جديد الكاتب

آلة العدوان البشرية

لا يبدو أكثر ارتساما وفعالية وفتكا، في أفقنا المعاصر، من آلة القتل والعدوان بكافة مستوياتها، 1لمادية والروحية والمعنوية وعلى صعيد كوني..

هذه الآلة التي تمضي في طريقها الكاسح وكأنما هي الخلاصة الناضجة والمشعة بمرارة الحقيقة لما وصلت إليه البشرية من معرفة وخبرة عبر أزمانها المختلفة.

كل مشتقات المعرفة وسياقاتها المتشابكة والمعقدة، تبدو في هذه المرآة وكأنها تصب، في نهاية المطاف، في هذه الهاويات من الدم والضغائن والمرارات..

يخوض البشر حروبهم من غير سلاح في اطار قنواتهم ومصالحهم اليومية، والسلاح دائما يكون خبيئا في هذه المعارك المستمرة ومضمرا فيها، من غير انقطاع لحظة واحدة.

والسلاح دائما نزعة النفس ورغبتها في دفع الأمور إلى ذروة الهواجس والتفجير لما تراكم في قاع النفس وحناياها، لتأخذ حلقة العنف العريق مع الآخر فحوى ومدى، تشفي غليل المتحاربين سواء من أبناء العمومة أو من أقوام واعراق مختلفة ومتباعدة.

ليست الحرب في شكل الأسلحة وفتكها وقوة تطوير الآلة منذ قابيل وهابيل، اي منذ آلة القتل الحجرية وحتى القنابل الذرية والنيترونية وعابرات القارات… الخ، ليست الا استمرارا وتطويرا لذلك ا لعدوان والتحارب اليومي الذي يستمر من غير مدية وقنبلة حتى يصلاليهما من غير هوادة..

يولد الكائن ويتربى وتولد معه وتتربى حروبه وعداواته وضغائنه.. الطفولة وحروبها العذبة البريئة التي لن تلبث كذلك حالما يشب الطفل عن طور طفولته ويدخل عالم “الراشدين ” الذين من فرط رشدهم وحكمتهم، يقفون وراء كل المذابح والتصفيات التي تتناسل مقابرها عبر الأجيال بكل انواعها، هم صناعها وضحاياها وشهودها..

رحلة طويلة في الزمن والمغامرة تلك التي مر بها العقل البشري من وعيه العفوي للقتل بالآلة الحجرية، وهى أول معرفة سيكون هذا نوعها، في نزوعها العدواني، يعيها الكائن في مغامرة الوجود الكبرى.

وحين أراد أن يضفي لمسة حنان وانسانية لدفن جثة أخيه المتعفنة، لم يستطع اكتشاف وسيلة لذلك. كان عجزه تاما في خلق ناموس للمحبة مثلما خلقه للقتل، فتعلمه من الغراب، الغراب معلم حكمة الانسان الأولى التي لا تتسم ببشاعة واعلان حرب وانما تواري سوأة هذه الاخيرة وتطمرها في أعماق أرض سحيقة وطاهرة، ستمتلئ لاحقا بالجثث والضحايا والخيانات.

رحلة طويلة تلك التي قطعها الكائن (البشري طبعا) في تطوير آلة القتل والعدوان وسخر لها جل معارفه واكتشافاته الخلاقة، حتى لتبدو هذه الآلة ونوازعها العملاقة، مركز الوجود أو عصب الهدف في مغامرة العقل البشري الكبرى !!!

هذا العقل الذي كلما اوغل في تطوره وتعاظمه اوغل في عدوانه ودناءته، عدا استثناءات لا تكاد تذكر أمام تاريخ هذا العار البشري كما يصفه “نيتشه ” ووصفه قبل ذلك أبو العلاء المعري كخرافة وعدم ماحق أصيل.

كانت الحروب في سالف الزمن تخاض بقدر من التكافؤ ومعايير القيم والأخلاق وبقدر من نبل الفرسان، اما الآن، فكما نرى ونشاهد، وقد بلغت البشرية أطوارا مدنية وحضارية عالية وعرفت مؤسسات وديمقراطيات في شطر كبير منها، صارت الحروب تخاض عارية من كل ذلك عدا الغطاء الاعلامي الضخم الذي خلقه تطور العقل التكنولوجي الهائل والذي لا يقل استباحة وشراسة عن فتك السلاح، بقنابله وعناقيده وحاملاته واساطيله الذرية وأشباحه.

صارت كل دولة او دول مهما بلغ حجم قوتها وجبروتها، يمكنها بدم بارد ان تسحق بلدا آخر ما زال يسعى الى تأمين وسائل معيشته الضرورية ولا يملك من أسباب القوة شيئا عدا غريزة البقاء، ودفاعه عنها والتي تسحق غالبا في ظل توازنات القوى المهيمنة على برهتنا الراهنة.

منذ الحرب العالمية الاولى وهي المرحلة التي أخذ فيها العقل الاوروبي بزوغه الكبير، ازدادت آلة القتل والحروب نهما وشناعة وأودت بمئات الملايين في مهرجان عربد فيه السلاح والجنون الأعمى لسادة العقل البشري الراهن. وحين أرخت حروب الكبار مؤقتا اوزارها، دفع تجار السلاح الآلة العسكرية الى مناطق التهميش الخضاري والاقتصادي وصار التفجير الممتزج بالفقر والحرمان على اشده في حروب ناب فيها “الصغار” هذه المرة ليستمر النهب والسمسرة وتستمر آلة القتل في مسارها الطبيعي.

في هذا الافق المتجدد دائما بأمثلة الموت، صار الوحش يطارد ضحيته بتلذذ وخفة تتضاءل معها جموحات مخيلة البراكين أو مخيلة “الماركيزدي بساد” من غير حساب حتى لتوازنات كانت قائمة ولو بشكل مصلحي..

