جديد الكاتب

أحلام القدماء

 

 

6

أحلام القدماء

تلك التي تفعمني برائحة

الموتى في السرير

أراهم يختالون في حدئقهم المليئة

بالسناجب

في غسق المقابر

مشيرين إليّ بضراعةٍ وعنف

أن التحق بالقافلة

رغم عواء كلبها الجريح.

وربما غير ذلك

لا أكاد أتبيّن الاشارات

في ظلام المقابر الدامس.

7

عيونهم مَغْمضَة قليلا

يضطجعون على الخاصرة

يفتحون جزءاً منها

كأنما ثقل التراب على الجسد

أحزنهم قليلا

وغياب الأحبة

يتذكرون ميلادهم

في صرخة مباغتة

ولا يفكرون بالقيامة.

8

يتذكرون الدنيا

بأوجه شاحبة

وقلوب مكلومة

كأنما مرّت عليها عربات جلادين.

الطرقات وقد شاخت

تحت أقدامهم

مفعمة بروائح الأجساد التي انهكوها كثيرا

مَسُوقين برغبة الزوال

الزوال الذي لم تساومهم عليه الحياة

التي ساومت في كل شيء

ربما رغبة في التجديد

رغبة في الخلاص

عرين الأسرار الأزليّة

يفقس بيوضه في السلالات

التي تجرجر أثقالها من فيضان

الى آخر.

مسوقين بالرغبة نفسها

التي لا تشيخ مع الأحقاب

الموتى الذين لا يتذكرون موتهم

ويتذكرون الغيمة التي تنزل مع المساء

على الأسطح والجبال

وعلى مراوح النخيل.

9

تلك قصارى أيامهم

ينزل المطر على الصحراء

يصغون لثغاء الماعز

والطيور المهاجرة التي دمّرها التعبُ

فانسكبت في حياض الصحراء

يصغون الى حنينهم

ينفجر مع البرق، صواعقَ

تقصف الطرقات

لبكاء أطفالهم الذين لم يولدوا

للبهجة تعبر رؤوسهم نحو سَمَر بعيد.

للطفولة

يتسلقون ظلالها في الردهة

المظلمة

لعفاريت البيت القديم

ومطاريح المياه.

10

وروت القابلات حكايات عن طفولتهم

ونائحات الخرافة بالأجرة

حكايات بددها النسيان

وبقيت مِزَقاً كالأجنة الميّتة في الأرحام.

حكايات ليست عن قوم عاد وثمود ولا قوم لوط ولا أساطير سدوم وعمورية العامرة بالرذائل والفسوق وبطر الثروة حين تنطلق من عقالها بعد جذب وقحط ورياح سموم هوجاء. ليست حكايات الأقوام الغابرة ولا تلك المقبلة من القرن الأربعين وعالم النجوم.

حكايات الطفولة البسيطة التي ذهبت بددا

وعاث جنباتها التلف والخراب

أرض بوار

وفيافي ينعق فيها الغراب.

روت آخر نائحات القرية هذه الحكاية

المقصوصة الجناحين كطائر يتيم:

بعد انقضاء الصيف عادت الضباع مع طيور الصِبا

حاملة في مناقيرها السهوب

على حافة المقابر والبيوت تتحلّق بعد غيبة طويلة ظن الأهالي أن لا عودة بعدها وأنها ذهبت الى الأبد. لكنها هاهي بجرائها وأفراخها تقفز مع ضياء الفجر الأول من قبر الى بيت وفوق خيام الزطّ

في الوادي السحيق المطوّق بخيال الأبراج

والسّحَرة من كل الجهات، مرحة برحيل

القيظ ترضع مع الصبية والموتى لبن الصباح.

* * *

في مكان قصي يتبدى مثل كهف مقذوف

في العاصفة، بين الجبل والبحر، عشت

فترة من الطفولة.

هناك تعلمت السباحة في البحر

وفي عيني أسماك القرش

وحدّقت مليا في سجناء ((الجلالي)) الذي كان البرتغاليون يسمونه قلعة ((سانت غوا))- وهم يحملون الأثقال من الأسفل بأصفادهم الى رأس ذلك البناء الجبلي، الذي كان في الماضي دعامة الدفاع عن المدينة.

هناك شاهدت العناق الأول

بين الجبل والبحر

شاهدت ارتطام الصباحات ببعضها

كالنيازك

ورأيت ميلاد الأبديّة.

شاهدت العُزلات تمشي وحيدة

كالوعول قرب هيجان المحيط

والأجساد تطفو فوق الزّبَد والحطام

وكان القادمون من بلدان (المتروبول)

يطلُون من شرفاتهم ذات الطُرز الهندية بينما كنا نقرأ دروس اللغة والفقه، على ضوء السرجان التي تتنفس بصعوبة مثل كائنات تحتضر.

وهناك أيضا تخيلنا البحارة في المناور والمراكب الشراعية غاطسين في  أعماق (سلامة وبناتها) وشاهدنا بحر الظلمات. وكان الصيادون الفقراء يأتوننا لقراءة الطالع البحري فنقرأ لهم شعرا للمتنبي وأبي مسلم، على شكل تعاويذ حتى يصطادوا بوفرة فيغمرون التلاميذ بالسمك والحلوى.

وجزيرة سرنديب حيث يأكلون الفيلة والبشر ويطيرون بأجنحة من نار.

* * *

كان ذلك عام 1965، أتذكر كنا ننام على حافة الوادي في (سرور) على جري العادة في الأصياف اللاهبة. كنا نفترش المسيل الذي تلمع أحجاره الصغيرة تحت سطوة الضوء الباذخ لقمر تشرين. وكانت أصوات صناطير ((القيّاظة)) ولهاث نسائهم خلف الستائر الخفيفة البيضاء التي يمتازون بها عن أهل البلدة، تغمرنا بالفضول وهجس الرغبة الأولى، بالرحيل وارتياد الأجساد.

كنا صبية الوادي الأشقياء.

وعصابة الجبال التي تصطاد الفجر والقطا.

بينما الأهل غارقون في نهر نومهم الذي تفيض على جوانبه الأحلام والمشاجرات.

في ذلك اليوم، اليوم نفسه سمعنا النداء الغامض قادما من أسافل القرية يتهادى مثقلا بطحالبه ونعاسه، مبشرا بوصول القادمين من الشرق الافريقي وزنجبار إثر الانقلاب في تلك الأقاصي السوداء، بعد أن حكمها العُمانيون عقودا متتالية، ملتهمين طقسها وعطاءها الوفير كما ظلوا يتحدثون، مأخوذين بسرد الذكريات والمغامرات والأعاجيب. وباعة الوَرْس القادمين من حضرموت. رحالة البدو من أقاصي ((وهيبة)) والربع الخالي يتدفقون على الوادي المعشب بلياليه والقادمين لقضاء ليلة

والعابرين نحو البنادر والبحار.

وكنا نحن عصابة الأصغاء، نلملم أطراف المشهد

معيدين بناء المغامرة في مخيلاتنا المرتجفة من فرط الهواجس وأحلام الاقتحام

وفي اليوم نفسه، ربما من عام آخر

وزمن آخر غير موجود في الذاكرة البشرية

وبعد ما مرت سنوات عجاف

هلك فيها الزرع والضرع، سمعنا النداء نفسه من أعالي القرية هذه المرة،

ينبئ بالسيول الكاسرة التي تبدو في اندفاعها

الكاسح ورهافتها وملمسها السماوي الحزين كأنما

قادمة من خلف جبال الكون.