لقد جنَتْ على نفسها براقش. وهو يستحق الطرد، فما الذي أتى به وأبقاه كل هذه المدة في ديار العرب في هذه المرحلة. مفكرا نفسه في عهد الرشيد والمأمون!

* * *

الثلاثاء:

اذهب الى وسط البلد لمقابلة شاعرة شابة، في مقهى جروبي. وجدتها قلقة، ان لم توضح لي المكان جيداً فأَتيه في الطريق. قلت لها يمكنني معرفة أماكن القاهرة وأنا مغمض العينين. واتضح أنني موجود في هذه المدينة، قبل مجيئها الى دنيا البشر.. طفقت تتحدّث عن الأجيال الشعريّة وخصائص جيلها الفني. قلت، يبدو أن كل عام يشهد ولادة جيل جديد.

وسيضيع الباحث في معمعة أجيال مطاطيّة، هلاميّة الملامح والتكوين. هذا اذا كان الابداع بحاجة الى مثل هذا التجييل والتزمين. ثم انتقلنَا الى النصْب الثقافي، فكان الموضوع أكثر ثراء وواقعيّة، حيث أضفتُ الى خبرتها المصريّة، وحدة النَضْب ورحابته على الصعيد العربي.

مقهى (جروبي) الذي أسس أواخر القرن التاسع عشر، بعض من أعرف من المصرييّن، ورثوا الجلوس فيه أبا عن جد، أجيال كان لها مرتع لقاء وحنين.

أنا لم أعرف المقهى، لم أعرف الجلوس في المقهى إلا حين قدمت الى القاهرة. في ذلك الزمان الذي يبدو هنيهة تافهة، لا تستحق الاشارة في ذاكرة الجبال. ويبدو لي من النأي والبعاد كأنه في كوكب آخر غير الأرض الذي نعيش.

* * *

الساعة الثالثة ليلاً، أعود من سهرة مع سي محمد بن عيسى وعبدالعزيز الهنائي. في نادي العاصمة، معظم الحديث كان عن (أصيلة) المدينة الثقافيّة البحريّة التي نأتيها من أماكن مختلفة وكأنما نعود إلى بيتنا الحميم، بن عيسى يتخفّف من أعباء السياسة في واحة الثقافة والفن. وحين نقترب من السياسة يشتعل الخلاف. هذه الليلة كانت السِهام تتطاير شعاعاً بيني وبين صديق الطفولة أبوعمر.

أرى مشهد النيل والقاهرة من ذلك العلوّ الذي يقع فيه النادي. مشهد مدوّخ من فرط سطوته الجماليّة.. هذا الأبد الجارف في أعماق المكان.

أستلقي على الكنَبة التي اشتريتُها قريبا. الديكة بدأ صوتها يسطع في البعيد، الديكة الأكثر إحساساً بالزمن ربما من الفلاسفة. في المنطقة القريبة تتردد أصداء ديكة أخرى، في بولاق الدكرور على الأرجح.

الحنفيّة ترشح بالمياه وأحيانا تعوي كأنما ثمة حيوانات تتقاتل داخلها.

أتمدّد على الكنبة التي تتحوّل سريراً وأدخل في سديم النوم الفاره قبل أن تطرق الأقدام السلالم وألوذ إلى الموسيقى للتخفيف أو نسيان وقعها الثقيل.

* * *

في المعادي بنادي اليخوت، ألتقي بماري تريز عبدالمسيح وصديقتها ماجدة رفاعة، حفيدة رفاعة الطهطاوي. من الجيل الرابع لجدّ التنوير المصري والعربي. كان الموعد على غداء. وكان من المفترض أن يكون عبدالمنعم رمضان، لكنه اعتذر وفق ظروف طارئة.

تذكرت وأنا قادم مع ماري بسيارتها، حين كنت أركب مع صديق دراسة في سيارته المسرعة على نحو صاعق حتى ارتطمت بعمود كهرباء وسط الشارع. رحتُ في غيبوبة خفيفة، استيقظت بعدها على أهل الحي المجاور وقد أحاطوا بالسيارة مع بعض أفراد من الشرطة..

كان الجو على النيل رائعاً.. ثمة نخلة وحيدة على الشاطئ. في الضفّة الأخرى بساتين وقصور لأثرياء ومسؤولين.

ماجدة رفاعة التي تصدر مع محمود أمين العالم مجلة (أفكار) تقول، أنها تتخيّل الجنّة هكذا: نخلة ونيل وشمس غاربة وهدوء.

* * *

الخميس:

أم عبير، القائمة بأعمال المنزل، شخصية فيها من الغرابة والقوة ما يغري بكتابة الكثير. تاريخ من الألم والشقاء والخيانات، أثمر هذا الكائن العجائبي.

يمكن لأم عبير لمن يمتلك القدرة الخارقة على الإصغاء والسماع، أن تستمر في الحديث الى ما لا نهاية. هدير جارف من الكلام لا يتوقف. لو قدر لها أن تدخل مهنة التمثيل لبرعت في الأدوار الطويلة ذات الممثل الواحد ولا تحتاج الى مؤلف، أو في الأدوار الملحميّة، بشكل لا مثيل له في تاريخ هذا الفن. لكن المصير أخذها الى مسار آخر.

وهي على معرفة دقيقة تفوق معرفة الأجهزة بأحياء الدقي والمهندسين والعجوزة بتفاصيلها وبشرها ومشاكلها. مادتها الواقعيّة لا تنضب مقرونة بقدرة التعبير ووسائله.

حين تأتي أحيانا صاعدة سلّم الدور الخامس الذي تصعده أكثر من ست مرات في اليوم رغم عمرها واشتغالها في أكثر من منزل ومكان، والتي حصلت من جرائه على ثروة مهمة تتفوق بها على الفئات الوسطى على جاري الترتيب والتصنيف.

حين تقترب من باب الشقة يسبقها صخب الإرادة، وقد بدأتُ في كتابة أو قراءة، أترجاها أن لا تكلمني حتى أدعوها الى ذلك.

تدخل غاضبة الى المطبخ، تفتح الراديو، وغالباً على مطربها المفضل محمد عبدالمطلب. وتظل هناك تغني وتتحاور مع أشباحها حتى تنتهي فترة الهدنة. عنادها في فرض إرادتها، عرفتُ أنها تمارسه في كل البيوت مهما كان مقامها المدني والعسكري.. رغم هذا العناد وهذه الارادة الفولاذية ، فهي قريبة وجدانيا وحميميّة، تعرف بحنكة المجرّب، الفروق بين البشر ومستوياتهم مع غض النظر عن الوجاهة والوضع المادي.. هكذا عقدت صلات علاقة مع الكثير من الأدباء والصحفيين، يوسف القعيد يستمتع بالحديث معها، وحسين عبدالغني حين قلت لها انه مراسل الجزيرة، قالت ما تهمنيش الجزيرة ولا غيرها هوه راجل طيب وجميل من غير حاجة، وغالبا ما تسألني عن عبدالرحمن الابنودي وفاروق شوشة اللذين تعرفهما عبر التلفزيون.

أما فتحي عبدالله ووحيد طوييلة فكانا عائلتها الحقيقية؛ لاحقا اكتشفت سرّ، كونهم ينحدرون من بلدة واحدة في الريف المصري.

مرّة قلت لها لو قُدَّر لك يا أم عبير، أن قدتِ الجيوش العربيّة عام 48 باتجاه اسرائيل لما كنا نعيش كل هذا الوضع الكارثي الآن.

وحصل أن حاول بعض الصبية، كسر باب الشقة في غيابي.. وما أن عرفت أم عبير، أن هناك خدوشاً في الباب على اثر المحاولة، حتى أزبدت وزحفت على سكان العمارة وخاصة على الحاج صاحب العمارة الذي لا تقع هذه الحوادث في اطار مسؤوليته.. ومن ثم باتجاه عرب لطفي، وصرت في الأيام التالية أعيش أنقاض معركة أم عبير.

الأمس ظلّت تشتم شخصا لا أعرفه، ومع اندفاع سيل الشتائم والقذف، تبينت شتيمة، لم أسمعها من قبل لا في مصر، ولا ما يشبهها في الجزائر والشام ولبنان التي تختزن ترسانة الشتائم الثقيلة. (ابن المهتوكة) ظلّت تكررها في خضمّ المفردات الجارفة الصعبة.

في هذا الصباح، اسمع وقع خَطوها القادم حيث تدخل غاضبة تصرخ: ما تعرفش، الشيخ ياسين قتلوه، فتفتوه، هوه وولاده. لعنة الله على اليهود واللي جابهم.