في العصور العبودية الحديثة، يكفي أن تخرج بكلمة او اشارة على بيت طاعة القوة كي يستأصل وجودك كاملا او تذل وتكره. هذا ينسحب على الدول والجماعات حتى الافراد المتميزين.

آلة القتل الديمقراطية هذه لا تعدم ضحيتها بالسلاح العاري فقط. هذا القصاص يأتي في حده الأعلى، هناك وسائل أكثر لطفا ومراوغة ونجاعة، والنتيجة الحتمية واحدة وموحدة من قمة الهرم حتى قاعدته المبنية بخبرة العصور ودقة الرياضيات والكمبيوتر.

إذا كانت آلة القتل والعدوان في الدول والمجتمعات المتحضرة تمتلك كل هذه السطوة والمدي اللامحدود، فالبلدان أو العوالم الثالثية، كما أطلق عليها اقتصاديون، بمختلف خصوصياتها وقاراتها وأطوارها، مزروعة هي الأخرى في أرضية قتل فريدة، يغذيها تاريخ لم تنقطع عن إرثه الدموي، لحظة واحدة بسبب تطور أو تحضر عدا القشرة والماكياج.

تاريخ من التحارب الطائفي والقبلي والاثني والعائلي، يغذي أرضية الدم ويدفع بها إلى مناطق جديدة وعبث مطلق. وهي لا تقيم وزنا لفرد او فرادة في شيء. فالكل ينضوي تحت لواء القطيع في أشكاله الحزبوية والكتلوية والفئوية، الساحقة للخصوصية والفرادة.

الأفراد في هذه المجتمعات التي طحنتها الحروب الأهلية وما هو اسوأ منها وطحنها التخلف والجوع والمظاهر الكاذبة وطحنتها الاقتلاعات والهجرات والبطش بكل انواعه وتبديد الثروات – هؤلاء الأفراد أصبحوا حربا على بعضهم البعض بطريقة لا نظير لها في تاريخ هذه الآلة البشرية للقتل والتدمير بنوعيه، تدمير النفس والآخر القرين.

في هذا السياق تضيئنا بعض روايات أمريكا اللاتينية عن تفاعل سياقات القمع وسيكلوجية القامع والمقموع في دولة كليانية وشمولية، حيث تنحل صفات البطريارك وتنبث في خلايا المجتمع والافراد.

لا يتجلى أكثر سطوعا وبداهة وفتكا في أفقنا المعاصر والحديث عن وضوح وفعالية هذه الآلة الجهنمية بكافة مستوياتها ورموزها، ونحن نقف على عتبة قرن قادم، يتبدى فيه العرب مثل ضفادع المختبرات العلمية، على استمرار هذا الحال ؛ قرن لا شك مولود من رحم آلة هذا القرن الذي عشنا شطرا بسيطا من أسطورته وازمانه المتراكمة.

لا نتفاءل ولا نتشاءم،فلم يعد من معنى لهذه الثنائية الساذجة، فقط، نحاول أن نشهد ونرى، بعيون تحجر دمعها وقلوب تفيض ألما وضحكا.

نشرات الأخبار بكل أنواعها، تلخص ما يحيق بهذه البيضة الأرضية، من حروب وفيضانات وأهوال وكوارث. في هذا المشهد القيامي تتداخل أشكال الدمار الاجتماعي والطبيعي، الذي هو جزء من مسؤولية البشر وتحاربهم وعدوانهم على الطبيعة والأرض كما عدوانهم على بعضهم البعض.

بؤرة العدوان المسيطرة توزع سموم آلتها في كل اتجاه بشري وطبيعي، نباتي وحيواني.. الاحياء يودعون موتاهم المغدورين في انتظار موتهم والنزعة الانسانوية والأممية للشعوب والأمم ليست الا جزءا من الآلة يوجهها الاقوياء وجهة مصالحهم وأهوائهم.. مشهد قيامي حقا يبدو معه جحيم “دانتي” روضة من رياض الجنة كما يعبر الدكتور عبدالغفار مكاوي في بحثه الحميم “مستقبل الفلسفة في قريتنا الأرضية” المنشور في هذا العدد من مجلة (نزوى). ونحن نتساءل معه.

هل ما تبقى من الفلسفة والفنون والآداب هو ما يخدم آلة القتل والعدوان اي الذي ينضوي تحت لواء “البرجماتية” 1لمعادية لسمو الانسان أما زال هناك ضوء بسيط يخترق النفق ويصلنا من عصور الروح المتدفقة في مدارات كائنها، بجمال طبيعي وكتابة تقول براءتها البسيطة اللاهية من فرط عمقها، وإعادة الاعتبار للمعرفة الحدسية ورفعة الخيال وقيمه التي تذهب عميقا في التراث العربي والمشرقي ؟؟ في مواجهة هذا التصنيع للاشياء بمعناه الفظ والتعليب والتبضيع (من البضاعة) التي تشكل بعض علامات عصرنا.

أم أن هذه الاشارات ضرب من رومانسية مضى عهدها؟!

رغم هذا المشهد المهيمن على سياق التاريخ والبشر، هناك من يبحث عن ملاذ روحي وفسحة فيها بعض من نور الإبداع الحر. تبقى الكتابة الحقيقية الباحثة عن ذاتها وعالمها في عزلة وتيه وصحارى لا تنتهي عند حد، ضد نزعة العدوان التي تنتظرنا وراء كل أكمة ومنعطف زقاق، وفي أعماقنا المذعورة دوما.. تبقى الشاهد والضحية..

سيف الرحبي