* * *

أذهب الى مقهى في وسط البلد، مقهى ريش أو ما تبقى منه شكلاً وليس روحه المشعّة في الماضي. ألتقي ببهاء الطود وآخرين، وكنت قبل يومين سألته عن العراقي علي القاسمي الذي وصلني خبر اغتياله في أسبانيا.

وكانت سكرتيرة مجلة (نزوى) قد سألت عن عنوانه البريدي إثر نشر مادة له في المجلة، فجاءها الرد من زوجته او أرملته في هذه الحال، انه اغتيل. وقد انتقلت مع أولادها الى الاسكندرية، فأي شيء يتعلق بالمرحوم يمكن إرساله إلى عنوانها الجديد.

أدخل المقهى أفاجأ ببهاء يجلس مع القتيل العراقي العصيّ على الموت. العراقي والفلسطيني عصيان على الموت والانقراض منذ بابل وحتى ما بعد أمريكا. ولأنني أدمنت معاشرة الموتى ومعايشتهم في أحلام النوم واليقظة وعبر قراءة الأدب الملغي الفواصل والحدود بين مختلف الحيوات والأماكن، فقد أخذنا في الضحك والتهريج. وأخذ القاسمي بزمام الحديث من غير فاصلة اعتراض تبهضه مشقة التوقف والاستراحة. وكأنما بهذا السيل العرم من الكلام أراد إثبات وجوده الذي لا يُدحض، ودحر إشاعة الاغتيال.

* * *

أقرأ للحلاّج :

وأي الأرض تخلو منك حتى

تعالوا يطلبونك في السماء

تراهم ينظرون إليك جهراً

وهم لا يبصرون من العماء

وللسيّد المسيح :

»لا تنثروا درركم قدام الخنازير كي لا تدوس عليها ثم تلتفت إليكم وتمزقكم إرباً…«.

وللمولويّه :

الموسيقى هي صرير أبواب الجنة وهي تفتح على مصراعيها.

وأكــتب:

أيتها الأرض، الصّبِخة العاقر.

كيف ينبت في أحشائك عشبٌ، حتى لو زرعتْه بيدها الآلهة؟

أيتها الموسيقى، أيتها الجبال، جمالك الذي لا ينضب.

في الصباحات المفعّمة بسقوط النيازك ونعيق الغربان

والحرارة المحتشدة كنذير بركان.

تطوفين بنا الأزمنة

كإنك الوصيَّ الوحيدَ

على عرش الأبديّة.

* * *

الأحد:

أذهب مع نبيل سليمان، الى مدينة 6 أكتوبر لنحتفل بعيد ميلاد جابر عصفور الستيني، وهو المنزل الذي شيّده الدكتور حديثاً، بذوق عالٍ. ونحن نتجول في ردهاته وزواياه الكثيرة، تستقبلك الكتب بحضورها المهيمن، على كل تلك المنحنيات والزوايا. وثمة حديقة خلفيّة مليئة بأشجار مختلفة. ونخلة وحيدة تهتز قليلا تحت ضوء القمر الذي بدأ يتنسّم أنفاس ربيع قادم.

أحدّق في فضاء المدينة الشاسع غير المكتظ بالعمائر والأبراج والضجيج.. انها واحدة من رئات المدينة المحتقنة بالزحام والغبار.

أفكر أن 6 أكتوبر تقع في عراء الصحراء، لكنها الصحراء الأقل وحشة وقسوة. ولقربها من المدينة الأم تحسّ بذلك الامتداد الحميم.

لفيف من الأصدقاء من أهل الفن والأدب أشعلوا ليل المدينة الهادئ، بالغناء والكلام والنكات. وكان مضيفنا منغمراً بحيويّة في الجو بكل أمواجه المنفلتة من القيود الوظيفية والاجتماعيّة، غير عابئ بالمحطة الستينيّة في خط هذا القطار الساحق الذاهب الى اللاشيء.

ربما كان ينظر صوب المستقبل كخلاص مؤقت من احتدام اللحظة وهوامِّها.

ربما علينا أن نحشد ما نستطيع من وسائل المواجهة للاستبداد الزمني على مشاعرنا وأجسادنا، وننعم بقسط من سلام الروح، حتى ولو كانت له الضربة القاضية في النهاية. لكن قبل تلك الضربة والضربات التي تمهدّ لها، ثمة واحات نخيل خضراء وحدائق خلفيّة نمرح فيها، وتحمل صباحاتُنا رائحةَ عشبها النديّ.

* * *

آخر الليل، أصحو. لا اعرف كم الساعة الآن؟ لا اعتقد أن المؤذن قد أذن، أو أن الديكة قد صدحت بصوتها الذي يحمل دائما صخب القرى البعيدة التي يحتلها عواء الذئب.

ضوء خفيف، يلوح من درفة الباب مع موسيقى توقد حنين مدنٍ وذكريات. غائبة عن السرير تفصلنا المسافات والصدوع..

أستحضر طيف أي امرأة تركتْ نظرتها في أعماقي ذات يوم ممطر، علّه يساعدني على استئناف النوم بعد سماع ديكة الفجر وشدو ريف اليمام.

* * *

ألتقي بعرب، بعد الظهر، تخبرني بأنها كانت في جنازة صديقة لها. ممثلة مسرحيّة تدعى فانيا الكسندريان، كانت تسكن سابقاً في الشقة المقابلة لشقتها مباشرة، أي بجوارنا، ثم انتقلتْ الى مصر الجديدة لتلقى مصرعها مع والدها العجوز وامرأة أخرى، طعناً بالسكين في قلب العمارة التي تسكنها، على يد مهووس ديني.

فنانة من اصل أرمني تموت قتلاً في الأربعين من عمرها.

كم من الوقت يلزمني لتجاوز طيف المرأة الجميلة المغدورة في روض الصبا والأحلام؟

* * *

الجزء الخامس:

الثلاثاء:

امرأة تقرأ كتاباً على الشاطئ لا أعرف ان كانت تنتظر أحداً، كانت مندمجة كلياً في عالم الكتاب تحت طلعة قمر يتبدىّ باذخاً هذه الليلة.

هل عليّ أن أخمنّ حول الكتاب الذي تقرأه، قصة خفيفة لاجاثا كرييستي.. أم رواية (الكنز) لاستينفنسون الذي أُعجب بنثره بورخيس؟ قصة لماركيز، سيرته الأخيرة ربما، أم هي فرنسيّة مأخوذة بجورج سيمنون ومفتشة ميجرية؟

الأقرب انها رواية مترجمة لنجيب محفوظ، لتكون دليل معرفة لأوضاع المجتمعات العربيّة كما تعتقد القارئة البحريّة المغمورة بالضوء الشبقيّ للقمر وصورة العشيق الغائب.

مسترخية على الشاطئ

تعبرها النوارس والأحلام.

* * *

لقد جفّ الهواء من حولنا، ألسنا في زقاق الجرذان؟ هذه العبارة المركبّة من إليوت وشاعر آخر، تحضرني هكذا… فإذا قادك سوء طالع هذا الصباح أو غيره وهذا ما يحصل كثيراً، خاصة في البلدان الريعيّة، الى الوقوع في الفخ الى مقابلة شخص جبلّته الدناءة والسُميّة والوشايات.

(أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه).

هذا الشخص لا يجد ذاته وراحته الا في هذا المناخ كما وجدتْ تلك المرأة راحتها في أعماق كتاب أمام البحر.

إذا قذف بك سوء الطالع الى ذلك الشخص المسبوق بنتانته، فلاشك ستقضي نهاراً سيئاً وليلاً مليئاً بالكوابيس. مثل هذا الشخص يمكنه أن يلوّث هواء قارة بأكملها، أن يجففّ ينابيع الأرض، أو يسممّها بطاعون وضاعته.

شخص واحد بحشد أقنعته وثقل خطاه. شخص واحد يستحيل الى شخوص وقبائل وحمولات تسعى الى إطفاء ما تبقى من ألق روحي وأخلاقي على هذه الأرض الهرِمة.

إن هذا الشخص – السلالة، رسالته إفساد كل شيء جمالي وإنساني حيث لا يمكنه العيش إلا بين النتانة التي تقوده كعصى الأعمى، والجيف والمتسلقيّن كما تتسلّق العظايا الجدران الملساء بحنكة واتقان »فر من الناس فرارك من السبع« هل كان ذلك المتصوف يقصد هذا الطراز من البشر، الذي لا يرقى بداهة الى مستوى السبع والحيوان. ويمكنك حين يدفع لك، الشؤم الى مصادفته ان تفكر في قدرة الانسان أن يسمو بِمكانته الى صورة إله، أو أن ينحط الى دَرَك المسوخ والسقط.

في أول صباحاتنا نستعيذ بالله وندعوه أن يجنبنا، في ساعات الصباح الأولى على الأقل، مقابلة مثل هذا الشخص المتناسل في كل مكان.

* * *

يحدث، قبل أن أشرع في بدء ممارسة الحياة اليومية، أن أطلق صرخات مفزعة، الواحدة تلو الأخرى. ربما لأطرد الخوف المتراكم والقرف الذي يكاد يشلني عن عمل أي شيء.

سميرة المنسي حين سمعت هذا الصراخ لأول مرة، قالت انه يشبه صراخ الهنود الحُمر.

ومرة حين كنت في احدى المُدن، وأنا أقوم بممارسة هذه الهواية الاثيرة، سمعت خبطاً على الباب، يسألون ان كان حصل حدث ما أدى الى هذا الصراخ الدمويّ المقذوف مع كلمات غير ذات معنى.

وتزداد هذه العادة ضراوة، حين أكون صاحياً من نوم على جانب من الهدوء من غير كوابيس تنجز صراخها الخاص الذي يشبه عواء ذئاب تنحدر نحو السفح. او خوار ثور جزّت بلطة الجزّار عنقه وتركته يتخبط وسط دمائه القانية.

أستعيد فيلم (بوبي ديرفيلد). لا اعرف لماذا ذاكرة السبعينيات السينمائية تلحّ في الحضور أكثر من غيرها؟ بطلة الفيلم (مارتا كلر) التي اختفت من عالم السينما في حدود ما أعلم، مسكونة بمسَّ شاعري وتأمليّ في رؤيتها للأشياء والكون، حين تحس بحصار الجهات والحيرة وغياب الأجوبة. تطلق صرخات مدوية. ربما لعلاج نفسي في محاولة الخروج من عنق اللحظة المستبدة.

* * *

أبو مسلم البهلاني الذي أنجز حوله محمد المحروقي كتاباً جيداً، هو أكبر شاعر في تاريخ عُمان. أعطى موضوعة الحنين جُلّ إبداعه، فكانت بؤرة شاعريته ومحرق أعماقه الثرّة.

حنين مكثف ومتعدد الوجوه والمشارب، حنين المسافة الجهمة التي تفصل اقامته في الشرق الإفريقي عن مرابعه الولاديّة في عُمان.

حنينه الصوفي الى المطلق المتعالي، حنينه المحتدم الى أزمنة ووقائع في التاريخ، يرى فيها المثال الأنقى لإمكانية قيام نوع من عدالة بشريّة على الأرض. نُحرت قبل بدايتها الفعليّة وظلت حاملة حلمها الشاق من زمان ومكان الى آخر. رغم الجراح العميقة التي بدأها ذوو القربى في (النهروان).

غالبا ما تتماهى أمواج الحنين وتتلاطم، في السياق الشعري الواحد الذي يتغذى من رحيق الشجرة نفسها، حيث يتداخل على نحو خلاّق الذاتي بالموضوعي، التاريخي بالحاضر.

القصيدة النهروانية ذات النفس الملحمي العالي أسطع مثال في هذا المنحى.

(سميري وهل للمستهام سميرُ

تنام وبرق الأبرقين سهير

تمزّق أحشاء الرباب نصاله

وقلبي بهاتيك النصال فطير)

هذه القصيدة التي يمكن اعتبارها من عيون الشعر العربي، كنا نقرأها ونحن أطفال في المساجد والمجالس الحالمة بين بساتين النخيل والأشجار، وبتلك النفحة السمائلية الخاصة التي يتصدّر موكبها النغميّ، الشاعر علي بن منصور الشامسي رحمه الله.

وقرأتها قبل سنين قليلة على الباهي محمد الذي كان يتحفنا آخر الليل، إما بقراءة من سور قرآنيّة عطرة، وإما ببعض من معلقّات الشعر، عبر طرُق تجويدية وتلحينيّة خاصة بالزوايا المغربيّة.

* * *

أجلس على طاولة المكتب، أفتش في فوضى الأوراق والكتب أمامي. ارتشف الشاي، عله يساعدني على تنشيط همة العمل المثبطة هذا اليوم. إشارات غامضة تأتيني عبر لمعان الحصى، من الجبال المحيطة، ربما بلا جدوى أي محاولة أو تذمّر. وبعبثيّة.. الفعل البشري.. أخرج من المكتب وأتجه الى مكان إقامتي، تلك الشقة بالعمارة الغارقة في الظلام والنحيب وارتطام الأبواب.. وأنا أنزل من السيّارة سارحاً في حسابات ماليّة حول تكاليف رحلة الصيف، أنا الأشدّ كسلاً تجاه الحسابات والطبيب إلا حين تحل الواقعة- أشاهد اثنين يتحركان بريبة أمام مدخل العمارة. الكلاب المجاورة لا تنبح كأنما أصيبت بالخرس. القطط ناعسة تحت ظلال الأشجار في الظهيرة..

فكرت بوجود هذين الشخصين ذي الخلفيّة الإجراميّة وتذكرت فيلم (القتلة).

دفعت هذه الهواجس جانبا ودخلت الشقة لأفاجأ أنني نسيت عيناً من عيون البوتوجاز، مفتوحة، ورائحة الغاز تملأ البيت المغلق النوافذ، والمكان.

* * *

في مقهى البستان البحري، تأتي امرأة بالغة الحسن، تجلس على كرسيّ في الكونتر، تفكر في طلب مشروب، إذ ليس الوقت، وقت وجبات. أسترق النظر إليها، مقلبّا بصري المستلب بينها وبين البحر.

ثم أفتح كتاباً لأقرأ على طريقة المخبرين التقليديّة حين يمسكون بجريدة وهم يرصدون شخصا ما.

رغم وجود رأسي أعلى فضاء الكتاب المفتوح، كانت عيني تخترق الحُجب وتنفذ الى أقاليمها الأنثويّة البعيدة.

* * *

الولائم الدمويّة مفتوحة على مصراعيها في العراق وفلسطين. فإذا كان الفن والدين والفلسفة، هي روح المطلق في التاريخ كما عند هيجل؛ فإن غزارة عنف الضحيّة اللامحتسب مع جلادها، الذي استحوذ على التاريخ، وعلى هذه الأرض المرّة حسب عنوان لباسم المرعبي، هي الأقرب إلى هذا التجسد في التاريخ. هذه الروح التي تطالب بحقها في الوجود والحياة، تستصفي خلاصة الأقانيم الثلاثة لفيلسوف العصور الحديثة، بعد أن سحق التتار الجديد كل معنى وكل دلالة واشارة، إلا معنى وجوده فقط، معنى وجود القوة الهمجيّة الغاشمة كتجسيد مطلق في التاريخ.

* * *

الأربعاء:

أحمد محمد الرحبي يتصل من موسكو، يقول ان درجة الحرارة ما زالت 5 تحت الصفر. وديستوفيسكي، يرتجف في بيت الأموات.

أقول له، سبحان مقسّم الأرزاق في الخَلْق والطبيعة، ومتى ستعود الى البلاد؟ يقول حين يبدأ الصيف بشكل فعلي، وأكون قد بدأت اجازتي الصيفيّة ورحلت.

الأفضل أن نلتقي في نص يكتبه كاتب ما من أقاصي العالم.

* * *

تمر فتاة أجنبية وقد رزّتْ في سرتها دبوساً يلمع في ضوء الشمس. وأخرى حلقة في الشفة المتدلي بفعل الموضة السائدة والحقن والشفط وليس بسبب طفحان الحسّ الشهوي.

وثمة عجوز على أرجوحتها، تحت أشجار جوز الهند (النارجيل) هانئة في نومها الوديع. لقد أفرغت حمولة الحياة وها هي تستريح.

يترك النادل العُماني عصير البرتقال بجانبها من غير أن يوقظها، ويذهب لتلبية طلب آخر.

أستلم كتاب (آخر القرامطة) لأحمد الصياد.. حواريّة سياسيٍّة تتوسل السرد، في عالم الأموات، يفصح همُها الأساسي ومتنها عن ما آلتْ إليه الأمور من مجازر وانحدارات في بلده والبلاد قاطبة.

الصيّاد الذي عرفته خير صديق وقت الضَنك والأزمات.. هناك أشخاص لا تفلح المناصب والغربات مهما شطّت في تغيير طبائعهم الصادقة، يظلّو كالآلئ ، مشعيّن في ليل العلاقات الانسانية الآفلة.

* * *

صقور تحلّق ناعسة

على مستوى منخفض، تظلّل

قمَمَ التلال بظلال أجنحتها الوارفة.

* * *

كان في الاربعينيات يتكلم كثيراً ويكتب عن الموت. وبعدما بلغها وأشرف على ما بعدها صار الموت أبعد من الهاجس العابر والكلام. صار يتنفسه، يستيقظ على فحيحه المروّع في جسده وحركاته ومجمل تفاصيل حياته. لم يعد كلاما تجريديّا مشوباً بالنزوع الرومانسي للجمال والمطلق البعيد؛ وإنما جسد يتحللّ وزمناً وحركة لا رادّ لقضائه المبرم ومحوه الغريب.

* * *

أنزل السلّم باتجاه السيارة. الطقس ما زال جميلاً. لم تنفتح أبواب جهنم بعد، أو الفرن الجيري كما وصفه (رامبو) منذ قرنين لم يزدْ خلالها إلا شراسة وجحيمية، مع تقلص الحضور الخصيب للطبيعة، واتساع رقعة المحْل والجفاف.

ألاحظ القطط التي كانت ترتطم ببعضها وتتعثّر على السلالم والممرات من فرط الهزال، على شيء من السمنة وحسن الحال.

يبدو أن السكان الجدد أكرم من سابقيهم، أخذوا في إطعامها والاعتناء بها ولو إلى حين!!

* * *

تلقين البشر أول درس حول إنسانيتهم الفظّة.. تيه ونواح وقِدم.. وتشاؤم ظاعنين في الديار بحثاً عن الكلأ والماء.

تلك هي سيرة الغراب على هذه الأرض الجدباء.

* * *

كازنوفا، فلليني، بعد مغامراته ومعاركه الغراميّة ومضاجعاته التي لا تحصى في جميع الأراضي والقارات، لا يجد في مطاف النهاية، ما يهدئ روْعه ويمنح روحه الطمأنينة والسلام، لا يجد إلا دميةً، يستسلم كطفل بين أحضانها الدافئة.

* * *

الجمعة:

في العدد الجديد من مجلة (نزوى) أتأمل صورة لرجل عُماني قادم من الماضي بلباسه التقليدي. الصورة رسُمت ببراعة مدهشة.

والرجل رغم مظهره العادي حين تحدّق فيه يتبدّى كفارس جاد به خيال الفنان وعَبَر القفار والصحارى، ليمدّ يد المصافحة للقارئ قبل أن يلج إلى عالم التعقيد المعرفي.

يمكن لتلك الصورة التي لا تنقصها الرجولة والكبرياء وذلك الجمال الوحشيّ للكائن البريّ، أن يخلع عليها الناظر قناع الشخصيّة التي تتداعى من ذاكرته البعيدة.

لأول وهلة وأنا أمعن النظر في ضفاف نظرتها الغامضة، وقوامها الصَلْب، تداعت في ذهني صورة (سالم بن سهيل الرحبي) ذلك القاتل المتوحد، والمحترف الذي يعيش في الأعالي والذرى والكهوف. والذي امتلأت مخيلتي بحكاياه، من الطفولة، حين ينحدر من الذرى على إيقاع خطى الذئب الحذِرة، من عيون العسس، إذ يستبد به الحنين إلى حياة البشر المألوفة. يختار مجلساً من مجالس القرية ليقضي فيها قيلولته ويأخذ نَفَساً من لهب الهاجرة.

يحدث أحياناً أن يفاجئه صوت يقضّ مضجعه فيستيقظ كصرخة تفجرّت من الأبعاد السحيقة للألم والخوف والمتاهة، ونَصْل الخنجر في يده حتى يلامس السقف ويبعثره هارباً نحو موطنه الأبدي.

يمكن بهذا المنحى أن نستدعي صورة (لي مارفن) في فيلم (القتلة) أو صورة مارلون براندو في فيلم (البحث عن قاتل) الاثنان يقومان بدور القاتل المحترف وهما من الغرب الأمريكي البعيد وهذا من أقاصي جبال عُمان؛ الثلاثة يمتلكون صفات مشتركة كالعزلة والتوحش والحساسية المفرطة تجاه البشر والطبيعة. انها وحدة القتل البشريّة مهما شطّت المسافة والاختلاف.

* * *

السبت:

أتسطّح على أديم الموج الذي يبدو هذا المساء كموج بحيرة هادئة.

أحدّق في السماء، أمعن النظر، فأرى شجرة المنتهى مثقلةَ بالنيازك والزمرّد والعصافير. وفي الضفة الأخرى من الشجرة الاسطوريّة المباركة، ينبلج بهاء مياه نوراني، تسبح فيه مخلوقات الأثير التي هي ليست بالذكر ولا بالأنثى كأنما قدمت للتو من جنة الخلد المفعَمة بأنهار الخمر والعسل واللبن الصافي والينابيع.

أسبح في البحر المضطرب قليلاً. كانت بضعة غيوم قادمة من منخفض جوي باتجاه الهند بما يشبه نذير عاصفة أرى مجموعة أسماك من أحجام مختلفة نافقة على سطح المياه.

تذكرتُ حين كنت برام الله، والانتفاضة آخذة بالتصاعد، حين جاء زهير أبوشايب، بخبر الانتحار الجماعي لأسماك القرش على شواطئ البحر العربي.

كانت البلاد في حالة حرب، وكان الشاعر مأخوذاً بهذا الطقس الغرائبي للموت.

* * *

الشمس تغرق في بحر اللجين الغافي.

الفراشات والجنادب الحييّة تطير على مقربة من قطيع الزراف والوعول ذات القرون الكبيرة.

القمم الجرداء تحلم بمستقبل خضرةٍ وربيع.

* * *

أستلم رسالة عن طريق الفاكس من غادة السمّان بباريس، بخطّها الذي تحرص فيه على الوضوح أكثر من الصنعة والتنميق.

الست غادة تطلب مني إرسال عنوان فندق البومة في أمستردام، بصفتها عاشقة للبوم. وتضيف، أنها تحب اسم (الناعبي يحيى) لعلاقته الوجوديّة واللغويّة بأحبائها، وقد أسمته بنقيضه الظاهري (المغردّي) وكأنما صوت سلفها المعريّ يتلبّسها من غير قصد ربما

»وشبيــه صــوت النعــيّ اذا

قيس بصوت البشير في كل ناد«

أكتب إليها فيما أكتب، أننا في خضّم المحنة، تأتينا اشراقة مفاجئة من مكان ما لتزيح عنا بنورها الحميميّ جانباً من هذا الظلام الجاثم على الروح.

هذا الصباح كانت تلك الاشراقة رسالتك العذبة.

* * *

أمشي على الشاطئ الصغير المحاصر بين جبلين. مكان مثالي للتأمل والأحلام. ثمة امرأة تسبح وحيدة قريباً من شباك الصيادين ذات العلائم البيضاء.

أحجار سوداء وفاتحة تشبه تلك الموجودة في مسيل الأودية (عُمان قبل ثلاثة ملايين سنة انقذفت كقطعة من اليابسة وفق الدكتورة جوبا بجامعة السلطان قابوس).

يبدو أن الموج قذف تلك الأحجار الصغيرة، ليلة العاصفة من الأعماق، هناك حيث ترعى أسماك القرش محاطة بدروع من الأسماك الصغيرة، في تعايش وهدوء.

أجلس على مرتفع حجري رمادي مليئ بالقواقع وبيوض ما قبل التاريخ، ورجلاي في مهبّ الموج.

* * *

اتصل بمحمد المزديوي، أجده في لحظة انتشاء قصوى، ظننتُ أنها بسبب وفرة الغلال الدمويّة في العالم. لكنه قال بالإضافة الى ذلك، كون السلطات الفرنسيّة أعطته، الأوراق القانونيّة الكاملة للاقامة وبدعم من أحمد الصياد، بعد ما يربو على الخمسة عشر عاماً من اقامة غير شرعيّة.

أنا شاركته هذا القلق والارباك فترة لا تزيد عن ستة أشهر من الحياة في باريس من غير اقامة، إبان اضطراب الوضع الأمني هناك بسبب التفجيرات العشوائيّة، التي اتهم فيها اللبناني جورج عبدالله.

لكن المزديوي كان ثعلبيّا ورابط الجأش على خطى جدّه البربري الأكثر جهاداً وعروبة، عبدالكريم الخطابي، لم يقع المزديوي مرة في شباك البوليس المتصيّد لأصحاب السحنات المهاجرة على أبواب المترو وفي الطرقات.

* * *

أصحو في الساعة الرابعة والنصف. عطش وشعور بالخسارة، خسارة كل شيء بالمعنى الجذري المدوّخ . وذلك النوع من الكآبة التي تنغلق أمامها الآفاق والنوافذ حتى كأن السماء تربض بأثقالها على رأسك.

اتصل بداليا، تليفونها هي الأخرى مغلق.

أفكر في الخروج والتنزه قليلاً لكن الطقس لا يساعد. افتح التلفزيون، مسلسل لمحمود مرسي الذي انسحب أخيراً من ساحة الفن الى الأبد.

أنحشر على الكنبة، مستسلماً لقدر الليل العاتي، دافعاً بشكل مضاعف ثمن سهرة البارحة.

أقرأ:

ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ما تأكل وما تلبس وأين تسكن؟ فأقول آكل الموت، ألبس الكفن، وأسكن القبر.

(أبونعيم الصوفي)

وروى أحدهم عن أبي يزيد البسطامي، أنه صلى معه صلاة الظهر، فلما أراد أن يرفع يده يكبّر لم يقدر إجلالاً لاسم الله، وارتعدت فرائصه حتى كنت أسمع تقعقع عظامه فهالني ذلك.

* * *

على الشاطئ، أنظر إلى امرأة جميلة بمعيّة رجل يبدو أنه قبيح المنظر والمخبر.

أحاول فصلهما نهائياً وقذْف المرأة عارية في صَقْع بعيد..

وحيدة وعارية إلا من خيالاتي التي تلتهمها مثلما يلتهم النسر الفريسة.

* * *

أذهب الى الجامعة لحضور ندوة تنظمها مجموعة الترجمة، التي سيكون ضيفها سعد البازعي، الذي التقيته منذ أيام في (مؤتمر الاصلاح العربي) في الاسكندريّة، ما دفعني مع أصدقاء، إلى السؤال المأساوي الضاحك، حول امكانية اصلاح ما تراكم عليه فساد الدهر وأثقله انسداد الأفق والمسار الذي أضحى ينفجر تعصباً وعنفاً وانتحاراً من كل جهة وصوب.

أمد يدي الى مترجمة شابة لكنها لا تعاملني بالمثل كما جرت العادة في سياق المودة البشرية والنفاق. فلا تمد يدها لمصافحتي، ربما ليس تعصباً وإنما عدم تعود وارتباك في مثل هذا الجو الجماعي.

وجهها الصبوح جعلني أوجد لها المبررات، رغم شيوع هذا السلوك الذي أخذ يزداد كثافة وانتشارا في أوساط العرب والمسلمين حتى أطبق على الجموع من فرط نفاد الحيلة.

قبل فترة مررت على جابر عصفور بجامعة القاهرة في القاعة التي كان يحاضر فيها طه حسين، وقد سُكّت صورة ظليّة، على أحد مداخلها للعميد.. لم أذهب الى الجامعة منذ زمن ، أكتفي برؤيتها من الخارج، فرأيت المشهد على حقيقته؛ حشودا من المنقبّات والمحجبّات اللواتي لا يمددن يدا للمصافحة. في السبعينيات كان المشهد على عكس ذلك تماماً.

* * *

علي أن أمر على سعد البازعي لمصاحبته، الى السوق القديم في مطرح. قلت له، سأكون معك في التاسعة، لو نمت واستطعت الصحيان باكراً.

لكن السوق بقضه وقضيضه، بمخلوقاته البشريّة والحيوانيّة، بكلابه وقططه، تعبر مواكبها في نومي المتوّتر. مما جعلني أعيش باحة تلك الأوقات الغاربة. الظلال والأزقة شبه المعتمة (سوق الظلام) أشباح البحارة والحمّالين يلهثون بأثقالهم طوال اليوم. وشهيق بنات آوى في جروف الجبال المحيطة كما يحيط السوار بالمعصم. وتلك الأبراج التي تراقب السفن العابرة والفراغ.

ذات مرة أمام بيتنا في حارة (اللولوّة)، احتشدتْ فيالق من القطط والكلاب الشريدة الجرباء، التي لا تشبه كلاب جيراني الانجليز، محدثة جواً من الذعر والغرابة، فما كان مني، إلا أن سحبت بندقيّة (السكتون). أطلقت أكثر من طلقة في الهواء المحتقن، فتفرقت الكلاب. أما القطط فظلّت غير آبهة بالأمر. ثم صوبت الرصاص باتجاه صفوفها حيث كانت تخمخم بقايا عظام الأسماك والفضلات، فكانت تسقط فرادى وجماعات متخبّطة في الدماء والحيرة أمام سطوة الرصاص والموت. مما جعلني أحسّ بمجد الانتصار في هذه المعركة الفاصلة.

* * *

بعد المكتب أواصل السير باتجاه الشاطئ. لا أحتاج الى قيلولة ولا استراحة، هناك على الرمل والمياه المالحة سأستريح.. المياه القادمة من بحار الهند والصين وافريقيا، التي يحلم القراصنة، باجتياز لججها الهائجة، والوصول الى مواطن الذهب والعبيد.

في غابر الأزمان أقام العمانيون القدماء ورش نجارة عملاقة في (كيرلا) التي ينتمي إليها مصطفى السائق ووكيل الأعمال الوهميّة؛ لصناعة السفن التي يتشكل منها الأسطول العُماني التجاري والحربي، البالغ النفوذ في البحر والبر من سواحل فارس، حتى مجاهل افريقيا، ثم دلفوا للنسيان، عدا بعض كتابات متفرقة كتبها في الغالب رحالة ومستشرقون أجانب، كون الكتابة التاريخية العُمانية من الضآلة بحيث لا تتناسب مع حجم الأحداث الكبيرة العاصفة، وربما الاحتراب الداخلي قضى على الكثير من الكتب والمعارف على ضوء نموذج الملك (خردلة) الذي أحرق في سمائل كتب ومؤلفات العلاّمة (ابن النظر).

في طريقي نحو البحر، بدل أن أذهب عن طريق الوادي الكبير، أخذت طريق (مطرح) ومسقط القديمة. الهواء منعش. غيوم متفرقة تناوش الشمس كاسرة حدتها الآخذة في التصاعد.

في رأسي طنين مجزرة القطط، وعواء الكلاب الشريدة في ذلك اليوم القائظ البعيد، في حارة (اللولوة) الواقعة في الخريطة المطرحيّة، على مقربة من حارة (سيح الرحبييّن) و(كوه بون) التي تعني وفق اللغة البلوشيّة (تحت الجبل) وقد كان عزيز مدن الذي ينتمي الى عائلة من أعيان قبائل البلوش القاطنين هناك، وكذلك عبدالله الوهيبي، يسميّان تلك الحارة، على سبيل الدعابة، على اسم العاصمة الدنماركية (كوبن هاجن). بالإضافة الى خيال مجزرة القطط والكلاب، تطاردني أيضا من مرابع تلك الطفولة، مغسلة الموتى في مسجد اللولوّة. حيث يسجى الميت لصق حوض الوضوء والغسيل، لنضح الماء على الجسد الساكن شبه المبتسم ووضع الكفن، قبل رحلته الأخيرة الى المقبرة في فناء البلدة.

هذه الصورة أكثر من غيرها تصيبني بالدوار والارتجاف.

* * *

الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. كآبة مرعبة. أفتح التلفزيون، أشاهد فيلماً قديما لـ(لي مارفن وشارلز برونسون)، حتى هذه الأفلام الحركيّة المسلية لم تعد تعرض الا نادراً. فرقة من الشرطة الكنديّة تطارد قاتلاً فريداً من نوعه. مسرح المطاردة أصقاع ثلجيّة صعبة ومنيعة. يأتي طيّار يعرض على قائد فرقة المطاردة، القيام بالمهمة بعد أن فشل على الأرض. وأن المستقبل للطيران وليس لشيء آخر. لقد تغيّر مسار التاريخ.

قائد الفرقة الأرضية (لي مارفن) يجيبه، أن لا حاجة له أن يرى ذلك المستقبل، إذا كان هو بمثل هذه الوقاحة والغطرسة، أحد ممثليه.

تذكرت فيلماً من بطولة (لي مارفن) بعنوان (القَتَلة) عن قصة لـ(هيمنجواي) يقوم فيها بدور القاتل المحترف الخارج على القانون، يقوم بملاحقة شخص سويدي في بلدة مجهولة على الخارطة. السويدي حين يعرف بقدوم القاتل المأجور بهدف الفتك به، لا يهرب ولا يتخذ أي احتياط، وإنما يستسلم لقدره استسلاماً مطلقاً وكأنما الأمر يعني شخصاً آخر. هذا السلوك العجيب من قبل الضحيّة، يجعل القاتل يحتار في الأمر ويحاول التفتيش عن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراءه.. وهنا تبدأ حياته الماضية في الظهور (فلاش باك) ويتضح عبر السرد المأساويّ، أن هذا السويدي الذي عمل ملاكماً محترفاً في الماضي، يصل الى قناعة أخيرة من عِبَرِ حياته وأحداثها، أن الموت هو خلاصه الأخير.

البارحة أيضا شاهدت فيلماً (لروبيرت دي نيرو) اسمه (المشاهد) دائما في خضم مشاهدتي للسينما أتذكر أمين صالح، وذلك الدأب والوعي العميقان بالسينما. وحركتها وتاريخها ومن فرط تحديقه في الصورة طوال الأعوام كادت عينه أن تتلف، في (الصحراء الحمراء) فيلم انطونيوني المدهش… في هذا الفيلم (فيلم دنيرو)، كيف يتحوّل مدمن على مشاهدة كرة البيسبول.. وعاشق لأحد رموزها في أمريكا، الى قاتل بالغ العنف، حين يكتشف أن معبوده، لا يهتم بمعجبيه وعشاق لعبته، بل يحتقرهم حين يشبههم بالنساء اللواتي يحببن لحظة الفوز والتفوّق، وينصرفن لحظة الخسارة. انه يلعب لنفسه ومصلحته. وليس للآخرين مهما كانوا سبباً في شهرته ومجده.

أحاول الذهاب الى النوم. الفجر على وشك الانبثاق. وكالعادة ببطء وتثاقل، كمن يقاد الى حتفه وليس الى راحة وسكينة. أفتح المكيّف، وأدلف الغرفة التي ضمختّها (داليا) بشموع زهر البنفسج التي تساعد على اجتبار مغامرة الليل العاتية.

* * *

الثلاثاء:

الثامنة صباحاً، أصحو على صوت التليفون الذي نسيت إغلاقه. كانت هدى المطاوعة، من (أوهايو) تقول ان الساعة عندهم الآن التاسعة ليلاً.. يا للمسافة الفلكيّة التي تفصلنا. تخبرني انها تود الرجوع الى البحرين لمزاولة، التدريس في جامعتها كالسابق. لقد ملّت الغربة والوحشة في أمريكا. وكي لا تستطرد في شجون هذه الغربة، استعجلت القول: انني لم أعد أهتم بثنائية الوطن والمنفى. فيمكن للأول أن يكون أكثر شراسة في هذا المنحى وقضماً للروح، كما عبّر عن ذلك منذ قرون سلفنا الكبير، أبوحيان التوحيدي وما حفلت به الفلسفة والأدب، خاصة في العصور الحديثة الذي وُلدت من رحمها مفاهيم عظيمة ونبيلة كالحريّة والديمقراطية والمساواة… وولد أيضا المجسّد النموذجي لخارطة العلاقات الجحيميّة وقسوتها.

وفي الأوطان العربية والشرقية الطاردة لأي اختلاف وعدم انسجام مع سلوكيات القطيع وأفكاره.. دائما في معمعة الكلام الفضفاض حول الأوطان الحنونة والمنافي القاسيّة، أتذكر سمير اليوسف؛ وكذلك فيض العبقريّة والإلهام عند بعض الأدباء العرب.

بعد هذه الخطبة التليفونيّة التي (سكرّتْ) أي أفق أمام هدى بما فيه أفق الليل الأمريكي، أدخل الحمّام للاستمتاع بالدوش الصباحي المنعش. ذلك الاستسلام الشفيف لدْفق الماء على الجسد بعد ليلة مؤرقة.. وقد كان كذلك بالفعل لولا مواء القطط الذي يشبه النحيب قادماً من سلّم البناية، ذات السكان الغرباء. وصوت كلب وحيد من البعيد. لا يجد ردّاً من كلاب جيراني الانجليز وهي تعيش هدنة النباح الصاخب التي أجهل أسبابها.

أدخل المطبخ. اشرب ثلاثة أرباع لتر من الماء. أحس بعطش الربع الخالي في أعماقي. أسوّي دلّة الشاي على النار. أقضم تفاحة من غير متعة وآخذ حبوب منع الضغط. أتطلع في الأفق ساهياً عن الدلّة التي تبدأ في الفيضان. أجلس بارتجاف وعدم ثقة، على الطاولة محاولاً عمل شيء ما، ضائعاً في زحام الأشباح.

* * *

الخميس:

من اصعب الأمور عندي، أن أفتشّ في كتب وأوراق وألبومات قديمة. حتى أنني أحاول دائما عدم الاحتفاظ بأي شيء منها. وما تبقى منها جاء من أصدقاء يحتفظون بوّد قديم وحنين.. إنني لا أنظر الى هذه الأشياء الثمينة لدى الأغلبيّة، بعين التعاطف ورغبة التعايش معها، رغم عتوِّ مياه الذكريات المتراكمة، المضطربة في أحشائي، والتي تدفع بي أعاصيرها الى الشلل التام ورغبة الانتحار. هذا لا يعني بالطبع، أنها كانت في مجملها ممضّة ومؤلمة، وإنما حتى تلك السعيدة والهانئة، تتحوّل مع الزمن إلى شقاء وعبءٍ لا قِبل على تحمله.

»الذاكرة عدوّة« كما عبّر رينيه كرافيل ، لدرجة انني ذات ليلة، وقد قذفتني الصدفـة وقتهـا إلى بـاريس، بشـارع الشهـداء )SRYTRAM SED EUR( القريب من حي بيجال الشهير، حيث تتربع في الأعلى المونمانتر، كنيسة القلب المقدّس، الجوار الأبدي بين الرذيلة والفضيلة كما في النفس البشريّة، صحوتُ في منتصف الليل لا أعرف ماذا أفعل؟ وبشكل لا ارادي، أخذتُ ألبومات الصور التي تجمع صفوة الحب والصداقة والقرابة، الى المطبخ وأحرقتها عن بكرة أبيها.

أحس، والنيران تلتهم الصور والوجوه العزيزة بنوع من الراحة والتخفّف من أعباء الذكريات التي بقيت ترقد في الأعماق مطالبة بحقوقها، على وشك الانفجار بين لحظة وأخرى.

اليوم دفعني الفضول أو الضرورة، إلى التفتيش في أوراق قديمة، تجمعت هكذا بمحض الصدفة، ووسط هذا الشتات، عثرتُ على رسالة من معن الطائي، تاريخها يعود إلى أواخر السبعينيات من القرن الماضي. أي أن عمر معن في تلك الفترة، لا يتجاوز الخامسة عشر. كانت الرسالة التي تشبه رسالة الرؤيوييّن القياميّة، تقول في بعض فقراتها؛ أن العالم ماضٍ إلى خراب أكبر. ولن يتطهّر أو يكون إنسانياً إلا بكارثة تزلزل أركانه وتعيد له صياغته الحقيقيّة التي فقدها… الخ.

معن الذي كان في أبوظبي يكتب الخواطر ويقرأها لي بصوت عالٍ، لم ألتقه منذ سنوات. كبر ودرس الكمبيوتر والالكترونيات في أمريكا. وحين التقيته أخيراً وشعر رأسه يقترب من البياض التام، وجدته رغم كل شيء، ما زال يتميز بتلك المخيّلة الواسعة والنظرة الحزينة نفسها للعالم.

قلتُ له: يا معن ما هي أخبار العالم؟

أجاب: بأن أحداث التاريخ المعاصر دفعته أن لا يحترم إلا رجال المافيا الذين بدأت سلالتهم بدورها في الانقراض.

* * *

السبت:

أكتب رسالة لأمجد ناصر إثر قراءتي لكتاب له أعجبت به، ربما قلت له: في ظل هذا الجو المدلهم بالبغضاء والكراهية ورغبة تحطيم الآخر، ما أحوجنا أن نقرأ ونتواصل بمحبّة ونقاء. وأن نظل نحلم وسط هذا الطوفان العاتي للانهيار الذي يتربص بنا دوائر الهلاك الروحي والجسدي..

أتصل بمحمد الحارثي لأطمئن على أحواله الصحيّة، وأبارك كتابه الجديد حول الرحلات. وكنت بالأمس أرسلت له قصاصة قصيدة أرسلها لي سعدي يوسف عبر الإنترنت، بعنوان: »على مشارف الربع الخالي« مهداة إليه.

* * *

حين أكون في جماعة، ندوة أو اجتماع. في صالة مسرح أو سينما، تسقط نظراتي لا شعوريّا على الوجوه، تتفرّس في الملامح والخطوط والحنايا، ويندفع الخيال بعيداً، بعيداً جداً حيث يرقد سرُّ الأسرار وقدسها: الموت..

متى يجرف هذه الوجوه الى عرينه، متى ستتحول بخبطة جناح عمياء، الى جماجم في قبور مغلقة ومفتوحة، ورفات، وينتهي كل شيء؟

عدا صلاة يبقى طيفها النبيل عالقاً بأهداب الليل. أو نظرة حب ألقاها الغائب ذات دهر وبقيتْ تغالب العَدَم والاضمحلال.

* * *

هذه الحضورات النسائية التي أتشظى في حقولها كبحّار تائه، لا يملك هاجس البحث عن نقطة يتوجه إليها بالتحديد. استشرف ذلك اليوم المتقدم من العمر الذي بدأت طلائعه في التوافد. والذي استسلم فيه لدفق الهذيان، مستدعياً نساء حياتي الغائبات بأسمائهنّ (ربما أسماء مختلفة لامرأة واحدة).

في محاولة أخيرة لتأثيث فراغ عزلةٍ ليس أمام صاحبها إلا فسحة نداءٍ أخير.

* * *

صباحاً، أقرأ رسالة لحكيم ميلود من الجزائر مصحوبة بمادة مترجمة لـ(ايف بونفوا)، أستحضر الجزائر العاصمة خاصة، التي انفجر جمالها وصدق أهلها القاطع على ذلك النحو المأساوي الفظ.

أستحضر ، ديدوش مراد، بمقاهيه الأنيقة الضاجّة، وسيدي فرج، الذي ذهبتُ إليه لاحقا، وقد تحوّل إلى ما يشبه الثكنة العسكريّة، مقهى اللوتس. و(باربور) حيث نقضي سحابة يومنا نتحاور في الشعر والحياة وما يلوح في الأفق كوَعْد مستقبليّ بضوئه القليل.

يكتب ميلود »نصوص متشظيّة بالتفاصيل تحاول التقاط ما يتساقط ويذهب متخفيّا في العتَمة.. إنها يوميّات سوداء تحاور حضوراً يأخذ حدّة الاصطدام الصارخ مع مشروطيّة الكائن، ولا تلاؤمه مع اللعنة التي تسمّى وجوداً«.

* * *

في أي يوم نحن الآن؟ الأربعاء، الخميس، الأحد؟ في أي ساعة وزمن وتاريخ؟ لا أكاد أتبيّن علامات الأزمنة. الغبار يلفّ المشهدَ بكامله. الغبار الأرضيُّ وذاك القادم من كواكبَ أخرى. الزمن يسيل سيلان الدماء الغزيرة في الطُرقات والشوارع، في الأزقّة والأودية، على الأرض العربيّة والعالم. الزمن المتدّفق، والمتجمدُّ كصخور خزافيّة جاثمة على صدر الكائن وهو يختنق بأنينه اليائس تحت بطشها المطلق.

في أي يوم نحن الآن. في أي ساعة وتاريخ؟ وفي

مقدم الربيع

جلبة رعود خاطفة. الريح تعوي وتموج مبعثرةً طلائع المطر التي لا تكاد تستقرّ على الأرض من شدّة العصْف؛ وإّذْ تضيء البروقُ النافذة، يستيقظ الرجل من نومه كأنما ترفسه قدم الضوء ليدلف بهاءَ صحوه الخاص الذي طالما انتظره أمام جفاف سماءٍ بخيلة شعثاء.

جلس الرجل الغريب على حافّة السرير محدقاً في السقف الذي تنيره البروق حيث يتدلىّ شبح المرأة الغائبة- غائبة حتى في حضورها- قام من مكانه على الحافّة وتمشى قليلا محاولاً إبعاد طيف الجسد الجميل، كي يستسلم لوهم مراقبة المشهد بكل جوارحه، وتذكر (كيركيغارد) حين رمى الخاتم في وجه خطيبته لأنها ستشغله عن المسيح والمطلق، وابتسم قائلاً ربما كان هذا الفيلسوف اللاهوتي الوجودي عميقاً أكثر من اللازم.. أخذ الجسد يحاصره بسطوة الأنثى وغيابها في مثل هذا الوقت الذي تزمجر فيه الرعود والرغبات. دار في جنبات الشقّة محدّقاً في الأشياء والجدران العارية التي أخذت تتمدّد وتتسع مغادرة مواقعها نحو البعيد، حتى رأى نفسه في صحراء لا حدود لتخومها.

كان المطر يهزج والريح تعوي.. وكانت المرأة الراكضة بغياهب عريها فيما يشبه الصحراء. ركض وراءها يسبقه لهاثه والرغبة والبرق، وحين يقترب وتمتد يده للإمساك بها، يتعثّر ويسقط على منحدرات الرمل الزلِقة. ظلّ يركض من كثيّب إلى آخر، بينما البدو ينظرون من فتُحات خيامهم بعيونٍ ملؤها الترقب والفضول- عيون البدو التي تشبه كاميراتٍ مثبتةٍ على مفاصل العمائر والمباني في المدينة الكبيرة- ظلّ يركض حتى انقطع نَفَسه وأخذه الدوار. حاول أن يستجير، أن يصرخ وسط صفير ذلك الفضاء الموحش لكن صوته تكسّر في أحشائه كالزجاج الهشّ، وحين سقط للمرّة الأخيرة على مخمل الرمل المتماوج، أحسّ بذلك الشوق المحتقن في أعماقه عبر سنين عمره ومِحنه، أحس بروحه تلتقي وتذوب في جسد المكان. وبنصف إغماضةٍ حدّق في النجم المنفرد في متاهة السماء، فرأى نفسه حين كان طفلاً يتقلّب ويجري مع الماعز والكباش ذات القرون الكبيرة الحادّة، على بساط الرمل وفي ظلاله وكهوفه كطائر أسكره مقدمُ الربيع؛ وقبل أن تبتلعه الموجةُ بهبوبها الجامح بَزَغتْ فيه تلك الإشراقة المعبّرة عن سعادة الأبد القصوى..

كان المكان على حاله.

وثمة رغبةُ تطارد امرأةً في صحراء

عيد الأسلاف

استيقظ في الساعة الثانية ليلاً، جلس على حافّة السرير وكأنما على حافّة العالم، حائراً بما يفعل في هذه الساعة.. قرّر الذهاب إلى الحمّام، علّه سيعثر على فكرة ما، وهو في طريقه بتلك الخطوات المتثاقلة، حين فكّر انه عاش في المكان نفسه منذ زمن بعيد، بعيد أكثر من اللازم. وان ثقل خطواته وخِدْر جوارحه على هذا النحو، لابدّ آتٍ من كثافة الزمن الذي استشعره فجأةً وهو يخطو في هذا الليل الموغل في عَدَمه، نحو دورة المياه، كحيوانٍ يشعر بثقل حمولته، لكنه ماضٍ بها، وعلى حين غرّة تبْهضه فينوءُ بحمْلِه. وكالحيوان تغيم أمامه المسافات والوجوه والطرق التي تطارده أشباحها، فيخيّل إليه، ذلك التخيّل الذي يفوق الواقع في حضوره الجارف، أنها عبرتْ حياته منذ قرون.

في منتصف الطريق نحو دورة المياه، أحسّ بالإرهاق ورغبة التراجع من حيث أتى، وكأنما عليه أن يجتاز صحراء شاسعة وأليمة. توقّف أمام الستائر الزرقاء اللاصقة بزجاجها من غير حركة. كانت الريح قد هدأتَ، والسماء صحوُ. فكرّ أن الطبيعة أفرغتْ حمولة عنفها في أحشائه. وأن الستائر التي اختارها زرقاء على هذا الشكل لتذكرّه بالبحر. فالمدينة لا بحرَ فيها، هو الذي اعتاد الهرب من حصارات الروح واختناقها نحو البحر كتميمة وملاذ0 ما أحوج سكان الصحراء إلى ملاذ- وفي الواقع كانت المياه بكافّة أشكالها ومنابعها وطقوسها تخفف من نوباته العصبيّة، وكانت الصابئة من الفرق القديمة التي تعشق المياه والأنهار حتى التوحّد والتقديس..

فكان يقضي ساعات في أعماق ذلك السديم المائي، طفولة البدء، الذي يتقدم البحرُ مواكبه الأزليّة، حين لم يكن هناك خَلْق خارج المياه وعوالمها، حين لم يكن هناك بشر على الأرض..

كانت المياهُ المائجةُ بأعياد أسلافنا، الغابرين.

شرفة الضَباب

كان الصباح قد استقّر على جبهة العالم، عالم المدينة الذي يعيشه هذه اللحظة، وهو مازال على السرير، يحاول القيام وعملَ ما ينبغي عمله في طقس الصباح الذي راقب طلوعه المتكاسل وهو يتمدد ويتثاءب على ظهر المدينة وأشلائها المبعثرة في الجهات كأنما بفعل صاعقة قصفتها قبل قليل. راقب ظهور الصباح حين تفقسه العتمةُ، ممنياً نفسه بمتعة تأمل هذا المشهد العريق.

مشهد ميلاد ((الأضداد)) من أعماق بعضها مشكلّة عالم الحركة والحياة، لتستمر عجلة الوجود في طحنها واشتغالها البالغ الشراسة والغموض! حاول إبعاد مثل هذه الهواجس التي تعكّر صفو المزاج. فالنهار ما زال في أوله، والاكتفاء بمتعة التأمل الجمالي الخالص من الشوائب مثلما كان في الماضي.

ها هو الضَبابُ ينتشر ويعبر الشرفة، غامراً المكان بشفافيته ورقتّه . الأصوات ما زالت في مخادعها محفوفة بالأحلام، وهو على شرفته يرى عناصر الطبيعة تعبر في مسارها المتغيّر كما كانت دائما، لكنه لا يستطيع الإحساس بأي تفاعل أو متعة.. هكذا مسمّرا خشبياً- نوع من عطالة في الإحساس- يمسك بوضوح ذلك الصَدْع الذي أصاب أعماقه.

قال، ربما بفعل تقادم الأيام والضجر. أو أصابته شظيّة من لهب الصاعقة التي تخيّلها تقصف المدينة من غير هوادة. راوده بعض حنين إلى أصدقاء عاش معهم هنا في هذه المدينة. سيذهب إليهم في المقاهي التي يجلسون فيها دائما، يلعبون الطاولة ويدخنون السجائر والشيشة والنميمة. ربما سيتغيّر المزاج، ويقضي نهاراً مرحاً كالعادة، سنرمي الكلام الثقافيّ والنكات والهرج إلى أقصى أفقه العبثيّ الأسود. والهواجس التي تثقل الجسد بشكلٍ لا مبررّ له، سنحولها إلى فكاهة وخفّة، سنحررها من ثقلها وجهامتها ولو لبعض الوقت.

فالحياة، كما هو شائع، لحظةً تُعاش، وكم من تلك اللحظات التي عشناها مع الأحياء والموتى على السواء.

شقّت هذه الخواطر طريقها إلى منطقة التنفيذ في رأسه. دفعته بسرعة إلى حلاقة ذقنه وارتداء ملابسه. شرب قهوته وهمّ بالخروج؛ وقبل أن يتجاوز عتبة الدار، اعتراه ذلك الدوار البسيط الذي يعاوده، فرجع، مفكراً بإرجاء اللقاء إلى يوم آخر.

الغريب

كيف قذفتْ به الصدفةُ إلى هذا المكان الذي يعجُ بالبشر والأشباح؟ مناسبة عيد أو مولد على ما يبدو، هو الذي يهرب من المناسبات الإجتماعية، أيا كان نوعها، إنها تزيد من كآبته وعزلته. ما الذي أتى به، أبسبب مجاملة عائليّة، أثمة أسباب أخرى؟

رآه يحدّق بين الجموع بعيون زائغة مفْعمة بالتذكر والغياب، حائراً مرتبكاً أكثر وحشةً من رجل يقاد إلى المقصلة. كانت الجموع تتدافع للتهنئة والعناق. لاحظ بوضوح أن هذه المحبّة وهذا التضامن يصبُ في دهليز الكذب والنفاق، وليس في القلوب إلا الضغينة والبغضاء.. هذه العناصر وحدَها التي تتكاثر وتنمو كشجرة خبيثة عملاقة، وليس تمثّل ماضي التضامن الإنساني في حبكته المنقرضة، إلا غطاء لمآرب أخرى، وتمثيلاً أكثر سماجة وثقلاً.

رآه بين الجموع يحدّق في الأرض الصخريّة بنظرةٍ يتطاير منها شرر غضب ومقت، لتسقط مستسلمة على رؤوس الجبال المحيطة. يحاول أن يستجدي ومضة جمال غاربٍ حين عبرته لمسةُ حانيةُ من وجه أمه، فأحسّ بشيء من الطمأنينة التي لم تلبثْ أن تعيده إلى سيرة حيرته الأولى.

فهذا المكان الذي تتزاحم فيه الحشود، ما علاقته بأمه وطفولته وحقول أعماقه النائية، ما علاقته بالنهارات التي يخرج فيها الأطفال من المدارس ليدخلوا في شجاراتهم المعهودة، مُفعَمين بغبطة اكتشاف الرجولة، ما علاقته بصباحات الغجر والقطا في فضاء يقطر الأبد من تخومه اللامحدودة، بفجر صياح الديكة والمؤذنين العميان على المنائر المهدّمة، لعبة السكاكين والخناجر، والحكايات التي يسردها رواة المساء عن مغامراتٍ واقعية ومتخيّلة؟

رآه يمشي وسط الجموع بخطواتٍ لا عزاء لها، تشبه مشية مشيّعين وسط صفير الجبال الذي يكثّف من جلال الموت ووحشة طقوسه كأنما في جنازة جيش بأكمله، وقع في مجزرةٍ ماكرة.

غراب الحنين

ما لهذا الغراب لا يكف عن النعيق والنواح ليل نهار؟ أليس من سلالة الغربان والغُداف التي تنام بطبيعتها على جذوع وغدران النخيل والأشجار. وهناك في العالي تبني أعشاشها وتبيض وتفرخ. والتي هي من أكثر السُلالات قٍدماً في تاريخ الأرض السحيق. إذ استثنينا (الصقر) الصقر الفرعوني الذي هو، حسب معتقداتهم، المتقّدم السابق على الخلْق أجمع. هل وُلدَ في العصور الجوراسيّة حين كانت الديناصورات والزواحف تتربع سِدّة الكون والمكان؟ أم قبلها وبعدها، وحينئذٍ نحدِّس أن الكائنات تتخلّق من الخيال الفرعوني الخصب أكثر من الوقائع. وهل ثمة فرق بين الاثنين؟

التاريخ البشري والحيواني حتى ما بعد الأسطوري والخرافي، يبقى مجرّد مقاربات واحتمالات، وليست هناك حقائق نهائيّة بالضرورة. حتى ما يحدث اليوم يخضع للتزوير والبَتْر والتشويه، فما بالك بالتاريخ البعيد. لكن ذلك التاريخ الذي شطّ في نأيه بخرافته وظلّ واقعه القليل، أكثر صدقاً وعذوبةً وأكثر طزاجةً، حين نقرأه من تاريخ أحداث الأمس واليوم. هل هو الحنين مرة أخرى الى ما توارى واندثر، أم أن عصرنا الراهن بكل اكتشافاته الأكثر فنتازيّة وإثارة على السطح، أصبح في جوهره مفلساً وجافاً ويباباً لا يستطيع تحريك الروح والمخيّلة؟ عصر الضخامة والتراكم الكميّ والإعلان، الذي تشحب فيه الأرواح والأفئدة وتغرق في مستنقعه المتعالم البليد.

الغراب مازال منتشياً بنعيقه الذي لا ينقطع. غراب الشؤم المتداول في الحياة والأشعار، غراب (آلان بو) غراب الربع الخالي والمدن الحضاريّة الكبيرة. فهو موجود على خارطة العالم المتناقضة جمعاء، مثله مثل ذلك النوع من العصافير الذي نشاهده في كل مكان. إنه المتكيّف الأكبر مع كل البيئات مهما تباينت بينها المسافات والفروق.

لقد حَفلت الذاكرة والأدب بالقنوط والتشاؤم من حضور الغراب ونعيقه. وأنا في هذه اللحظة لا أرى ذلك صحيحاً. فصوته لا يزعجني على الإطلاق. ولا أبالغ في القول، أنني معه على ألفة ورضا. فهو ينتشلني من هواجس تفترس أعماقي، إنه لا يوقدها ولا يذكيها، كما جرت عادة فهمه. إنه أكثر كرماً ورقةً. كرم يصل حدّ البهجة والأنس.

هذا الوعي العدواني تجاه الغراب، ربما هو الذي جعله حذراً تجاه البشر، رغم ظاهر ألفته، تظل نواياهم وكوابيسهم، تطارده في نومه. وكم مرّة حَلمِ برصاصة تخترق أحشاءه، أو بالوقوع في فخاخ الحقد اللامرئيّة. وهو في حذره هذا يشبه اللقلق والصفرد وإن كانا أكثر حدّة وذعراً بكثير. والاثنان يشبهان العقاب في حدة سمعه حسب قول الشاعر (أسمع من فرخ العقاب الأسحم).

لقد نسي البشر فضائل كثيرةً للغراب، في مقدمّتها وأكثرها شهرة، تلقينهم الدرس المفعم بالسّر والذكاء، في مواراة جثث موتاهم، كي تأخذ راحةً، تليق بغائب أبدي. وألا تكون لقمة جاهزة للضواري والوحوش.

بالأمس رأيت غرابين، قد حطا على حنفيّة ماء مرتفعة عن الأرض، وعلى مقربة من البحر، أخذا يتبادلان قطرات الماء عبر منقاريهما، بحنان بالغ حدّ الجَمال الآسر، لعلهما ذكراً وأنثى؛ حطاّ على الضفة الأخرى من الكائن المحاصر بأهوال البراكين والحروب.

ســـيف الرحــبي